مقالات تأريخية

مجلس الآلهة في بلاد الرافدين✍️ إيف شميل-ترجمة مصطفى ماهر

غلاف كتاب "السياسة في الشرق القديم" يتضمن صورة لتمثال فرعوني، مع تصميم أنيق متداخل مع الألوان الدافئة.

في البدء كان الكلمة. في المدينة السماوية كان الآلهة العظام يتناقشون في كل أمر، مكرسين للسياسة الوقت الذي يوفرونه من عمل الآلهة أرباب المقام الرفيع. وتعرض مجلس١ الآلهة من حيث هو مقر حكم الصفوة الهادئ على مر الزمن لضغط شعبي شديد جعله ينفتح للعبيد المحررين والأجانب. وأدى هذا به إلى أنه أصبح أقل حكمة، وإن زاد حيوية ونشاطًا. وكان أن ظهرت الديماجوجية وفي أعقابها الطغيان. ونزلت الأرستقراطية القديمة شيئًا فشيئًا عن سلطانها لخطباء لئام ومناورين خبثاء أو عسكريين بلغاء. وقام هؤلاء بقوةٍ من جاذبيتهم بحملات شرسة وأعمال مهولة تيتانية. حتى إذا انقلبت شعبيتهم، وضاق بهم السواد، انتهى بهم الحال إلى الانعزال في قصورهم الفارهة تحت حماية مأجوريهم من المرتزقة. ولكنهم على الرغم من ذلك ظلوا يتشبثون باحترام مظاهر الديمقراطية.

لم يجر هذا الحدث في بلاد الإغريق بين القرنين السادس والثالث قبل الميلاد، وإنما في بلاد الرافدين بين الألفية الثالثة والألفية الأولى قبل الميلاد. وهذه هي الصور تتوالى ومن تحتها عبارات دبجتها أجيال من الكتَّاب عمرت قلوبهم بالتقوى. وعبَّر هؤلاء الكتَّاب هكذا عن معنى العالم كما أدركوه، وعن عالم السياسة كيف فهموه. ونحن نستشف بالحدس في أدبهم أحداثًا عاشها أشخاص حقيقيون، أعاد توظيفها مفكرون كُلفوا بتفسير الهيمنة وآلام الإنسانية المعهودة — من مجاعات وأوبئة وحروب وثورات ونفي وتهجير — أي كُلفوا بأن يحولوا اللانظام إلى نظام والقصص الصغيرة إلى تاريخ.٢

وكان تشكيل المجلس السماوي عرضة للتغيير. فهو في أدنى صوره يختزل إلى ثلاثة أعضاء،٣ والأغلب أن يكون خمسين عضوًا؛٤ وفي أقصى اتساع له يضم المئات من الآلهة (كافة الآلهة pukhur ilî): الأعداد تتغير حسب النصوص والعصر الذي تتناوله (قبل مولد البشر أم بعده). ولا ندهش قط عندما نلاحظ أن العدد أخذ في تزايد منتظم حتى نهاية الألفية الثانية ق.م. حيث انضمت إلى المجلس آلهة ثانوية تحت تأثير مفاهيم الدولة التي أصبحت أكثر «ديمقراطية» وأقل مركزية. وكانت الربات جزءًا من مجلس شورى الآلهة — البرلمان الإلهي — أما الشياطين فكانت مستبعدة. وكان أعضاء مجلس الآلهة جميعًا متساوين سياسيًّا، متباينين اجتماعيًّا.

وكان من شأن الآلهة الأولانية آنذاك أن تقرر عن طريق القرعة مصير الكائنات والأشياء كلها، «مقدرة أقدارها». حرصًا من الآلهة الأولانية على أن تكرس جهودها للمستقبل على نحو أفضل فقد تخففت من الحاضر وألقت عبئه على أكتاف أنداد أقل حظًّا. ونقلت إلينا الروايات أن العبء الواقع على الآلهة الأولانية، كان في مشقته سدس عبء السُّخرة الذي حملته آلهة المرتبة الثانية. وأيًّا كان الأمر فقد ظل عمل الآلهة يعتبر مهنة حقيقية: بعد أن حل محل الإنتاج الفعلي إنتاج رمزي.٥

ولما كان الجهد الفكري يعتبر أكثر مكافأة من العمل اليدوي فربما جاز لنا أن نتصور أن هذا الفرق يكفي وحده سببًا يثير في نفس العمال اليدويين الرغبة في اللحاق بركب محترفي السياسة. إلا أن هذا السبب لم يكن حافزهم الوحيد. فقد كان المشهد الأولاني الذي يتقرر فيه مولد الإنسان، والحق يقال، أقرب شيء إلى وليمةٍ يدلف المشاركون فيها عندما تنتهي إلى «قاعة الأقدار» بغية «مناقشة برنامج العام القادم وتقدير الأقدار للجميع». وكانت هذه الأقدار المقدرة تسجل على «لوحة الأقدار، بين يدي العاهل».٦ ولقد وصفت الأطعمة التي كانت تحفل بها الوليمة بعناية كأنما كانت من المناسك الدينية، ولهذا فإننا لا نجد حرجًا في أن نفهم أن هذه المظاهر المعبرة عن البذخ كان من شأنها فيما مضى من الزمان أن تثير طمع المحرومين منها أشد الإثارة. ولنذكر على سبيل المثال حفل الاستقبال الذي أقيم للربة إنانَّه Inanna (المسماة عشتار Ishtar في الأكادية) فوق «الجبل المقدس حيث يؤكل الطعام الخاص»، في «قاعة الولائم»،٧ وتخيله كاتب عاش «في الثلث الأول من الألفية الثانية ق.م. …»:٨

«تمتعَت بفطائر بالزبد معجونة

وصبوا من أجلها الماء القراح، متعة القلب! …

على المائدة المقدسة، المائدة السماوية،

إنكي Enki مع إنانَّه Inanna جنبًا إلى جنب

صبوا البيرة، صبوا النبيذ

فامتلأت كئوسهم حتى فاضت

وقارعوا الكئوس منافسين من بالسماء والأرض.»

ثم حان بعد ذلك وقت الكلمات، تبعتها القرارات التي جعلها السُّكْرُ البيِّن إجماعيةً.

«في جمعيتهم العمومية

تلاقوا وحدهم سرًّا

واتخذوا أماكنهم إلى الوليمة؛

فازدردوا خبزهم وعبُّوا بيرتهم:

ومن الشراب الحلو المُسْكِر

ملئوا أوانيهم ليرتووا.

فلما ارتشفوا الشراب المُسْكِر

أحسوا أبدانهم لانت وارتخت

دون أدنى هَم أو غم.

وهكذا قدروا قدَر ماردوك Marduk».٩

هذا الإجماع الظاهري يخفي من ورائه مناورات سياسية مدبرة في ظلمة الخفاء. في النصين اللذين تمثلنا بهما تستغل إنانَّه Inanna جو النشوة في الاستيلاء بالخبث على أدوات السلطة من إنكي،١٠ وينتزع ماردوك من أنداده توكيلًا عامًّا شاملًا. وسيكون التصرف الذي ينم عن حنكة سياسية شيئًا ضروريًّا لا محيص عنه مع اتساع المجلس السماوي. فنجد الشاب الطموح ماردوك Marduk، قبل أن يحقق غاياته الخفية، يحصل من رئيسه، دون أن يبدو عليه أنه يتآمر عليه، على تكليف بمهمة رئيسية لم يطمح إليها أحد من الآلهة الأخرى، وإنْ جاء طلبها بإجماع عبروا عنه بالتهليل والهتاف.١١

ويلعب رئيس المجلس الدور المنظِّم الذي توليه إياه الأنظمة البرلمانية. والرئيس هو عادةً أقدم الآلهة، والآلهة تخصه بالاحترام أعظم الاحترام، دون أن تعتبره سيدًا عليها. نقرأ عن إنليل Enlil أنه:

«ظل مشلولًا

قديس القديسين وقد تجرد من جلالته!

عندئذٍ أقبلت الآلهة من كل صوب وحدب

من أجل أن تتخذ قرارًا.

وفتح أنو Anu، رئيسهم، فاه

وأخذ الكلمة

وخاطب الآلهةَ، أولادَه.»١٢

وتقع الرئاسة أحيانًا على كاهل من يشبه أن يكون الإله الوزير، مثل نوسكا Nuska (رئيس المجلس)، (مهندس) القصر السماوي، وما أشبهه بالوزير المصري إمحوتب وهو أكثرهم شهرةً.١٣ وفي أغلب الأحوال يتشكل حول أنو Anu، الأب الإلهي للأنوناكي (وما الأنوناكي Anunnaki إلا أقدم أو أهم الآلهة، أشبه شيء بالشيوخ) ثالوث يلعب فيه كل واحد دوره: دور الرئاسة (يتولاه أنو Anu مَلك السماوات)، ودور الدفاع عن سياسة الحكومة (يتولاه إنليل Enlil مَلك الأرض) ودور عرض الإصلاحات (يتولاه إنكي Enki مَلك المياه). وهذه الشخصيات البارزة تمتاز عن عامة الآلهة ولكنها لا تمتلك وسائل القبض على السلطة في نظام يمكن أن نصفه بأنه مَلَكية دستورية. فالثلاثة من أصحاب السمو الملكي. أولهم هو أكثر الملوك طيبةً (شارُّو sharru)، وثانيهم أعظم المستشارين (مالِكو mâliku)، وثالثهم أمير المخترعين (ناؤكو naûku).١٤ والمجلس يعمل أيضًا عمل المحكمة، ويمكن أن نتبين نمط كل عضو من الأعضاء: فعلى رأس المحكمة رئيس متسامح يتلمس الظروف المخفِّفة (ذلك هو أنو)، وممثل الادعاء القاسي العتيد الذي يصطنع من أساليب التأثير ما يروع المحلَّفين (ذلك هو إنليل)، وثالثهم هو المحامي البارع الذي يتولى الدفاع ولا تعوزه الحجج أبدًا (ذلك هو إنكي Enki). وينهض الثلاثة بعبء ثقيل. والقرارات الفردية كثيرة، وهي تمس كل الآلهة حتى أرفعها قدرًا: ونحن نعرف أن الإله إنليل نُفي بتهمة الاغتصاب، ونذكر في هذا المقام محنة الربة عشتار Ishtar التي أعيدت إلى الجحيم الذي رجعت منه لتوِّها بعد أن زارته متنكرة بدافع الفضول، فعوقبت على فضولها.١٥

ويعود الكلف بالمحكمة وقاعتها إلى بدايات الزمن، عندما كان للمنتخَبين في الاقتراع الأولاني وحدهم — وهم «الأنوناكي Anunnaki، القضاة السبعة» —١٦ صلاحيات قضائية. فلما تمت عملية ضم آلهة جدد مع تحرير الآلهة العبيد أصبح المحلَّفون ستمائة — ثلاثمائة أنوناكي (اعتبروا منذ ذلك الحين جهنميين) ومثلهم إيجيجي Igigi (سماويين).١٧ وهنا خيم النسيان على الأصول الدنيا لأصحاب المقاعد الخلفية backbenchers (كما يسمون في مجلس العموم البريطاني النواب الذين تنتخبهم القاعدة). وفي هذه الأثناء أدت ألوان من النجاح الفردي الجميلة إلى تقوية المجلس، فهذا نجاح نينورتا Ninurta ونجاح ماردوك، وهما فارسان شابَّان مغواران جسوران قبِلهما الكبار تقديرًا لانتصاراتهما) سيكون لك مكانك المسوَّم في كل مقدساتنا؛١٨ ونجاح سود Sud التي أصبحت نينليل Ninlil بعد زواجها (هذه نبيلة بلا فخار أصبح لها اسم عظيم؛)١٩ أو نجاح عشتار Ishtar التي طالبت بقدَرٍ مجيد ووُفِّقَت في طلبها أي توفيق حتى إنها حصلت على عدة وزارات:

«إنانَّه المقدسة، المرأة الشابة،

التي لم يكن لها من قبل منصب قط،

… راحت تشكو، وتزرف الدموع السخان، وترغي وتزبد

لماذا عوملتُ، أنا المرأة، معاملة مختلفة،

أنا وحدي؟»٢٠

ولكي يكون اجتماع الآلهة قانونيًّا، كان من الضروري أن يحمل إليهم رُسُلٌ دعوة صريحة العبارة إلى جلسة عادية (من أجل برمجة الأقدار) أو جلسة غير عادية (حسب ضرورات أحداث الساعة: تهديدات الحرب أو القلاقل المدنية). وجاء في قصيدة الخلْق السومرية أن الجلسة لا تنعقد إلا بسبعة على الأقل، وأن الجلسات كانت تطول وتطول٢١ مرة بعد مرة. والحقيقة أن الخلافات بين الآلهة كانت كثيرة الحدوث، بل كانت ضرورة لاتخاذ القرار: ولا بد من أن تكون المناقشات تناقضية حتى لا تصبح عديمة القيمة.٢٢ كان كل واحد يطلب الكلمة من الرئيس ثم ينهض عندما يأتي دوره ليوجه الحديث بحريةٍ دونها كل حرية في العالم إلى أنداده. (نهض إنليل: وفتحت المناقشة؛ نهضت نينتو Nintu وشكت أمام الجميع). والخطباء المفوهون يفتنون جمهورهم ويخلبون لبه. وفصاحتهم تلقي التقدير كل التقدير حتى إن جمهورهم يهب واقفًا وهو يصفق لهم.٢٣ وهكذا سبق تراث المنازلة الأدبية السومري ثم السامي المنازلات الشعرية في العالم العربي. فإذا أسَرَت المؤثرات البلاغية المجلس، وتملكته في النهاية حجةٌ نهائية، كان البعض فيما بعد يأسفون خارج الجلسة على ما جرى:

«ولكني أنا، في مجلس الآلهة،

كيف كان يمكنني

أن أتخذ معهم مثل هذا القرار النهائي؟

لقد جعل إنليل بخطبته … البارعة …

كلماتي بلا جدوى!»٢٤

بين خطبة إنليل Enlil، رئيس الوزراء آنذاك، وقد اغتاظ من التشكيك الخبيث الذي دسه موظفوه، وبين خطبة إنكي Enki (اسمه إيا Ea بالأكادي) الذي يمكن اعتباره معارضه «اليساري»، ما كنا، نحن البشر، حتى من ينتمون منا إلى «اليمين»، لنتردد بحال من الأحوال:

رئيس الحكومة:

«عندما سمع إنليل لغطهم

توجه بالحديث إلى الآلهة الكبار:

«لقد اشتد لغط الناس فزاد عن الحد:

فما عدت أستطيع في هذا الصخب أن أنام!

ألا فلتأمروا بأن يصيبهم الوباء» …»

رئيس المعارضة:

فلما فتح إيا Ea فمه

وجه الكلام إلى الآلهة، إخوته:

«ما بالنا نُجرِّمهم؟

لقد كان عملهم شاقًّا، وكدحهم بلا نهاية!

وكل يوم

كان دعاؤهم شيئًا رهيبًا!»٢٥

وها هم أصحاب الأصوات العالية في المجلس يتصرفون كما اعتاد أصحاب الأصوات العالية في أيامنا هذه أن يتصرفوا: إنهم يعبرون عن تواطؤهم (أما أنا فلم أكف عن الغمز تنبيهًا لك! ولكنك تصنعت أنك لا تفهم غمزي: وبقيت تحدق في الأرض!)؛ وهم يتثاءبون من السأم أو يفتعلون الاستهزاء (فلما سئم من البقاء في ركنه بينما اجتماع مجلس الآلهة على أشده، تملكه الضحك).٢٦ والواقع أن المناقشات العامة كانت في أغلب الأحيان تنتقص من احترام كرامة رجل الدولة. فلما انقض الآلهة في نَهَمٍ عارم على المائدة الأولى التي أعدها أول الناجين من الطوفان، صاحت الربة نينتو Nintu ساخرة:

«من أين يأتينا أنو Anu، رئيسنا،

وإنليل Enlil؟ لقد شارك إذن في الوليمة،

وهو الذي قرر الطوفان عن غير تدبر

وقضى على البشر بهذه المذبحة الرهيبة

بينما أنتم أيضًا قد أخذتم معه

مثل هذا القرار النهائي؟»٢٧

وكانت المعارضة مسموحًا بها طالما ظلت لفظية. يشهد على ذلك مثلًا أن المستشارين السياسيين نالوا من التقدير على آرائهم المنشقة أكثر مما نالوه على التملق («لا بد من أن نكلمك يا إيرَّا Erra الجسور حتى لو آلمك كلامنا» هكذا خاطب رفاق المصادفة مَلِكَ جهنم.٢٨ كذلك لم يكن سادتهم يلوكون ألفاظهم بل يجاهرون بالمعارضة («إنني أعترض على إبادة البشر»)٢٩ هكذا صاح إيا Ea شبيه بروميثيوس). وهم يأسفون لاستبعاد حلول أقل صرامة (بدلًا من الطوفان كان الأفضل تقرير وباء يصيب البشر هنا وهناك!)٣٠ ووصل إلى حد رفض الإحساس بالالتزام بمناقشة جرت (نعم، لقد فعلت هذا ضد إرادتكم جميعًا!)٣١ أو إلى حد التصريح علنًا بالرفض دون خوف من أن يؤدي هذا إلى بدء سلسلة تقاليد هروب طويلة (لا! أنا لم أكشف السر الذي أقسم عليه كبار الآلهة: كل ما في الأمر أنني أتحت لحكيمٍ عظيمٍ أن يرى حلمًا، وهكذا عرف هذا السر!).٣٢

وقد يحدث أن يلعب أحد الآلهة دور الحكم بين الأطروحات المتضادة: فيبدل الديماجوجية بفلسفة رشيدة يجري التعبير عنها بأحكام قائمة على أسس منطقية سعيًا منه إلى تبرير شهرة يحققها باعتباره «المحافظ على مجلس الآلهة» أو «المدعم لما بين الآلهة من رباط متبادل».٣٣ هكذا اقترح الرئيس اللجوء إلى الوساطة في مواجهة الآلهة الكادحين الذين حاصروا المجلس السماوي مطالبين بأن يدخلوه هم أيضًا:

«عندئذٍ فتح أنو Anu فمه

وخاطب إنليل Enlil الجسور:

للتحري عن السبب الذي من أجله قام الإيجيجو Igigu٣٤

بمحاصرة بابك،

مُر نوسكا Nuska بالخروج إليهم:

كلفه بهذه المهمة

يؤديها بين أولادك!»

ولم ينجح الوسيط في مهمته تلك. وحزن الذي كلفه بها حزنًا شديدًا (وانهمرت الدموع من عينيه!) فلم يفلح في الحد من صلف المضربين:

«مولاي، لقد أرسلتني …

فذهبتُ …

وكررت كلماتك كلمة كلمة!

وهذه هي إجابتهم التي ردوا بها عليَّ:

«نحن جميعًا … بكامل عددنا

قررنا أن نقاتل!»»٣٥

وعندما أراد الوزير الأول أن يبيد البشر الذين كان قد قَبِلَ خلْقهم في هذه الأثناء، فإن أولئك الذين كانوا قد اقترحوا عليه خلقهم لم يتقاعسوا عن لومه على مجافاته المنطق؛ فالبشر قد خُلقوا من أجل أن يخفقوا عن الآلهة المضربين أعباء السخرة، ولهذا فمن السفاهة القضاء عليهم. وخير من ذلك الإبقاء على قوتهم العاملة دون تمكينهم من أن يجدوا المقومات المادية التي تكفي ليتمردوا بدورهم. وهذا هو الإله إيا Ea والربة مامِّي Mammi «ومع ذلك فقد سمعت أنا شخصيًّا صيحة البشر طلبًا للنجدة»٣٦ يقومان متضافرين باسم مخلوقاتهما بالضغط على أندادهما اتقاءً للأسوأ. ولسوف يصلان إلى حل وسط: فينجو الرجال والنساء ولكنهم سيصبحون فانين، وسيصابون أحيانًا بالعجز والعقم، وفي أحيان كثيرة بالمرض والجوع. ويسير النقاش هكذا قُدُمًا على نحو مناسب تمامًا حيث ينسى كل واحد اعتداده بذاته — وهو اعتداد كان الآلهة الرافديون كَلِفون به — ويقدم هؤلاء وأولئك تنازلات بغية الوصول إلى اتفاق. واستعداد أعضاء المجلس للحل الوسط هو بالضبط ما يميزهم عن السواد الذي بلغ بهم العوز مبلغًا مفرطًا يحول بينهم وبين أن يتيحوا لأنفسهم ترف التفاوض.

واحترام القواعد الإجرائية الصارمة تفسره ضرورة إنهاء المداولات بإرضاء جزئي لكل من شارك فيها بخطاب بليغ. والمشارك بحكم انضمامه إلى القضية العامة التي أسهم في صناعتها انضمامًا يشهد عليه وقوفه طالبًا الكلمة، يجد نتيجة لهذا مزيدًا من الأسباب التي تغريه بالاعتراف بذلك علنًا بأن يثني ركبتيه راكعًا،٣٧ وكانت تلك الحركة علامة ظاهرة على الاقتراع بالموافقة مثل التصويت المعروف في أيامنا هذه بالذهاب إلى المنصة. وحركة الركوع تضاف إلى الحركتين الأخريين اللتين تمثلان إمكانيتين متاحتين لعضو المجلس للتعبير عن موقفه: الوقوف للتدخل في المناقشة أو الجلوس٣٨ وهي علامة سلبية على المشاركة أغلب الظن أنها كانت أصلًا قاصرةً على الوليمة التي تسبق المداولات المقدسة.

تعكس الإجراءات البرلمانية صورة النظام الداخلي «للدولة السماوية» القائم على: تقسيم العمل بين رئيس (أو قاضٍ أعلى) نُصِّبَ فوق السواد، وبين وزير أول (أو رئيس نيابة) شديد الالتزام في المناقشة، وبين المعارضين المناقضين له (وهم محامون أو محلَّفون كذلك). ومن حولهم عديد من المستشارين يعملون بهمة ونشاط (من حسن حظ الملك أن يكون له مستشارون، ومن سوء حظه ألا يكون له مستشارون … ومن نحس الملك أن يكون له مستشارون يتخلى عنهم)،٣٩ ومسجِّلون يسجلون القرارات ومحضرون يعملون بدقة على نقل الرسائل، و«مديرون» — والمدير يناظر عندنا الآن رئيس المكتب أو الديوان — يحملون عن رؤسائهم المشاغل اليومية. أما الملك فيقدمونه لنا على هيئة الأب الإلهي، عزيزًا، قليل الحظ من البلاغة، يكلف وكيله المفوض بإجراء المناقشات «هو ذلك الذي ينفذ توجيهات أنو Anu».٤٠ وعلى الوكيل المفوض أن يقوم بمعركة ليفرض نفسه، ليقنع أنداده بشرعيته بخطاب تنصيب حقيقي يلقيه. وهذا هو خطاب إنكي Enki الذي يبدو أنه كان يساند إنليل Enlil وقد ضاعت شعبيته:

«أبي، ملك السماء والأرض

نصبني في الصف الأول من العالم!

أخي الأكبر، ملك البلاد كلها،

جمع في يدي كل السلطات …

فأنا سيد البلاد الأكبر

والى العالم

أنا التدبير والبراعة العليا،

مع «أن» An، جنبًا إلى جنب، وعلى منصته

أنا من يقيم العدل

من أجل تقدير المقادير أنا من يجوب الأرض

مع نِدِّي إنليل Enlil

هو الذي عهد بهذا التكليف إليَّ!»

ولدينا من الأسباب ما يجعلنا نعتقد أن الخطاب قوبل باستحسان، حيث إن:

«الأنونا Anunna، وقد وقفت أمامه،

توسلت إليه ودعته قائلة:

«أيها السيد، يا من تقوم على الصنائع والفنون كلها،

يا خبيرًا بالقرارات، ويا جديرًا بتصفيق كثير،

المجد لك يا إنكي Enki!»٤١

وليس القول بأن برلمان الآلهة هو أصل حكومة البشر، افتراضًا جزافيًّا بلا سند. فالميثات الرافدينية الأولى إذ تخترع سلطةً للمناقشة والمداولة والقضاء، تفترض استشرافًا ظهور سلطة تنفيذية ستنتهي النصوص المتأخرة إلى إنشائها لمصلحة الإنسانية. ولا بد من أن تحمل شخصية عظيمة إلى البشر خيرات النظام السياسي حتى يلهجوا بالثناء عليه ثناءً مباشرًا بهذه الكلمات: «أنت يا من تدبر أمر النظم والقرارات» (حيث إنك رئيس السلطة التنفيذية)، «أنت يا من أسكنت الناس في بيوتهم» (حيث إنك رئيس السلك الإداري)، «أنت يا من تجعلهم يتركون الأسلحة في ديارهم» (حيث إنك احتكرت القهر الجسدي المشروع).

وتناط برئيس الحكومة صلاحيات تتحدد بمزيد من الدقةِ. أولًا: الاقتصاد والمالية: فهو يمسك حسابات البلد، وهو يدبر احتياجات الآلهة والبشر، وهو الذي يحدد «السجل العقاري». هو الذي «يجعل الرخاء ينساب من القصر كما ينساب الزيت»، إنه «معلم الوفرة»، و«وكيل الآلهة كافة»، و«خازن الأكوام الهائلة في الصوامع»، وهو الذي «أنشأ في خارج البلاد وكالات التجارة». هو الذي يقوم بجولات لا تنقطع في ربوع الريف، ويكثر من الرحلات إلى الإقليم على متن سفينته الرسمية مقدمًا عن طيب خاطر وعود العون والمساعدة (واقترب إنكي Enki الجليل من البلاد لكي يعم الرخاء كل صوب وحدب على أثر زيارة الأمير العظيم). فلما تهيأ للرحيل هرعت الآلهة إلى المعدية واصطفت صفًّا لوداعه. وعندما عاد من حيث أتى استقبلته الآلهة بالتهنئة على نجاحه في مهمته.

ولكي يمارس الحكم اتخذ حكومة تشكلت على النحو التالي:٤٢

  • الدفاع: إينانَّا Inanna «الذي يجهز للمعارك والحروب ويعلنها».
  • العدل والداخلية: أوتو Utu «القاضي الذي يصدر الأحكام قائمًا مقام الآلهة»، و«المأمور على العالم»، و«الذي يستعرض قوته في كبرياء».
  • الميزانية: نيسابا Nisaba أمين البلاد، «ماسك حسابات أرزاق الآلهة»، «الذي يحدد حدود البلاد الفاصلة، ويرسم علامات الحدود».
  • المخاطر الكبرى: إيشكور Ishkur «الممتطي صهوة العواصف»، «الذي يوصد السماء»، «مفتش الكون».
  • التوريدات والأشغال: موشدامَّا Mushdamma (بنَّاء إنليل الكبير).
  • الصناعة: كوللا Kulla (صاحب «قالب القرميد المتين»؛ «الذي يصفف بمهارة القرميد الخارج من القوالب»).
  • الزراعة: إنكيمدو Enkimdu (رئيس المصارف والترع والسدود الترابية). ويحيط به أربعة وزراء دولة: أشنان Ashnan (زراعة الحبوب)، دوموزي Dummuzi (المراعي) شاكان Shakan (تربية الحيوان في المروج والجبال)، نانَّا Nanna (صيد البر وصيد البحر).
  • النقل والري: إنليبولو Enlibulu (مفتش المجاري المائية).
  • البحر: نانشه Nansrhe (مأمور البحر الفسيح كله، مسئول عن منتجات البحر).
  • الأسرة والأمومة: نينتو Nintu (قابلة العالم).
  • الثقافة: نينموج Ninmug (حاصل على المقص الذهبي والمطرقة الفضية)، (فنان الخشب والمعادن).
  • الشعائر: نينيسينَّا Ninisinna (عبد «أن» An).

ونسجل على الفور وجود «منطقة محجوزة» هي: الشئون الخارجية. والوزير الأول هو الذي يمارس صلاحياتها مباشرةً، ويأخذ بالدبلوماسية في تعامله مع الآلهة المشاكسين، ويقيم الحدود بين العالم المتحضر (الذي تطبق فيه القواعد الإلهية) والعالم الخام الذي يحيط به (الرمل، البحر، الحجر).٤٣ ومنح حقيبة الدفاع هو في حد ذاته عمل ينطوي على الجد والاجتهاد. وهناك على الأقل ميثتان تشهدان على أن إنكي Enki أعطاها صاغرًا للربة المشاكسة إنانَّا Inanna، التي كان وصفها بأنها «ابنته». وتبين صورة هذه الربة بالفعل أنه من الصعب استبعادها من الحكومة، فأن تكون هذه المرأة الشابة المندفعة إلى الحرب معه، أفضل من أن تكون عليه. ونفور السومريين من خوض غمار الحرب لا يمكن ترميزه برمز أفضل من الصورة التي تمثلوها عليها، صورة أمازونة٤٤ مستفِزَّة ومخيبة للآمال.

ومن شأن الحرب بالفعل أن تضعف البشرية بالقدْر الذي يحول بينها وبين الثورة. وليس هناك بديلٌ للحرب يمكنه أن يخلخل صفوف البشر، وكأنها صيد البر الذي يُستحب لأنه يضمن التوازنات الطبيعية. ولكن البشر أقاموا على خشية من الحرب لم يقلل منها هذا التصور؛ لأن أولي الألباب من الكائنات كانوا يسعون إلى هدف يتمثل في الوصول إلى حالة من الرخاء ملائمة لتحقيق السعادة.٤٥

وفي نص آخر نجد الوزير الأول وقد تمثلوه على هيئة الإله الذي اغتصب السر السماوي بأن نقل إلى البشر المعارف التي يحتاجون إليها لكي يبقوا أحياءً. فهو (خالق الشريعة الصحيحة، اللجام الذي أوقف الأشرار، مستهلًّا بذلك النظام الصحيح).٤٦ وهو يعرف كيف يروض انفعالاته ليحولها إلى طاقة خلاقة، فقد وصفوه بأنه (يتوتر ولكنه يعود إلى صوابه، ويستشيط غضبًا ولكنه يملك نفسه، وهو يأخذ نفسه بالحلم ويقبض على زمام نفسه).٤٧ وهو، مثله كمثل بروميثيوس Promêtheus الإغريقي وجاجوار Jaguar الهندومريكي، القائم على الفنون والصنائع. ويختلف عنهما في أنه لم يكن بحاجة إلى أن يسرق الفنون والصنائع من أنداده معرضًا نفسه لمعاناة رهيبة: فمحاسن السلوك في بلاد الرافدين لم يسرقها البشر من الآلهة، بل نالوها بقرار منها.

ورئيس الدولة مستبدٌّ شرقيٌّ، لا يزيد في ذلك عن تابعه الوزير الأول، ولكنه يتسم بجاذبية أكبر من تلك التي يتسم بها عامله. و«التاج» الذي قُدم إلى الملك عند اعتلائه العرش ليس في الحقيقة سوى عمامة تنبثق منها «سلطة» توحي بالرهبة. وتاج الآلهة يشع نورًا وحرًّا،٤٨ أما تاج الملوك فمن شأنه من الناحية المثالية أن يزيغ البصر، وأن يدفع الدم إلى الخدود وأن يبلل الأيدي بالعرق، لا أن يُثلج محدِّثي الملوك بنظرة لا يستطيعون الفكاك منها. وهكذا نرى أن «السلطات» أكثر من مجرد صلاحيات دستورية. وكلمة مي me السومرية توحي بوجود أسرار تحاط في عناية بالحفظ والصون، كما توحي بوجود «ملَكات» يمكن استخدامها خيرًا أو شرًّا. هناك سبع «ملَكات» جعلت إنانَّا من نفسها حارسة عليها، وحفظتها لصيقة بنهدها، فأصبحت هكذا قادرة على أن تنطق بكلمات مَلِك حقيقي.٤٩ واﻟ «مي» me تسمح بالتكليف بوظائف، وبالهيمنة على جدول أعمال، وبتقييم إجراء إداري. وهي تفترض وجود حنكة شخصية، وحس سياسي، وحدس بالظروف المواتية التي تنتهي إليها بالحسم كل الصلاحيات الحكومية. وهي ترتبط بأشياء مادية مثل «الصولجان المجيد وعصا القيادة والبردة الشريفة»٥٠ أكثر مما ترتبط «بعرش» وما كان العرش آنذاك إلا كرسيًّا عاديًّا بلا ظهر وبلا مساند. والصور التي تمثل الملوك الذين وُجدوا تاريخيًّا تظهرهم بالفعل، على الأقل إلى العصر الآشوري المحدث، بلا أُبَّهة، غالبًا حفاة، بعيدين كل البعد عن الصورة المنمطة «للملك الجالس على كرسي وثير باذخ.»٥١

واﻟ «مي» me على الأرض سلطات من أجل البشر وفوق البشر سواءً بسواء. ومن الممكن لمن يأخذ وقته ويحترم الدورات الطبيعية، أن يستخدم اﻟ «مي» me باعتبارها «قواعد» أو «مبادئ»٥٢ من أجل أن يعطي كل واحد مكانه في هذا العالم، وأن «يبني قراميد المدن، كل مدينة في مكانها المقدس»،٥٣ وأن يسمي الكائنات والأشياء بأسمائها، بكل التؤدة التي تليق بالحكماء. والملوك الطيبون، مثلهم كمثل الشعوب الطيبة، قدماء قدم العالم. وهم على الرغم من قدمهم العتيد، ذوو بأس شديد، حتى إن صفاءهم يغيظ شباب الأبطال.

الملك الرافديني يحب القيلولة، والمباهج التي تكتنفها.٥٤ والملك إنكي/إيا Enki/Ea الفاضل الأثير لدى الكُتَّاب، لا يكره هو نفسه الفراغ والجِدَة عصر يوم كسل قائظ (بقي يتقلب في الفراش، لا يفرغ من النوم).٥٥ ولا ندهش عندما نقرأ عن إيرَّا Erra عدو الجنس البشري، إله الجحيم، وقد أنهكه عمله الرهيب أصبحت:

«… ذراعاه مرهقتين مثل ذراعي الواهن الخائر:

فسأل نفسه: هل أنهض؟

أم أظل راقدًا؟

وبقي في حجرته ممدًّا

يغشى زوجته.»٥٦

والتضاد الذي أصبح كلاسيكيًّا بين غريزة الحياة وبين سكرة الموت يتخلل الميثات ويتخلل العصور. والرحالة الكبيرة إنانَّه Inanna عندما غفت لحظة في بستانها أسلمت «جنسها المجيد» لبستانِيِّها الذي ضعف وازع ضميره.٥٧ كذلك أتاح إنليل Enlil، عندما راح يستحم مستغرقًا في نرجسية مفرطة، لخادمه أنزو Anzû أن يجرده من سلطاته.٥٨

إبان انتفاضة شعبية هبَّت نتيجة السخط أخرج السكرتير العام عندما انتصف الليل هذا الوزير الأول نفسه في آخر لحظة من سباته بينما كان يغط في نوم عميق، بليدًا لا يحس بصيحات الثوار تحت نوافذ قصره:

«كان الوقت ليلًا، منتصف الليل،

عندما أحيط بالقصر في غفلة من الإله!

ولكن كالكال Kalkal شعر بما يجري، فأمر بإغلاق …

ثم أيقظ كالكال Kalkal نوسكا Nuska

بينما تناهى إلى السمع صخب الإيجيجو Igigu

وأيقظ نوسكا Nuska سيده

بأن انتزعه من الفراش انتزاعًا …

يا إنليل، قصرك محاصر!

والمعركة امتدت حتى بلغت بابك! …

وجهك قد اخضرَّ يا سيدي!

إنهم أولادك أنت، فماذا تخشى؟»٥٩

هكذا أُخذت يقظة الإله من مكمن ضعفها وكان أخذها وحشيًّا بالغ الوحشة، حتى إنه تقطعت به السبل. ولسوف يشكو مرة أخرى، عندما يتقدم به العمر تقدمًا مفرطًا، بعد مرور ألف ومائتي عام، من جلبة البشر، أولئك الذين خُلقوا لكي يحلوا محل الآلهة الثانوية، ظنًّا أن البشر أكثر منهم طاعةً. في صدى قصة التكوين السومرية أقام النص البابلي «أن» An مقام إنليل Enlil، وهذا هو «أن» An يتكدر صفوه وسكينته نتيجة صخب الأولاد في أثناء لعبهم (لا أرتاح نهارًا، ولا أنام ليلًا). ولن يلبث الأولاد أن يشكوا أيضًا بعبارات مماثلة من الصخب المفرط الذي يحدثه أصغرهم وهو ماردوك Marduk «لم نعد ننام»،٦٠ وتنبَّه إيلينا كاسان Éléna Cassin بحق إلى أن المقصود هنا هو العلم الكامل المحيط لدى الآلهة الكبار.٦١ فإذا كفوا عن اليقظة، قضي عليهم بالصمت المطبق: «عندئذٍ ينتشر السكون كأنه جوهر سائل يسيل من منبعه، ويغمر كل شيء. وإذا العالم يصبح أخرس مرة أخرى. وفي نفس الوقت الذي يكف فيه كل ضجيج، ينطفئ بريق namurrtu المعبد. فعالم السكون هو كذلك عالم الظلمة»،٦٢ أي عالم العمى. إنه عالم الهُويَّات السحيقة abysses، الكون الذي أبصر به جلجاميش (الذي رأى أشياء سرية، واكتشف مواضع خفية، «… مما قبل الطوفان» غاصت منذ الطامة)،٦٣ عالم الموت (الذي عرف جلجاميش Gilgamesh هو نفسه في رحلته أنه حتمي). وبين الصفاء المشروع الذي يرتاح فيه محارب بعد معركة كسبها، وبين عته الملِك الهرِم النعسان في نهاية حكمه، فروق لونية طفيفة.

التألق ميزة خصيصة يمتاز بها الصبا. والحَمِيَّة تأتي مع البلوغ. وقد يحدث أن ينوه بعضهم بالتجربة عندما تميل حياته إلى ليلها حتى يبرر العجز. هكذا يصبح ماردوك Marduk، بطل قصة التكوين البابلية، في ميثة إيرَّا البابلية طاغية أصابه الوهن:

إيرَّا Erra: «لماذا تاجك الإمبراطوري

تلوث سطحه بالأدران؟»

ماردوك Marduk: «اعلم أنني فيما مضى، لأنني غادرت مقري

في أعقاب غضبة غضبتها

تسببت في الطوفان!

ما كدت أبرح مقري

حتى انفصم رباط العالم.

فلما رجعتُ رأيتُ كم كان من الصعب

ترميم كل شيء!»٦٤

1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading