في أوّلِ الأمر✍️د. مروى حمدي

في أوّلِ الأمر،
لم تكنِ الحكمةُ سوى همسةٍ خفيّة تمرُّ في القلب،
لا تُقنع العقل،
ولا يُصغي لها الصوت.
لكنّها كانت هناك…
تنبتُ ببطءٍ كجذرٍ في باطن الأرض.
جلسَ الشيخُ العجوزُ تحتَ شجرةِ الزيتون،
وكانتِ الشمسُ تميلُ نحو الغروب،
ولم يكن في المكانِ سوى ظلّه،
وصوتُ طيورٍ عائدةٍ من التيه.
اقتربَ منهُ فتى، يحملُ في عينيهِ قلقَ الأسئلة،
وفي قلبهِ صخبُ البدايات.
قال، بصوتٍ مرتجف بين الجهل والرجاء:
ـ علّمني، يا شيخ، ما الحكمة؟
لقد قرأتُ كتبًا كثيرة،
لكنّني لم أُصبحْ أكثرَ فهمًا، بل أكثرَ حيرة.
ابتسمَ الشيخُ،
ومرّرَ كفّه على التراب، كمن يصغي لما لا يُقال، ثم قال:
ـ الحكمةُ، يا بُنيّ، لا تسكنُ الأوراقَ ولا تُحفظُ في السطور،
إنّها تولد في اللحظة التي تشكُّ فيها بما كنت تراه يقينًا.
الحكمةُ أن تُصغي لما وراء الصمت،
وأن تعرف متى تَصمُتُ، حتى لو كنتَ تعرف.
في أوّل الأمر،
تظنُّ أنَّ الصدقَ يُنجي دائمًا،
وأنَّ القلوبَ تُشبهُ ما تُظهرهُ العيون.
ثم تخذلكَ الحقيقة،
فيبدأ عقلك بالتخلّي عن أوهامه،
وتلك هي البذرةُ الأولى للحكمة.
قال الشيخ:
ـ الحكمةُ أن تختارَ المعركةَ التي تستحقُّ جُرحَك،
وأن تُجيدَ الانسحابَ دون أن يهزمك الكبرياء.
أن تُسامحَ لأنك أقوى،
لا لأنهم أحقُّ بذلك.
سكتَ الفتى،
تأملَ ظلّ الشجرةِ يمتدُّ على الأرض كطريقٍ لا نهايةَ له.
ثم قال:
ـ وهل تعلّمتَ كلّ هذا من الحياة؟
أجابه الشيخ، وعيناهُ تلاحقان الشمسَ المائلة:
ـ بل من الأشياءِ التي فقدتُها،
ومن الذين مشيتُ معهم حتى تعبَ قلبي،
ومن الطرقِ التي لم أعدْ أرغبُ في العودةِ إليها.
في أوّل الأمر،
كنت أركضُ خلف الأجوبة،
ثم عرفتُ أنَّ بعضَ الأسئلةِ تُبقيكَ حيًّا، لا لتُجاب، بل لتُنضجكَ.
ثم نظرَ إلى الفتى وقال:
ـ الحكمةُ، يا بُنيّ،
هي أن تعرفَ كم تَساوي…
ثم ترفض أن تُباع،
حتى لو عُرِضَ عليكَ العالمُ بثمنٍ مغرٍ.





