مقالات نقدية

إبراهيم محمود – القصة وبيئتها: قراءة في قصص الأديب العُمَاني يونس الأخزمي

A man in traditional Omani attire, including a white dishdasha and a turban, sitting and gesturing during a conversation.

يونس الأخزمي

وَمْض
أديبٌ هو العُمَاني يونس الأخزمي، والأدب يجيزُ له هذه المناقبية الإبداعية في الذي سطَّره قلمه مأهولاً ببيئة لها ثراؤها التاريخي-الجغرافي، الاجتماعي والثقافي، وانسكنَ هو نفسه بها.
ربما كان تعبير ” ابن بيئته “مقصّراً في تنوير بنية علاقة الكاتب بالبيئة، من منظور البنوَّة، ثمة حمولة بيئية تفصح عن علاقة متعدّية لوشائج القربى المكانية هذه، عبْر شهادة تمثّل لحمتها التي تتكلم في الصميم، ما هو نوعيّ في تفاعل قائم بينهما، كما هو مفهوم الكاتب الفعلي جدارةً.
في سجل حصاد الأخزمي الإبداعي” الأدبي ” والمنشور، كما أعلم، هناك لائحة مجموعات قصصية، وهي بداية مغامرته في عالم الكتابة، وخوض غمارها:
النذير: قصص،روي، عُمان ط1، 1992،
حبس النورس: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1996.
حمّى أيار : عن المؤسسة العربية للدراسات والنتشر، بيروت، 1999.
نقوش : من إصدارات مجلة ” نزوى ” العُمَانية ، مسقط، 2007 .
كما لو أن هذه المعايشة القصصية، وعلى امتداد عقد زمني ونصفه، كان تأهيلاً لولادة روائي أفصح عن ميزته أسلوباً ومحتوى كتابة، في لائحة روايات:
” ثلاثية بحر العرب: بر الحكمان: 2016-غبة حشيش: 2018-رأس مدركة: 2022 ” ” 1 “
وثلاث روايات أخرى: الصوت: 2012-كهف آدم:2017-بدون: 2019 .
الحديث عن البيئة، حديث عن الرحالة في بنياتها المكانية- الزمانية، قبْض على جمر رماد المعيش اليومي والتأريخ له، إبقاء ما كان مقروءاً بصيغ شتى، وفضاء تخيلات تترى، ليكون هناك تأريخ آخر، رمزيّ المقام، يرفد المسطور منه، بما يجعله أكثر حميمية أو شفافية أبعاد.
كيف تقدّم قصص الأخزمي نفسها هنا، من المنظور البيئي، وما للبيئة من اعتبار استلهامي؟

هذه القصص ..هذه البيئات
البيئة الواحدة، أو على وجه العموم، البيئة! البيئة شاهدة بنفسها على نفسها، وهي تظهِر لنا ما في نفسها ومن فيها، وعبْرنا. إنها حركة سرد لا تنقطع، لتكون بالطريقة هذه المرجعَ الأكثر إثارة للدهشة للموسيقيّ المحترف، من خلال تنويع الإيقاعات. إن الموسيقي المسكون بشغف الموسيقى هو من يغذّي كامل جسده بما هو متنوع الحركة بيئياً، إنها أكثر من كونها محاكاة، فثمة ما يبقى سراً داخلها، والأذن الموسيقية تكاشفه، ولعل متذوق الفن،والأدب كمتغذّ على ما هو مأسوي ضليع في هذا المقام. أليست الطبيعة بخاصيتها البيئة مهبط مأساة الإنسان هنا؟
الأكثر احتواءً بدقائق المأساة يكون الاسرع إلى نوعية موسيقاها، وهو ذا حال الكاتب حين يعايش ما هو موجود، ليبث الآتي ما رأه فنياً.
وليس يونس الأخزمي ببعيد عما تقدم، كما في قصصه بداية:
قصص تضمها مجموعات أربع، كما هو معلَن عنها، وهي تتنوع في طريقة كتابتها، حيث الزمان والمكان لهما دور اعتباري في ذلك، ولهما أكثر من دور، دور قائم في التباين المطلوب سردياً، كما شددت على ذلك سالفاً، تجاوباً مع تنقلات الكاتب نفسه .
هناك مسافة، على صعيد الممارسة الإبداعية بين ما أفصحت به قصص مجموعته ” النذير ” عن نفسها، بشهادة ميلادها، ووصولها إلينا، وقصص ” نقوش ” بطريقة انتثارها على الورق، وتجلّيها أصواتاً محلية الموقع، وارتباطها ببيئاتها هي الأخرى. إن البيئة الموصوفة تخرج عن معناها الجغرافي، بما أنها مستقدمة تخيلياً، لتستحق التسريد. بما أن كل وصف تحويل في المعنى، وذلك يرتبط بتلك الحواس التي لها باعُها في نوعية التلقي لمؤثرات البيئة، وفاعلية التعبير النفسية عن كل ذلك .
لا شيء يصل بين مجموعاته في عناوينها، سوى أنها تخصه، كما لو أنها تقوله في ضوء رغبة حركية، كونه واضعها، وحيث لا يُقرأ فيها المكان، أو ما يشي بالمكان، ولو عن بُعد، كما هو المكان بحرفيته وتفاوتات المسرود عنه، أو الموصوف به في عباءة السرد تحديداً. إنها اسماء ذات حمولة معنوية.
أحدد هنا: اسمين: ” النذير “، وما في الاسم العنوان من مضاعفة اليقظة. و” نقوش ” الاسم الظاهر في ماديته، سوى أننا لا نعلم بحقيقة هذه الـ ” نقوش “، وجملتين اسميتين: ” حبْس النورس “، و” حمّى أيار “. وهنا ربما يقال أن المكان واضح مباشرة، جهة ” النورس ” وكذلك ” أيار ” الشهر الربيعي المفصح عما هو مكاني! ذلك يأتي تصويراً، إذ إننا نجد في ” ثلاثية بحر العرب ” فصاحة المكان: البيئة، بامتياز، لأن المدى الروائي ملحميّ المفهوم .إنما من أين لنا تحديد هذه المعرفة، في حدث لا يستقر دلالياً ؟

في ” النذير “
لكَم يسودها التصوير الشعري، اقتناص لوحات مكانية، بيئية، بمأثرة المتخيل، حيث ترتسم البيئة المعبَّر عنها، في مشاهد، وهي تضخ معها مشاعر وأحاسيس، مخاوف وهواجس، جهة حس الانتماء والرؤية، وفي لعبة السرد البيئية هذه، يكون حضور الشعري، وما يغيّر في مفهوم الحدث، بمحتواه القصصي، إذ وراء تدافعات الصور، تماثلاتها وتشابكاتها، ما يوقف السرد إجرائياً، بغْية النظر في الموصوف، نوعاً من إعلان الحِداد على السرد، بوصفه حراكاً، علاقات نابضة في الزمان والمكان. وهذا الحداد نعي لمؤثرات بيئية، وتنوير للمعتم فيها، وربما وراء هذا ” المأتم ” البيئي، ما يكون مخاضاً، استعداداً للدخول في واقع آخر، واقع يصبو إليه الكاتب . نعم! إن كل كتابة تتضمن حالة صبوة، لحظة ممتدة في الزمن، لحظة هي ضربة نرْد بالنسبة للكاتب الرامي إلى ما ليس قائماً، وهو يحاول منحه حق إقامة مشروعة مكاناً من نوع آخر، بيئة يتبناها ويرعاها متخيل الكاتب، لحظة موسَّعة بذلك الزمن المفتوح، والذي يمنح الكاتب حضوراً آخر، وهي تصل بالبيئة وقد تداعت بمساحات ومساحات .
لعل الناظر في مناخ ” النذير ” أدبياً، يلاحظ، بدءاً من المستهل،ما يفصح عن طارىء مكاني، وهو بيئي:
( من أين تبتدىء الحكاية…
البداية…
تستيقظ التربة.. تغسل عنها وعثاً، الصمت والخمول.. ص 7 ).
وفي السطر الأخير من القصة الأخيرة ” ما حدث في شتاء ماطر “:
( علمتُ فيما علمتُ قبل شهر.. بأن أخي التوأم قد هاجر وأنه لن يعود . ص 97 ) .
أتراني آخذ بناصية الغيب، حين أشدد على ذلك الحبل المشيمي الواصل ما بين المقتبس الأول والثاني؟ لا دفَّة دقيقة للكتابة، إنما هو فضاء يسيح، ينبسط، يمتد من الداخل على وقْع هذه الأوصاف الشعرية الطابع، لا هدنة مع المكان، حيث البيئة لا تجيز أماناً، لأيّ كان، بيئة منغّصة، مقلوبة على رأسها. إخلاصاً للنذير: العنوان، والعنوان ليس مجرد يافطة كما هي العين المقلوبة بياضاً فقط، إنما هيئة جسمية تؤدي دوراً سيميائياً، يتمازج فيه الصوت بالحركة، وبالرائحة المتخيلة ذات الصلة بالأجسام المختلفة عملياً. ما النذير هنا؟ ولماذا أريدَ من ” النذير ” أن يكون عنواناً لمجموعة، يكون قوام ” نفوسها “: عشر قصص ؟
نحن إزاء جائحة بيئية يرصدها متخيل الكاتب، وربما حفلت القصة هذه، أي ” النذير ” بما هو كوارثي ” على صعيد الوصف، لتكون تمثيلاً لبقية القصص، وليس من حياد لجعْلها عنواناً دون إضاءة:
( لم يعد هذا الزعيق اللافح يجدي..
تعبت كثيراً وسئمت.
إلى أين أصوّب خطواتي المثقلة..
إلى أين أتجه بك أيتها الغواية.. أيتها الفاتنة.. أيتها الدروب المحمومة بالهلاك. ص39 ) .
وما يثقل على المكان، ما يزيد في وحشة البيئة، عبر مدينة معرَّفة بالصمت، صمت يشتعل من الداخل. الصمت نظير موت، أو قاب قوسين أو أدنى مما هو مميت، مريب، منفّر ومتوعد. صمت تمثيل لليباب. الفاجعة، وليس صمت الحكيم:
( مدينة الصمت..
رحل عنها رجالها.. وصفقت طيورها البيضاء أجنحتها مهاجرة إلى أرض تسمع صراخ الرعاة في السفوح.. ص 39 .
مدينة الصمت.
على صفيحة وجهه القاطبة يكر حرُّها.. ويتنسم غبارها المقزز. مدينة تتقيأه.. ص40 .
مدينة الصمت.
مدينة يهوى أرضها شبراً شبراً. مدينة تقذفه بوابل من شرر.. ص 42 .
مدينة الصمت.
حيث النيران تضطرم في أرجائها بعنف .ص45 .
مدينة الصمت.
مدينة ينعتق منها ترابها القديم.. فتنحشر في الزوال . ص 46 .).
سارد الكاتب متيَّم في روحه بما هو شِعري، والشعري توقيف للحدث عينه، لأن هناك تجريداً للزمن من زمنيته، ليمنحه أوصافاً، لتتم حيازته تخيلياً، بغية الحد، على الأقل، من سيلان أو ” نزف ” هذا الوجع من الداخل، جرّاء المعيش والجارح، ليكون للسرد المأخوذ بإيقاع الحدث وحركة الحدث تعزيز آخر في سياق المعطى الشعري!
من المؤكد أن الكاتب لا يُسأل عما دفع به لأن يموقع قصته بعنوانها، بالطريقة هذه، أو ما أراد ” بثه ” خارجاً. فثمة الكثير مما يسطّره الكاتب، تبعاً لمقاييس معينة، وهو يندمج مع نفسه ككاتب، ويكون للمكاشفة النقدية جانب المغايرة لما أراد قوله فنياً، بصورة ما، حيث إنه لا يوجد معنى، يمكن طرْحه من قبله، وكأنه المقصود وحده!
طبعاً، ما يلاحظ في نطاق المجموعة، هو هذا الترابط المأساوي بين قصصها، هذا ” التصاوت ” إن جاز التركيب بين حداء مشهد وآخر اجتماعياً، ينعطف على ذاكرة جماعية معلومة، وربما كانت القصة الأخيرة ” ما حدث في شتاء ماطر ” وهي بقالبها المسرحي تصعيداً بالمأثور القصصي، مفارقة للبيئة ” المنكوبة ” . هذا السرد النازف لمعان ٍ محتفَظ بها تاريخياً.
ولاسم ” حمدان ” ما يعكس الوضعية سلباً، ما يخرج الاسم من مسمَّاه، ما يجرّده من محتواه في وسطه، كما يسهل تتبعه، بدءاً من الاستهلال الذي لا إشارة إليه في الفهرس، وكأنه يحيل إليه الجاري. وهو الذي يعرَف به عنواناً لقصتين” حمدان ” بالاسم، و” حمدان ينتظر سقوط النجمة “. حمدان موزَّع في المجموعة تقديراً !
تتنوع سرود القصص وهي تتراوح بين ضمير المتكلم، والمخاطب، والمدد الدلالي الذي يميّز كلاً منهما عن الآخر، وكيف يغيّر السرد الأثر الذي يعنيهما.
هذا يحيلنا، تبعاً لهذا التعاطي السردي ولعبته، إلى العامل المسيطر على المجموعة” القلق “. القلق معمّدها من ألفها إلى يائها !
في القصة الأولى ” للذاكرة رائحة الأقحوان “، هذا التكرار لمفردة ” الجرثومة ” وخطرها:
( ثمة جرثومة تعبث.
برحت أقطف من الأفواه تقليص الأزمنة برائحة الأزمنة. وحيداً عدت كالخلاء لا أملك سوى فمي. ص13).
السرد لا مرئي وهو في حركته معنوي، ويحيل على المتكلم من الداخل .والقفل نفسه جرثومي. “ص20”.
وما أكثر المشابه جهة التكرار لـ ” ثمة جرثومة تعبث “!
يمارس السرد لعبة الخفاء والتجلي، هوذا نسْج الحياة والموت، الحضور والغياب، البرّية المفتوحة على لاتناهيها، والمؤطَّر والمنمَّط اجتماعياً، وما في ذلك من لجْم سَورة الحياة فيه.
في بعض الحالات والأحيان، تقرأ قصة واحدة، ومن ثم تقبِل على قراءة القصص الأخرى، يتملكك، كقارىء، شعور متنبه إلى أنها تتلخص في تلك القصة التي قرأتها، حيث الفاجعة تعرّف بها، مع تنويع في طريقة الكتابة، وتلك المشاهد الحركية المسرحية أو الغنائية بالمقابل، الغنائية نصْب لمأساة، لمنح الحدث في كل قصة ما يعززها فنياً:
( فقيد أنت.. تفتش في السكك عن ذاتك.
المفقوءة العينين.. فقيد أنت . عنوة
تنهشك ذئاب الليل القادمة .
قصة: الحالة المائة. ص 50 ) .
( بعطر الورود تعبث.. وبصمت الطيور
الحزينة تدفن نفسها في الأوحال وتغيب .
قصة: تعرية لشخصية مريم التي خدعت المرايا. ص 76 ).
ثمة بيئات تتقاسم المجموعة، وهي تترجم بنياتها، حيث تحضر الصحراء، كما يحضر البحر، وكذلك الجبل، وتتصاعد المأساة، كما هو مقدَّر.
أشير إلى أمثلة في هذا المضمار:
الصحراء:بلعته الصحراء. ص 31-الصحراء التي تدفن الصرخات الموجوعة. ص39-كل قطرة يسفحها في الصحراء. ص 45-ورجل بربري في الصحراء . ص92 .
البحر: ” المفردة الحاضرة بكثافة “: مثل أمة خلعت سراويلها وانطلقت للبحر..ص32- وفي حدقتيك زرقة البحر واتساع الصحراء. ص40-تقذف به للبحر ليكمل عليه. ص53 – وكلما حدثني أحدهم عن جنون البحر.ص61 .-وحيتان البحر الضخمة. ص88-البحر الساخط ثائر بقسوة. ص95 .
ولعل اللافت في المجموعة، ما يخص الجانب الحسي، وهو لصيق بالبيئة، وأعني بتلك” الرائحة ” إنها تتكفل بإعلام عن وضع، عن حالة، وعن بُعد أحياناً، والرائحة لا تشي بالمفرح هنا. إنما ما يعمّق المأساوي ، وبدءاً من المخزون الدلالي في عنوان القصة الأولى ” للذاكرة رائحة الأٌقحوان “، حيث تتفاوت الرائحة في القيمة، جهة الإحالة إلى ما هو مادي، وإلى ما هو رمزي، أو مجرد، وقد جرى تشخيصه حسياً :
رائحة الأزمنة- رائحة النخيل. ص13-رائحة جدي..رائحة الحرب والدمار.ص14-رائحة الزنابق.ص15- رائحة الأٍى والعطف. ص 40- رائحة بخور حادة. ص 53-لجسدي رائحة جسدك.. ص61- وتخنقه رائحة لحمه المشوي. ص 70- تتقاذف على أنفه الأتربة والروائح. ص71 .
هذا التمييز بين الأتربة، بخاصيتها الجمعية، ومحسوسية الكلمة ووجع المردود، وما يصلها بالروائح، تشخيص لسمة الحدث، حيث الأتربة مرئية، والروائح مشمومة!
تبرز البيئة شاهدة على شاهد، ومشهداً لعلاقة مركَّبة، صيرورة حركات ، وعوالم تعيش مخاضها الحيوي. تترجم كوامن لها ظاهراً، كائنات لها، تُعطى نطقاً أو ظلاً يتكلمها تخيلياً.
ونحن إزاء إعلان حرب، توصيف لها، إزاء نعي لعالم مهدّد، عالم غير قابل للسكنى، وفي الوقت الذي يلوذ الكاتب بمتخيله في ” تشريح ” البيئة، ومن وما فيها، إنما يقرأ ما ليس يُقرأ، أو يُسمي ما لا ينبغي أن يسمي داخلاً، جهة المكابدة التي تعنيه ولا تقتصر عليه، أي ما يسرّع بالبيئة لتكون البيئة المرغوبة، حيث الحياة فاعلة فيها .
السرد نفسه، نوع من الحرب، يومىء إلى نقيضه وداخله: السلام، ولهذا يكون له دأبه تحولياً.
في ” النذير ” ربما بعض ملحوظ منظل ” زرقاء اليمامة ” حباً بالبيئة، وهي في تنوعها، وقد جرت ” فلترتها “!

في ” حبس النورس “
ثمة التقاط للأنفاس، محاولة ضبط النفس، فلا يعود الأخزمي فيها، هو الأخزمي نفسه والذي عهدناه بأسلوبه في المجموعة القصصية الأولى، جهة البحث عن شخصية قصصية أخرى، والسرد هو الذي يمثُل أمامنا بحقيقته هذه في نطاق الفكرة التي يمكن البحث عنها، في كل قصة على حدة، أو في المجموعة كاملة، ولماذا ” نَوْرَسَها”!
أشير هنا بداية إلى أن عنوان المجموعة القصصية” حبس النورس ” جرى إيجازه، فهو ” مؤامرة حبس النورس “، وما في الصياغة هذه من تصعيد توتري بالمشاعر والأحاسيس، ما يجعل من هذه مشدّات زمن لا ينضبط إيقاعاً .
ولأننا إزاء هذا العنوان، أنوّه إلى أن الكاتب لم يمارس ” فك الارتباط ” كاملاً بينه وما كان عليه في مجموعته القصصية الأولى. فثمة تغيير في لعبة السرد. سوى أن وضعية الحداد هذا الذي يتسربل بعنف ملفوظه هنا وهناك، وإشهار الوجع بمؤتاه البيئي، إلى جانب التخوف مما يجري قائم بحذافيره.
في هذه القصة، ينعدم التفاؤل. فمع الإصرار على وجوب ترْك من يعنيه أمره وهو السارد هنا، أي من يتكلم، ومن يشير إليه، ومن يريد مخاطبته بالمقابل، وما في ذلك من رجاء، لأنه رهانه، وهو بيضة قبانه، في التفريق بين حالة وأخرى، أو بين إجراء يُتخوَّف منه، وإجراء يُتقدَّم به لصالح البيئة وأهلها:
( قلت لهم دعوه وشأنه.
ماذا تخططون لوجهه الذي يشبه صحراء مسكونة بالضياع؟
دعوه يمضي حزيناً، مجنوناً، يحكي لسمائه الأخرى، ينطق الصمت المتعفن في الغرف…ص47 ).
تتكرر اللازمة، كما لو أننا إزاء ” ثمة جرثومة تعبث ” مع فارق بنية السرد:
( قلت لهم دعوه وشأنه.
غريباً في كل الأزمنة والمحطات، تائهاً دون هوية، يلعن يومه ويسخط على أمه النائمة بوداعة فوق عريش بارد.ص 49 .).
الخاتمة ندب، أو ضرب مستحدث من الندْب واستمرارية فاجعة لإشهار واقعة وأكثر، حيث يتمثل المسرود عنه، والمضحى به نورساً، إذ لم يتخلوا عنه:
( فحين تركته وأنا أعِدُ نفسي بألّا أراه ثانية، تزاحمت علي صور قديمة له وتمزقت بسرعة. لكنني بوضوح شديد، ألمح أمامي في الفضاء دماء طائر قطعت أوردته الدموية بمدية حادة فملأت دماؤه صفحة السماء كلها، وربما لمحت حركة ضعيفة تصدر عن الطائر، حركة بسيطة جداً، حركة من يحتضر أو يقاوم . ص 54 ).
هل نحن إزاء واقع جامد، صلب، واقع عصي على التحرر من صمته المريب، أو من قيوده التي تتقهقر به إلى الوراء، إلى ما لا يشتهى حياتياً، وما يزيد في طين الموصوف بلَّة، جهة تزايد التحديات والأوجاع معها ؟
طائر النورس ملازم البحر، مُدانيه ومراقب حركة الموج. إنه ” ساعة ” الزمن فضائياً، وربما الصاحب الفضائي الذي يتابعه البحار، أو من يكون في البحر، ومثل هذا الترافق بين الكائنين: الإنساني والطيري، ملازمة حياة، إبراز لتلك الآصرة الحياتية، وزخم الدلالة بصدد البيئة، وأن الذي ينطلق منه الكاتب ويعود إليه، إنما هو هذا الهم الذي يشغله، ولا ينفك يثقل عليه، لأنه محوري، طالما أنه يسمّي بيئة بأكملها، وبها يتقرر مصيره سلباً أو إيجاباً!
وما ينبغي التنويه إليه، هو في وجود تعدد البيئات التي تشكّلها قصص المجموعة، ومن خلال إشارة الكاتب، في جزئين، بداية ” كتبت هذه القصص في الفترة 1993-1996، بين مسقط، كارولاينا ولندن – ص 7 “، وهي تحتل مساحة أكبر، وفي الجزء الثاني ” كتبت قصص هذا الجزء عام 1991، بمسقط –ص67 “، وقد أشرت إلى ذلك سابقاً، وأشير إلى ما تقدم مجدداً، للفت النظر إلى محاولة تبيّن حقيقة هذا الإجراء ونجاعته بالمقابل . حيث إن قراءة المجموعة كاملة، تمكّن من معرفة فارق الرؤية الحياتية، وكيفية التعامل مع البيئة في الحالتين .
في الجزء الأول، ومن خلال الإشارة المكانية، ثمة ثلاث بيئات، ولكل منها مناخها، مجتمعها، وثقافتها، وطبيعتها.
والسؤال المطروح هنا، هو: كيف يجري تمثُّل السرد بيئياً ؟ أو كيف تصبح البيئة نفسها، في لحظة ما فارضة لهويتها المكانية، بمعالمها الجغرافية والديموغرافية بمعية التخيل؟
في قراءة القصص لا يعني أن كتابتها تتبع البيئة التي استقر فيها الكاتب لبعض الوقت، وذلك من خلال البيئة التي يجري وصفها. حيث كتِبت القصة من الواقع البيئي الذي يخص الكاتب. كما في قصة ” وجه سلوم ” في الجزء الأول، إذ توجد القرية، كما يوجد البحر والصيد في البحر، والصحراء والمدينة، وهي عناصر مكانية، سوف نتعرف عليها بعمق في عالم الكاتب الروائي. وهنا يسعى الكاتب إلى التقريب بين بيئات مختلفة، تتداخل فيما بينها: برية وبحرية، ولكن مسرح الحدث الذي لا يخفي تساعه، ينصب على ما هو درامي، على شخصية ” سلوم ” وهو حامل القصة أو محورها. إنه رجل البحر، والمعتبَر بالنسبة إلى أهل القرية بالذات.
يتصرف السارد بالطريقة التي تظهِر خطابَه الموجه إلى من يعنيه أمر الجاري” اختفاء سلوم ” وبصيغة بوليسية تشغل الأهالي، وحتى بالنسبة للقارىء وكيفية نسْج حبكتها، والمخاطَب له اعتباره ” في تيمة: سيدي ” ومجال للمكاشفة والمساءلة عن المخفي. لكن المهم بالنسبة إلينا هو شغف الكاتب بالوصف، وما لا يجوز تجاهله، جهة المومأ إليه وصفياً، أو ما يراد من خلاله .
إن الدخول في سردية القصة هو الذي يعيننا على معاينة الحراك الدلالي للقصة، وما تتضمنه رمزياً .
يتخذ الوجه صفة المكاشفة والمواجهة، حيث الوجه يترجم ما في الداخل بالمقابل، إنه الحامل لكلية الجسد، وربما من خلاله، يمكن تعقّب حركية السرد، وكيف يتشكل خطاب السرد هنا ولغته، وعلام يدل أيضاً، فلا براءة في الحالة هذه في اختيار أسلوب السرد، وما يتم تطعيمه به رمزياً، ونوعية الصلة بين السارد والمسرود عنه :
( سيدي..
كان البحر عائماً في الهدوء، والسماء قطعة زرقاء صافية المعالم في ذلك الصباح الذي لا يختلف عن عداه من صباحات أيلول الباردة. وكانت الأرض في الخارج رطبة شديدة البرودة. في هذا الوقت تكون القرية الوديعة ” اللبيتم ” باردة جداً خارج البيوت وداخلها المصنوع من الطين وسعف النخيل والأقمشة المهترئة.ص21 ).
يعيننا الوصف على قراءة المشهد المكون من مجموعة من الصور، جهة بيئة ريفية أو قروية، وقد ذكِر الاسم، والبيئة تكون في النطاق الموصوف عمانية. إنها بيئة فقيرة، وما سيشار به إلى سلوم، إثر هذا الوصف، هو خاصية الكدح والجدّية في العمل، ووجود من يبلبل الوضع بالمقابل . ثمة جريمة واقعة، أو قائمة .
في إعطاء وجه سلوم ثلاثة أبعاد ، ما ينوّع في إيقاع السرد، ولعبة النص، ولكل بعد مأثوره الدلالي.
البعد الأول:
( سيدي..
كان البحر عائماً في الهدوء، وهناك أسماك الدلفين الجميلة تسبح وسط البحر أحياناً على شكل تجمعات ثلاثية أو رباعية، وأحياناً أكثر قافزة للسطح ومختفية في ثوان، بحيث يبدو المنظر من على الساحل مثل عرض مدروس متقن . ص 23).
في حالة الهدوء، حالة الاستقرار في الطبيعة البحرية، وما يشد إلى الدخول في مجاله الحيوي من أجل الصيد. عدا عن ذلك، فإن وصفاً كهذا، يمثّل أريحية مقدَّمة، وإحالة إلى ما سيحصل في ضوء ذلك. ولنكون إزاء عالم كل من البر والبحر، وكيف تكون ردود أفعال الناس، انطلاقاً من هذا السرد بطابعه الخبري إجمالاً .
وسلوم يختفي، ومن هنا يتخذ السرد إيقاعاً مختلفاً، في ضوء التوترات في الوسط، وتجاذبات الناس، ولأن الشخص هذا ” سلوم ” أكثر من كونه مجرد شخص ومن خلال دوره الذي يقوم به في البحر والبحر كما يظهر.
حيث يجري الاتصال بالمسئول عن أمن المكان، ومفردة ” سيدة ” فاعلة هنا:
( سيدي. إن أهل ” اللبيتم ” أذكياء بالفطرة. كل أهل الصحراء والبحر أذكياء ومهرة، يعرفون من أين تأتي الريح ومتى. يعرفون قوتها دون الحاجة إلى أجهزة معقدة …ص 27 ) .
الحديث عن صفة الفطرة الخاصة بالأهالي، يفصح عن التحامهم بالطبيعة، بالبيئة، ومعرفة بأحوالها المتغيرة، وأن اختفاء سلوم، إنما يعبّر عن وقوع طارىء، عن ” غريب ” من الخارج، ويوتر المكان بأهليه .
ولعل تتبع الحوار بين شخصيات مختلفة، يعرّف بنا على توزع الأدوار، وكيف يتم توجيه التهم،ويظهر كذلك أن هناك تغطية لقتله أو لمن كان سبباً لاختفائه، من خلال إيجاد المبرّرات بمنطقها العاطفي. ونسمع السارد:
( سلوم يا سيدي مظلوم، لا يملك سوى لسان ضعيف، ولا يمكنه فعل شيء أكثر من الثرثرة ، وإن سمعها الكثير، لا تسمن ولا تغني من جوع ..ص 31 ) .
يحتل البعد الأول لوجه سلوم الحيّز الأكبر من مساحة القصة، لما له من اعتبار، لما له من سهم مودَع ناحية السرد، كما يظهر.
ففي البعد الثاني، حيث نكون إزاء أقل من نصف صفحة، والسرد له منحى آخر، والبيئة تختفي، لأن الحديث يتركز بين السارد ومن يشير إليه، ومن يخاطبه، ليصبح السارد هو الكل في الكل، كما يقال، واللعبة أداء يختلف في المقصد أو التوقع. حيث يشير إلى سلوم الذي يخالف توقعات السارد، وهو الذي يأتيه. لماذا؟ سعياً إلى معرفة الوجوه والأبعاد الثلاثة، الجملة التي تعلمها في المدرسة دون فهمه لها( أنا لا أعرف، لذا خرج من عندي تماماً كما جاء. هل يكفي ذلك سيدي ليعلم الكل بأن سلوم ، الذي صرخ بأعلى حسه بأن لوجهه ثلاثة أبعاد وأن لوجه سلطان مائة بعد وبعد، وهو لم يفهم بعد ما يقوله، لا يحمل وجهه سوى واحد لا غير، وأنه مظلوم لا محالة ؟
( البعد الثالث لوجه سلوم )
( لا يوجد لوجه سلوم البدوي بعد ثالث . ص 33 ) .
يذيل الكاتب قصته بعبارة ” لندن، كانون الأول 1995 “
لا بد أنه حمل معه مشاهد حية في الواقع، غربلها وأعملَ فيها رغبة متخيله النفسية، وركَّبها بالطريقة التي تصلح لأن تكون مندغمة في قصته .
سوى أن البعد الثاني يصدم بدلالاته، وأقل ما يمكن قوله هو الجانب الطبيعي، الفطري في شخصية سلوم، إنه امتداد للطبيعة، للبحر وللبر، ولأغلب الناس الذي يتفاعلون معه، فهو من طينتهم. إنه مجتمع البراءة بصورة ما.
وسلوم المعرَّف به بيئياً ” سلوم البدوي ” يصبح خارج معايير المدينة ومخاوفها، حتى بالنسبة إلى الاسم، تكون الدلالة معتبَرة ” سلّوم ” أي من السلم والسلام والمسالمة، حيث البداوة كلقب تمضي بالقارىء إلى اللامكان، إلى اللامؤطَّر .
سوى أن سؤالاً يطرح نفسه في هذه الحالة، وهو: كيف كتب الأخزمي قصته، وتمثّل بيئة معينة، وهو لندن ؟
لعلها أثريات الغربة الضاغطة، الإحساس بمفارقات بيئية، وفتنة الحنين إلى المكان، لكأن كتابة قصة من هذا النوع، إقرار بحالة الشخص نفسه، وبرسم الحدود الفاصلة بينهما. إنه في لندن، لكن ” سلوميّ ” الوجه !
لنتوقف عند القصة الأخيرة من المجموعة، وتنتمي إلى الجزء الثاني ” سلالة الريح ” !
هل للريح من سلالة؟ من يكون ” الفاعل ” فيها، بحسبها ونسبها ؟ وماالذي يمكن قوله في ركاب هذه المقولة، هذه الجينة الهوائية يا تُرى ؟ هل الهواء منسوب سردي في جماع متغيراته؟
الريح، القوة، العنصر الاسطقسي الرابع من الاسطقسات، أي الهواء، والريح التحول في مراتبها، بين خاصية الهسيس، وعلامة العصف الفارقة.
أشير من البداية إلى المدرَك في القصة، وهو أنه لو تقاسمت الفراغات القصة، والجمل القصيرة والمتسارعة، لكانت في خانة مجموعة ” النذير “، ورغم ذلك، فهناك متاخمة لقصصها، جهة القلق والسخط أو الوضع النذيري بالذات، هنا يتباطأ السرد، لصالح عنصر سيادي هو الوصف، ويكون التصوير الشاعري لافتاً، وذلك بدءاً من العنوان الذي يجرد السارد نفسه، من خصوصيته الإنسية، وفي إيقاعات:
( تقيأت المساحات الشاسعة، وأزمنتي الغريبة، وأتيت معزولاً من كل شيء.
صدري كان مفتوحاً .
ومع أول خطوة في قريتي الجميلة رأيت المدى ينكمش أمامي حتى يصبح نقطة صغيرة لا ترى . ص 101 ) .
وفي إثر موت جدته، وبؤس جده وغرابة تصرفاته( وشعرت بعدها بأنني لا زلت أعشق قريتي المليئة بالذكرى ورائحة البحر.
بقيت وحيداً أفكر في أيامي القادمة حتى تعاظم الظلام أمامي وامتد بحد\ة….ص 102 .).
( الأفكار في رأسي تحترق، والجدار الصلد يطوقني من الجهات ويعدم التنفس. ص 106 ) .
( لليلتي التاريخية هذه أعددت كل الوسائل الممكنة، رتبت وسائلي الداخلية والخارجية. حين أنظر في داخلي بعمق، أرى ظلمة آسنة تتخلل ثنايا جمجمتي وتحرق القلب، وأرى في الجوف سواداً كثيفاً. ص 107 ).
ربما أمكنني القول بداية أن السارد المسمى باسم كاتبه يتقاسمه حراكان: حراك المأهول بشغف التصوير، بحضور الشاعر فيه، زمن اللازمن، إيعازاً بأن البيئة قد فقدت أو أُفقدَت رشدها جرّاء المنكوب فيها،وانكفائها على نفسها، على جرحها المستغرق لكلّيتها، وحراك المشغول بلهفة التعبير المغطي لحدث يسمي أشخاصاً.
سارد معلوم بصورة ما، صورة ناطقة، يتملكه الشعور بالغربة، يتداخل مع المارد ويواجهه، يتبلبل هو إزاء الآخرين، يزعق من جهته ( وقبيل أن تهمد أجفاني الذابلة، ويأسر الصقيع جسدي الناحل من طول الترحال، سمعت صراخاً قادماً من بعيد، صراخاً حاداً. أجل سمعت صراخاً قادماً بعد مائة عام، ربما أقل . ص 108 ) .
لقد أوردت مقاطع من القصة، بغية النظر فيها، وقد تراءى لي جانب مهم في السرد، وهو يترجم القلق المتنامي للسارد وهو المتكلم بسادية ذات متجلية. يعيد إلينا خاصية القلق، مخاوفه، هواجسه، إرهاصاته، رغبته في البقاء سليماً .
لا تكيف مع الواقع. لدينا اللامنتمي الذي يرغب في تغيير بيئي، مكاني، ليكون القادم أفضل، إنه هو نفسه الذي يمتلك وجهين: وجه يرى العالم المتقدم، كما يُستنتَج، ووجه يرى عالمه، بيئته، ووطأة البؤس في بيئته .
وهو من وراء إطلاق السراح لصوره الشعرية يحفّز لدى قارئه قوة حسية لمنحها حضوراً اجتماعياً ليتعرف على قوام الجسد المتشكل، ويستطلع المخفي أو المغيَّب وراء هذه العناوين المتسارعة والصادمة بالمقابل .
السارد لدى تقابل بيئات، تصادمها، وهو الشاهد والشهيد فيها، وهو الموجّه بسبابته إلى ما ينبغي أن يكون، انطلاقاً من معرفته بتفاوت بيئات، ومعرفته بها، وتوقه إلى بيئة تحرّره من عنف قلقه البيئي المقام .

في ” حمّى أيار “
مجموعة قصص تتشارك في مفهوم واحد: التوتر، أو استمرارية القلق السالف الذكر. وبدءاً من العنوان الذي يحمّل الشهر الخامس ما يخرِجه عن خاصيته الطبيعية. لعلها السوداوية التي تقترب من مفهوم مرضي يأخذ بتلابيب الكاتب، لحظة إخضاع مجمل مجموعاته القصصية لمنطق المكاشفة، لعلها واقعة سِيرية، لا يريد الكاتب الكشف عنها، أو التصريح بحقيقتها، أو ربما حادثة شخصية مارست تأثيرها فيه بعمق، فكانت لها هذه المأثرة في الاستحكام والتمكّن من مشاعره وأحاسيسه، ليكون السرد من جهته محكوماً بلغته.
ذلك هو الممكن قوله، سوى أن النظر إلى قصص المجموعة وسابقاتها، بعيداً عن هذا القرب الذي يمحي أو يلغي المسافة ويحول دون رؤية حيثياتها، يستشرف بنا عالماً آخر، وهو الذي يحاول الكاتب ” التفنن ” في نسج خيوطه، أو السعي ما أمكن إلى ممارسة تلك المهارة المطلوبة في القص، تجنباً للملل.
هناك متابعة لعالم متعدد المناخات، يتهيأ لسرد بعض مما عايشه وحمله معه حيث كان يتلقى العلم خارجاً، وهو في سرد هذه القصة أو تلك، إنما يحيل خطاب القول إلى قارئه، وما ينبغي عليه الأخذ به. إنه سارده الذي ينشغل به، عالمه الذي ينتمي إليه، وقد حرَّره من ميكانيكيته، ولمفهوم ” الحمّى ” بمردوده المرضي شهادة إثبات.
ما يخرج عن السيطرة، وما يجعل التوترات قائمة و” مشتعلة ” بين أهل القرية، في ” قميص ليلى ” حيث ليلى باسمها المألوف، تخرج عن سياق العلاقات، لتنبه إلى تصدعاتها بالمقابل، كما لو أن حيلة فنية كهذه، أماطت اللثام عن ” وجه ” الواقع المعتَّم عليه، ولتكون صفة الغرابة تعرية للمجتمع المرصود فيه :
( كانت السماء غائمة يومها، يوم أن بدأت الحكاية الغريبة، الحكاية الحزينة، ولم تنته يومها ولا اليوم الذي تلاه. بدأت في ذلك اليوم، الشبيه بالذي قبله والذي تلاه، البارد في تشرين، الممطر، الرطب. ص 7 ) .
هذه الحمّى تتسرب إلى داخل ” حالة تربص “، ومنذ البداية:
( لماذا أنا يا ربي..
لماذا يصر على ملاحقتي دون الناس..ص17)
( ..كنت أسمع دبك خطواته خلفي، مزلزلة مرعبة، وأنا أركض بأقصى ما في من قوة والأرض تهتز وتتشقق من شدة خطواته. والأشجار تتساقط، وتهرب الضباع والحمير، وتتصدع الجدران…ص20 )، وما في ذلك من مبالغة، ومن وصْل بين بيئات، أو توسيع نطاق السرد لإبراز وطأة الحالة ” الغريية ” وتعرية محتواها، وما يصل الحمّى بخلافها، في ” موجة البحر ” وغربة رمضان ( كان يتمنى لو أنه ولد في سواحل العراق أو عدن أو وسط أسواق الكويت العامرة أو حتى على شواطىء الهند الخضراء، هنا بلدة جرداء تملأها الجبال والرمال والشيوخ المتسمرين أمكنتهم تحت العرشان وفي السكك. ص 36 )، أو علامات الطقس المخيفة، في ” العاصفة ” وتداعيتها( في الخارج يصرخ العصفور وتهتز أجذاع النخيل، تتساقط الثمار ويتحول الوجود إلى كتلة انتظار لعاصفة وشيكة . ص 71 )، وما ينتمي إلى قصص ” هذيان ” بمساحاتها الصغيرة، وتنوع إيقاع السرد ومتضمناتها الرمزية، حيث يتراجع السرد لحساب كثيرة، كما في ” صوري القديمة.. الهرمة “، وكوابيس المنظور ( في التجاويف الدقيقة للرأس، يسافر قطار وتئز طائرة، يهطل مطر وتتسرب أودية صاخبة ويسقط عريش قديم. ص 81 )، وهي حسابات سيميائية تشدد على مسرح المتخيل شعرياً أكثر، حيث يتم تجريد الواقع مما هو حسي، بجهاته إلى مضمار الصور الشعرية وإحلالها محل السرد، تعزيزاً لرغبة السارد هنا. وفي الوقت نفسه، يلاحَظ هنا، وربما بسهولة، أن كل استغراق ما في الصورة الشعرية،تعبير عن أزمة في الزمن الذي تجلوه البيئة بشخوصها وخلافهم،عزْل ما للنثر في أن يقوم بواجبه، باعتباره المذكّر بالحركة العائدة إلى السرد، لنكون بصدد استجابة استبدالية لما لا يمكن الدفع به خارجاً. فثمة جسد مجتمعي مكبّل بقواه، حيث الزمن نوّاح هنا.
أو في ” سر التمرد الأخير”، وبدءاً من السطور الأولى :
( في الشرفة وحيداً..
الأوراق الصفراء أتت ورحلت.
في أعالي السطوح، أو من شرفة وحيدة، تبرز عين، تمشط مساحات صامتة وبيوت كثيرة أرهقها التعب.ص89).
…إلخ.
أهي وطأة الحنين إلى يوتوبيا مشتهاة، تحسُّراً على ما فات، وما يُرى فيه استحالةَ حضور بالمقابل؟ أم تراها المناخات التي تتشارك بها قصص الأخزمي تؤكد على ميزة القلق الوجودي، أو القلق البيئي الذي لا يمكن توصيفه بجملة واحدة، أو التعريف به قيمياً، قطعياً، قلق يتعدى حدود القلق المتعارف عليه هنا وهناك .
إنها قصص مطروحة للقراءة، ولا بد أنها كذلك، ويمكن قراءتها، قصص لا تخفي ارتباطها ببيئة تتشكل بأوصاف معينة، أو بيئة تشهر أوصافها من خلال المقيمين فيها بهيئات شتى، حيث يمكن ملاحظة تلك المكابدة النفسية للكاتب، وكيف ينشغل برسم الحالات من خلال الإحالة على ما هو واقعي، جهة البيئة،أو الاستغناء عنها بالمطارحة الشعرية، وأحسب أن وراء هذه التنقلات تركيزاً للنظر على الصراع الداخلي للسارد، ولا أقول للكاتب، وهو يعيش بيئات مزدوجة، وسعيه إلى محاولة رأب الصدع بينهما، سوى أن قدراته كفرد، لا تؤهله لذلك .
في هذا الصدد، يحضرني نقد الكاتب السوري المعروف ياسين رفاعية لها، وحتى تحفُّظه عليها، في الوقت الذي يشير إلى حضور الصفة القصصية لديه، إنما تتطلب مراناً أكثر، واهتماماً بسلامة اللغة ودقة التوصيف:
(تضم مجموعة يونس الأخزمي القصصية “حمى أيار” نحو خمس عشرة قصة تتفاوت بين الطويلة والقصيرة تنقسم الى قسمين: حمى أيار وهذيان، ويدور معظمها في أجواء الغربة ومعاناة الإنسان العربي هناك، والأشواق الى الوطن. هذا هو الموضوع الكبير الذي يشغل أفكار هذه القصص، لكن المؤلف يستعيض عن البناء القصصي بالبناء اللغوي، وهذا هو المأزق الرئيسي في هذه المجموعة. لقد حاول الكاتب أن يعرض عضلاته في الصعود باللغة الى أدق أسرارها ولكن على حساب النص… وكان يمكن لنا أن نغفر له العناية اللغوية، لو كان حقاً قد كتب لغة سليمة،.ولكن يا للأسف امتلأت القصص بأخطاء لغوية لا يمكن السكوت عنها. ان عدة الكاتب أولاً وأخيراً لغته. فإذا لم يعتن باللغة فكيف إذاً يعطينا نصاً قصصياً جيداً؟ ) ” 2 “.
طبعاً يبقى لما كتبه رفاعيه اعتباره، كونه ذا تجربة في كتابة القصة والرواية، وحتى من جهة الاعتناء باللغة، ثمة وجاهة في هذا الجانب، أي وجود عثرات لغوية في مجموعاته القصصية، وحتى في بنية التركيب بالمقابل، وهي تترك انطباعاً سلبياً لدى القارىء، وربما كان انقياد الكاتب وراء استغراقه في الحالة النفسية لقصصه، هو ما أبعده عن هذه الاعتبارات، وهي تعيق حتى عملية القراءة عينها، ودون نسيان أن رفاعية لم يخف تقديره لمساعي الأخزمي في قصصه ومناخاتها الاجتماعية، وبيئاتها، والحاجة الماسة إلى ضبط لغوي وعناية أكثر بالسرد لتعزز فنياً أكثر .

في ” نقوش “
العنوان الدال على ما هو مكاني بجلاء، أو مادي بامتياز، يصلنا بالمكان بالمقابل .وفي عالم قصص المجموعة الأحدث هذه، ثمة حضور لافت للعبة السرد، وإحاطة فنية محتسبة للبيئة التي ينتمي الكاتب إليها .
في ” حصة التاريخ وجدار المدرسة ” ثمة موقف سلبي من مادة التاريخ، ولا بد أن في ذلك إشعاراً بمشكلة تخص المحتوى والأسلوب، مشكلة دفعت بالسارد إلى إضاءة موقفه في المدرسة، وكيف أن جدار المدرسة من جهته، كشَارة سيميائية يترجم سلطة المدرسة، والعالم المغلق في الداخل .
الجدار مفصلي، فاصل ما بين الداخل الصارم، والخارج المنشود بطلاقته!
إن هروب السارد من المدرسة والقفزة على الجدار تأكيد لهذا الموقف( والحقيقة فمادة التاريخ التي لا أصدق أياً مما يقال فيها لا تستهويني كثيراً، كما لا يستهويني كثيراً مدرّسها السعودي حمد.ص 13).
يكون التاريخ المأخوذ باسمه ربطاً ضاغطاً بما كان، وانغلاقاً عليه، ونفياً للآتي بما فيه من متحولات أو متغيرات، في عالم يمور بالحركة، ويصبو إلى الأفضل.
وثمة دقة في اختيار المفردات وتمثيل الموقف، وفلَاح في لعبة السرد بالمقابل.
وهذا ما نتلمسه في قصته التالية ” حدث في العرين ” وقد امتزج الجانب الحكائي بالجانب القصصي، أو جرى استقطار الحكاية ذات الصلة بمأثورات البيئة، لتكون طوع السرد قصصياً ( يحكي الحاج سعيد الملقب بـ” دعداع ” عن حكاية غريبة حصلت في مطرح بجانب سور المثاعيب العظيم، الذي يسكن قمته الجن والعفاريت والشياطين . ص 21 ).
أو في ” عيد ميلاد الدكتور ” ومنذ البداية، حيث الشعور بحدث محسوس، ويتكفل السرد بتسطيره قصصياً، والتفاعل مع حركته ( اقتادني أبي وأختي ليلى التي تكبرني بعام إلى حفلة عيد ميلاد الدكتور الذي يعمل مع أبي في مستشفى الإرسالية الأمريكية الذي تسميه أمي وجدتي” مستشفى طومس “. ص 33 ).
أو في ” بين مطرح ودبي “، كما هي بقية القصص في المجموعة ( خرجت زينب الصغيرة فرحة بالخبر الذي سمعته إلى الطرقات تتمايل وتتراقص وتغني بصوت مسموع على طول الطريق المؤدي إلى بيت جدتها في العرين…إلخ. ص 89 ).
وأخيراً وليس آخراً، في ” رحلة الصيد “، مع تنويع في الحبكة، واختلاف في بنية السرد :
( أول ضربة حطت على رقبتي..
أحسستها ستقطع.
ثاني ضربة على أصابع يدي اليمنى..
أحسستها قطعت.
قلت له: وما ذنبي أنا ؟
قال : ذنبك أنه أخوك..
قلت: لكنني لم أذهب معه في رحلة الصيد.. ص121 ) .
بسهولة، يمكن معايشة السرد، كما يمكن الاهتمام بالذين يعنى بهم السرد، أو السارد، والمساحة الفعلية التي يتوزع فيها السرد، وتأمل الأشخاص الذين ينتمون إلى عالم هذه القصة أو تلك، وما في ذلك انعطافة في سردية الكاتب، أو ما تشكله هذه النقلة، ومن خلال ما أشرت إليه، من وعي متنام بدور السرد، وكيف يكون سرداً بالمقابل، وما يكون عليه الوعي المدرك لمفهوم اللعبة الممارسَة من قبل السارد بدوره، وتمحيص البيئة المرسومة .، إذ السرد نفسه منكوب، منقسم على نفسه، جرّاء بنية الحركة التي تظهرها البيئة في مواجع أهليها، وأخْذهم بما كان !
ولعل ارتقاء بفاعلية الكتابة وتمكناً منها، على صعيد لعبة النص البيئية، يحفّزان تلك الإرادة بالانتقال إلى العالم الأكثر رحابة، والمتخيل الأكثر تحليقاً وتأهيلاً بما يجعل لعبة السرد أكثر إثارة ومعايشة فعلية لها .
إنما ما ينبغي قوله من باب التأكيد على علامة فارقة تخص مفهوم البيئة التي عاشها الكاتب، وتلك التي رآها في أوقات مختلفة: أوقات الدراسة، وفي التنقلات، وكذلك في مشاهداته السفرية، وهو أن المشار إليه بخصوص الأمكنة التي كتب فيها نصوصه القصصية، وخلافها، ثمة فصل بين مكان الكتابة، والبيئة التي تتضمنها، كما الحال في قصصه التي أشيرَ إلى أمكنتها وأزمنتها، وما يمكن قوله في أعمال روائية له. إذ لا بد أنه استفاد من بيئات الأمكنة هذه، سوى أن احتفاظه ببيئته التي ولد ، وكذلك عاش فيها، يظل في الواجهة، وإن كان الذي يحفّز على المكاشفة البحثية، والمضيّ بالمسطور إلى ما وراء الثبْت المكاني وبيئته، وهو مدى تأثير تلك البيئات التي تفاعل معها، بطرق مختلفة، وفي ضوئها، يمكن استقصاء مدى التأثر بتلك البيئات التي استقى منه علمه الأكاديمي، ودون نسيان القراءات المصاحبة أو المرفقة، وهي تخصه شخصياً، وتحديداً في الشأن الأدبي، وضمناً، في الجانبين: القصصي والروائي، وكيف قيّض له أن يظهِر رباطة الجأش، حين يقبل على كتابة قصصه التي سطّرت في بيئات ” غريبة ” كما لو أنه في بيئته بالذات، وكيف استمرت عملية الحفظ، أو الأرشفة لديه، بعيداً عن التأثر المباشر، أو السماح بتسريب أي أثر للبيئات تلك، وما يتطلبه ذلك من مقاربة نفسية وغيرها.
أعني بذلك كينونته النفسية بقواها المختلفة، حيث يتوسط بيئات، أو يعيش مناخاتها، سوى أن بيئته هي الناطقة ” فيه ” !
وإذا كان لي أن أضيف معلومة أخرى إلى ما تقدم، إذا كان لي أن أشدد على معلومة مرفقة بما تقدم، ففي التالي:
إن ما حاولت تناوله في نقاط مختلفة من البحث حتى الآن، هو تلمس بدايات الكاتب من خلالهذه المجموعات القصصية، وما يصلها كلاً منها بالأخرى وبـ” ذاتها ” الفنية في القص، والنظر في ذلك التاريخ المركَّب، تاريخ الأدب وتداخلاته مع تواريخ أخرى، وتسمية العديد من هذه العناوين، رغبة في المقارنة، وفي التعرف أكثر على السرد الذي لا يحاط بحقيقته مفعهوماً وتاريخاً وأدواراً، لأن كل ما نقوم به، كل ما نتحدث فيه، كل ما يشغلنا ولو في صمت، قد يتبناه السرد، إلى جانب تصورات أخرى في ضوء الكتابات الحداثية، وبالتالي، فإن الذي أثيرَ حتى الآن يضيء جوانب مفصلية مما سنتعرض له، بكثافة أكثر، تجاوباً مع علامة الرواية الفارقة بجلاء!
وإذا كان من إضافة معينة، وهي ليست إضافة في محتواها، لمَا كان بصدد مقام السرد في القصة، وما سيكون عليه شأناً تالياً: في الرواية، فمن الربط اللافت بين حركة كل منهما،حيث يتقابل الشعر والنثر، من قبل فاليري، وقوله عن ( أن الشّعر بالنسبة إلى النثر أو اللغة العادية لهو كالرقص بالنسبة إلى المشي ) “3 “، حيث رأينا حضوراً للشعر في البناء القصصي، رغم أن السرد مميّزه، والرقص في هذا السياق نقلات، أو قفزات، أو وثبات مكانية، كما لو أن هناك لسعاً من الأرض، من صفيحة ساخنة، وليكون النثر الذي ينبسط هنا وهناك مستغرقاً المكان، أو البيئة، كما هو المشي، وإن بدا مختلف السرعات، ولكنه بعيد عن الرقص، لاختلاف الدور.

إشارات
1- وقد تناولتها في دراسة نقدية بعنوان ” بيئات مزدوجة: لعبة النص البيئية في “ثلاثية بحر العرب” الروائية ليونس الأخزمي، والتي صدرت في كتاب نشرته دار يعرب- لندن، 2024 .
2-ياسين رفاعية: يونس الأخزمي في “حمى أيار” . قصص ذات مواضيع أكبر منها، صحيفة الحياة يوم 26 – 08 – 1999 .
3- نقلاً عن جيرار جينيت: التخيُّل والقول، ترجمة: الصادق قسومة، دار سيناترا،تونس، ط1، 2014، ص139.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading