القصة القصيرة

أحـنُّ إلى النطرون – د. وجدان الخشاب / العراق

صورة لامرأة ترتدي حجابًا ملونًا وتبتسم في الكاميرا. خلفيتها بيضاء.

                                                           

   أسدل الليل أستاره على الكون ، الموج ينساب بعـذوبة هادئة القسمات ، والبحر يغـفو ويتغـافل عن ذلك العجوز الذي ارتكن على حاجز السفينة … جالت عيناه فيما حوله .. البحر صامت .. النجوم أشرقت اشراقة افـتقدها في الليالي التي هامت ماضية دون أن تلفت ، والريح غـفت هي الأُخرى تاركة أشرعة السفينة تهفف بهدوء شفاف ، من خلال الهدأة الليلة نادته روح :

  • تعال ..

أنصتَ ولم يـجِب …

  • تعال ..

توقـفـت النسمات .. عادت الروح تناديه:

  • أنا انتظر .. التفت إلي ..

تلفـتَ العجوز .. وما رأى ..

انحنى على صفحة البحر .. وما رأى ..

جالت عيناه في الهواء … وما رأى ..

عادت الروح تناديه همسًا:

  • تعال .. أحـنُّ إلى لمسة من يديك ..

   ارتفع ذلك الهمس إلى الفراغ .. التقـطـته نجمة صغيرة .. بدأت تهبط بهدوء نحو السفينة .. اقتربت أكثر لترمي بضوئها الخافت أمام قـدميه ..

مبهـورًا.. جال بعينيه في أرجاء السفينة .. وما رأى ..

   الروح تقـدّمت بهدوء.. طـوّقـته.. وأخذت تسحبه الى باب خشبي يرقد وراءه سُلّم.. وطأته قدماه نازلا إلى جوفها حيث مخزن البضائع.. تركته الروح لتدور حول تابوت خشبي عـتيق .. عـتيق .. أضاءه نور النجمة .. تـقـدّم العجوز باتجاهه .. تجرّأت يداه وتلمّست التابوت .. ازداد نور النجمة سطوعًـا ، قـرأ على غـطائه ما سطّرته يدٌّ لم يعرفها، لكنّـها أعلنت :

بيديك الحانيتين افتحْ تابوتي .. ادفعْ عني لفائفي .. ضمَّ اليكَ تعاويذي ..

افتحْ أوانيَّ الكانوبية .. دعني أتنفس الهواء ..

تراجع العجوز خطوة إلى الوراء .. مرعوبًـا حابسًا أنفاسه .. وذاكرته تردد:

افتح تابوتي …

افتح تابوتي …

زمَّ شفتيه ليمنع كلمات كانت قد استـقـرّت منذ زمن بعيد في عمق ذاكرته :

لا تفتح التابوت فسوف يطوي الموت بجناحيه

كل من يجرؤ على ازعاج الملك

عادت الروح تناديه :

  • تعال ..
  • لا .. لا ..
  • تعال .. افتح التابوت .. أحنُّ إلى الهواء ..
  • لا .. لا أجرؤ على لمس أقفاله ..

المسها .. أحنُّ إلى الهواء . .

اندفعت النجمة لتضيء القـفل الكبير .. انحنى العجوز .. لمسه بيده المرتجفة .. وقرأ ما سطّرته يـدٌّ على خرطوش فرعوني يحيط بالقفل:

لا تفتح التابوت فسوف يطوي الموت بجناحيه

كل مَن يجرؤ على ازعاج الملك

لكـنَّ الروح ظـلّـت تهمس للعجوز بإصرار:

  • افتحه ، أحنُّ إلى الهواء ..

بين التردد والتجرؤ كانت عيناه تناوران .. لكنَّ أصابعه تلـهَّـفـت لاكتشاف ما وراء القفل .. وقبل أن تلمسه تراجع العجوز متأرجحًـا بين الرغبة واللا رغبة في فتحه .. ذاكرته تموج بسؤالٍ معلّق بين شفتيه ولا يجرؤ على الاعلان عن حضوره .. رنت عيناه إلى القفل بحزن .. أغلقهما تاركًـا المجال لرئتيه لتعبَّ هواءً افتقده في تلك اللحظة ، ورمقت روحه التابوت بلهفة تنمُّ عن رغبة آسرة لاكتشاف ما فيه …

  • أعدني إلى البحر .. قالت الروح بهمس تختنق نبراته ..
  • كيف لي أنا المثقل المبهور أن أُعيدكَ ؟
  • ادفع التابوت إلى الماء لأرتوي ..
  • الماء مالح ..
  • ادفع التابوت ..
  • البحر غادر ..
  • ادفع التابوت ..
  • لماذا ؟
  • أحنُّ إلى النطرون ..
  • من سباتك الأزلي تنهض .. لماذا ؟
  • لأعود إلى وادي الملوك .. أعدني إلى النيل .. أعدني إلى مدفني الهرمي ..
  • ولكن كيف أُعيدكَ .. في نبش لفائفكَ ما يؤلم روحكَ .. ويؤلمني ..
  • ادفع عن جسدي لفائفه .. ودعني أتنفس الهواء ..

   امتدت أصابع العجوز وعيناه إلى القفل لتتفحصه .. وما إن قَـلَـبه حتى انفتح وسقط على الأرض متناثرا ، رفع غطاءه الثقيل .. اقتربت النجمة أكثر وألقـت نورها .. فأضاءت داخل التابوت … رمـقـت عيناه كفـنًـا حال لونه، وتمائم جنائزية غـفـت في جوانبه .. تمثال اوزوريس الأخضر عند يمين الرأس ، وايزيس الذهبي عند يساره .. وأُخـرى خشبية لجنود استقرت عند قدميه، كادت عيناه تطيران دهشة حين وقعتا على ما بدا له خرطوشًا .. مسح غباره بكـفّـه المرتعشة، وقرأ ما كُـتبَ عليه بحروف ذهبية بارزة :

أنا الملك .. ملك الأرضينِ القبلي والبحري ..

ابن الشمس – آتون القـوّة ..

آتون الضوء .. آتون طارد الظلام

مُنحتُ الحياة أزليا…

مُنحتُ الحياة أزليا …

   مرتجفًـا بدأ يفتح الكفن .. غاصت عيناه في محجريهما حين اصطدمتا بمومياء ملفـوفة بلفائف حال لونها الى السواد، تضمُّ إلى صدرها صولجان مُلكٍ غاب من زمن عتيق، وفوقه استقـرّت عـنخ علامة الحياة الأبدية .. حمل التمائم والتماثيل واحـدًا واحدا .. وأخذ يزيل عنها الغبار ، ثم يعيد توزيعها حول جسد المومياء ، وما إن انتهى حتى التفـتَ بهدوء إلى باب الأمان في صدر المخزن وفتحه .. أطـلَّ على البحر الذي بدا مرتعبا.. ولكنه أظهر سكونًـا مؤقـتًا منتظـرًا لما سيكون .. والهواء هو الآخر انكـفأ متفاجئا حابسًا أنفاسه عند بوابة شفتيه .. وترقبت النجمة حركة العجوز وهو يعيد الغـطاء، ويبدأ بدفع التابوت إلى صفحة البحر هامسًا بحـنوّ:

  • لكَ أملاح البحر كلها …
  • لا أُريد أملاح البحر .. بل أُريد النطرون ..

   طـفـا التابوت على وجه الموج الليلي الهادئ ، وروح العجوز الخافـقة ترقبه وهو يبتعد عن السفينة .. وبدأت شعاعات الفجر الأُولى ترمي بوجودها على وجه البحر المبهور وأخذت الأمواج تفور فـورانها الدائري العـنيف .. تهيم ويهيم معها التابوت ويغـرق .. يغـرق حتى غاب عن عيني العجوز ..

   سالت دمعـتان دافئتان عبر أخاديد وجهه، وانكـفأ على كرسي مركون قرب باب الأمان، يلمُّ بعضه بعضا حزنًـا وألما .. وحيـدًا بدا وخاملا .. لكـنّـها يده ظـلّت قابضة على تمثال خشبي صغير، كان يرقد في زاوية التابوت، فأخذه وخـبّـأه في جيبه .. أخرجه وبدأ يشمّـه بعـمق مرة تلو أُخرى حتى تراخـت ذاكرته تماما ..

   في عمق الظلام البحري تلـقّـفـت موجة التابوت الصغير الغارق .. لفّته بيديها الحانتين .. وتوجهت نحو الشرق .. حتى وصلت جزيرة الشمس المشرقة .. بدأت تصعد ويصعد معها التابوت ، حيث كانت الشمس تشرق بسطوع ناصع .. ألـقـته على حافـتها .. وعادت تهبط إلى عـمق البحر لتغـفـو بهدوء ..

   من فتحة التابوت الصغيرة ألـقـت الشمس شعاعًـا من ضوئها الذهبي داخل التابوت .. استرخت المومياء تاركة إيّـاه يغسلها جزءاً .. جزءا من غبار السنوات الماضيات .. فـتنتعش .. طارت روحها وأضاءت ذاكرة العجوز الغـافي .. ليراها غارقة في ضوء شمس الظهيرة الحارة .. فنهض ومدَّ يده إلى البحر .. أمسك موجة صغيرة كانت تركن عند حافة السفينة ، ثم أطـلقها لتعود إلى البحر حاملة أنفاسه التي نفخها فيها .. ودفـعها بيده وهو يعلن :

اذهبي واحملي الجسد باتجاه مشرق الشمس .. باتجاه النيل ..

   غاصت الموجة وتحركت بإيقاع متسارع تاركةً أمواجًـا أُخرى ترقبها وتحسدها، حتى وصلت حافة الجزيرة، سكنتْ منتظرة مـدَّ البحر مساءً، وما إنْ بدأ حتى التحمـت به، ووصلت الى التابوت، مـدّت جسدها ليحضنه ويهبط به ثانية إلى البحر ..

   أشرق وجه العجوز وهو يرى الموجة تلـفُّ التابوت بحـنـوِّها ، وتسارع مسيرتها ، تحركت شفتاه ناطقة بسؤال كان يدور في ذاكرته ، تلقـفـت روح المومياء السؤال الهائم في الهواء ما بين العجوز وبينها .. لتعلن :

  • نعم .. أخذتُ يقـظتي من آتون .. آتون القـوّة .. آتون الضوء .. الضوء الذي أشرق على روحي  ..
  • والآن .. إلى أين المسير ؟
  • إلى النيل .. إلى النيل ..
  • والحاجز المائي ؟
  • ما بين البحر والنيل موجات من حنان يتدفـق .. سيناديني النيل إليه ..
  • أيحـنُّ النيل إليك ؟
  • يحـنُّ إليَّ .. وأحـنُّ إليه .. وأنتَ أيضًا يـحـنُّ إليك …

   عند الحاجز المائي ما بين البحر والنهر ، توقفت الموجة .. مبهورة تنتظر وترنو إلى أمواج النيل، وهي تتهادى ولا تختلط بأمواج البحر .. تنبّه شعاع الشمس ورنا إلى المشهد المفروش تحت ناظريه .. اندفع نحو موجة كانت ترقب المشهد هي الأُخرى .. ورمى إليها بدفءٍ كانت بانتظاره ، فامتدَّ جسدها ليحمل التابوت .. ويبدأ المسير ..

   تألّـقـت الابتسامات والهمهمات بين أمواج النيل .. عـرس وفرح واشراقات غـمرت جسد المومياء بضوئها … انحنى العجوز على البحر هامسًا :

  • أرأيتَ ؟

// ماذا ؟

  • الجسد يعود إلى أرضه ..

الغريب لن يبقـى غريبا ..

ردد العجوز بألـم :

الغريب لن يبقـى غريبا ..

   سارت الأمواج حاملة كنزها الثمين .. وصلت أرض النطرون .. تحامـلَ جسد المومياء على نفسه ليخرج من تابوته، ويتمرًّغ حتى ارتوى من ملحها .. ثُـمَّ عاد الى تابوته ليكمل المسير .. ساعات وساعات وموجات النيل .. شعاعات الشمس .. الأسماك .. نباتات النيل .. ذرات الهواء .. حاشية ملكية تقيم احتفالا ذهبيا بالعائد اليها .. تعالت ترانيمها حتى بدت أصواتها أجراسًا تقرع، فيردد الهواء صداها ..

   تلفتت أحجار الهرم المغسول بإشراقة شمس مصرية القسمات والدفء .. تنادت بفرح غامر  .. رمقت تابوت فرعـونها العائد إلى أرضه ، وبدأت ترنَّـم ترانيمها الأزلية :

الغريب لن يبقـى غريبا

الغريب لن يبقـى غريبا

  • أحـنُّ إليك يامدفني العتيق .. أحـنُّ اليك .. ردد جسد المومياء

   تسارعت الموجات حاملة تابوت ملكها العـتيد .. عابرة أرض البئر .. صاعدة إلى غرفة المدفن الملكي .. حتى استـقـرَّ فيها .. شهق جسده شهقة عميقة ليـعـبَّ الهواء كلّه ..وعيناه تجولان على سقـفـها وجدرانها ورسوماتها التي تحكي قصته ما بين الحياة والموت .. حروبه .. بطولاته .. أسراه .. عرباته الحربية …

أغـمض جفنيه ليرسل صوته عبر المسافات مناديًـا العجوز :

الغريب لن يبقـى غريبا

   تنبّـهَ العجوز للنداء.. استيقـظت في نفسه ذكريات أيامٍ وشهور وسنوات، وجسده هذا يجوب البحار والمحيطات، يغسل أجساد السفن ويلـمِّع أركانها، ولكن .. الآن … آنَ الأوان..

تلـفّـتَ رجلان مرتكنان إلى حافة السفينة ، وقال أحدهما متفاجئا :

  • هل سقط أحد في البحر ؟

/ لا .. لا أحد غيرنا هنا ..

  • لكنك مثلي سمعت صوت ارتطامٍ بالماء ..

/ نعم .. ولكن لا أحد على سطح السفينة غيرنا ..

نظرا إلى الماء وما رأَيا شيئا ..

   البحر أخفى دوائره ، واحتضن جسد العجوز ، ليبدأ هو الآخر رحلة عودته إلى وادي النيل .. مترنِّـمًـا:

الغريب لن يبقـى غريبا ..

ردد البحر والهواء وشعاع الشمس .. الطيور وأوراق الشجر :

الغريب لن يبقـى غريبا …

الغريب لن يبقـى غريبا ..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading