واقع لا يستهان به – رامي حلبي
أدعي أن للواقع إشكالية كالإشكالية التي لسقراط، وأن كل تلك الأسئلة التي قد نستشكل بها حول ماهية الواقع قد نستشفها من الأسئلة التي أُطلقت حول هُوية سقراط، ليس الإفتراض والإستنتاج من الواقع ولكن الإستقراء في أقرب حقيقة له، كما أن إستشكالنا ليس حول بيولوجية سقراط ولكن القيمة الأبستمولوجية التي له.
ليس الهدف الحكم على الواقع، ذلك إن كان أفضل رد فعل لنا في هذه اللحظه هو تجاوزه، فإن كنا بصدد إطلاق حكم ماهووى تجاوزي فلا بد أن نعلم و جيدا كيف وأنا لنا أن نخطو، خطوة صغيرة خارج الواقع تجعلنا بصدد إستقراء واضح للواقع ، نظن هذا، ولكن كيف لنا أن نأت على تلك الخطوة، وعبر إطلاق السؤال، ما القيمة المعرفية حول إستشكالنا في الواقع؟…كيف لا يكون الإستحسان المعرفي والجمالية حوله والبهاء فيه، إيباء ووبال علينا وعبر نظرة طارئة سوداوية إذا ما أعلنا محاكمة صارخة وعلنية للواقع، إذ لا يمكن إنكار ما سوف يستكشف تباعا من صدمات، كيف لا نكون أعداء له نحمل أحكام مسبقة عليه؟، وكما فعل أنيتو، ميليتو، وليقون، مع سقراط…
في الأخير من هذا الجدل الساذج مسبق الحكم بالتجاوز، نستطيع أن نحدد خلاله أن إستشكالنا حول الواقع هو إستشكال معرفي، فما الذي نعرفه عن الواقع؟.
سقراط كمدخل… الشيء الوحيد الذي كان يدركه سقراط على نحو أقرب إلى اليقين، هو أنه لا يدرك شيء أو لا يعلم شيء، وهناك نص ل”ديوجين” يقول على لسان سقراط عن كلمات “أفلاطون” في وصفه المثالي المتكامل لسقراط، وهو أشهر تلامذته، أن سقراط يقول”كم مقدار الأكاذيب التي نسبها لي هذا الشاب” يقصد أفلاطون، كان هذا النص بعد وفاة سقراط بعدد من السنين، وإذا ما قلنا أن ديوجين قد قال تلك الكلمات عداوة في أفلاطون فلا ينفي ذلك صدق النص، إذ أن سقراط الأفلاطوني هو إدعاء ضمن أكثر من إدعاء متناقض مع بعضه البعض، فسقراط بالنسبة ل “أرِسْطُفَان” تلميذه الآخر، سفسطائي تتلمذ على يد معلمه السفسطائي الآخر أو كبيرهم كما يقال مجازا “أناكسوجوراين أرشيلوس” وإستسقى عنه الفكر السفسطائي، أما بالنسبة لأفلاطون فسقراط معارض ومحارب للسفسطئة وأكثر من ذلك قد تجلى سقراط في الأدب الأفلاطوني بعمومه إجمالا وخصوصه في (محاورات الدفاع) كاد أن يكون نبي مرسل لما له من حكمة بالغة في كثير من المداخل الأبستمولوجية ، في السياسة والمعرفة و الأخلاق وكذلك في مناح السيكولوجيا والفيمينولوجيا، هذا على أكثر تقدير، وأقل تقدير يحسب له له أنه قد بات كجنس أدبي يطلق عليه الأدب السقراطي، وهناك” إكسينوفون أو أوزينوفون” تلميذ ثالث لسقراط يصف سقراط على أنه معلم تربوي أكثر ما إهتم به هو تربية تلاميذه على التخلق والمثالية والفضيلة، ثم يأت من البعيد”أرسطو” وخارج الدائرة وتلك خطوتنا المتأنية خارجا عن دائرة الصراع بالأحكام المسبقة، فأرسطو الأقرب زمنيا لسقراط والخارج عن تأثيره المباشر والتلميذ المباشر لأفلاطون لذا هو يستطيع أن ينسب ما لأفلاطون وما إلى سقراط، أي يستطيع أن يخلص سقراط من أفلاطون، وجّل ما قد يعرف عن سقراط في المعرفة الأريسطية أنه الفيلسوف الذي حدد المفاهيم، هذا رأي إكسينوفون هو الآخر وهذا ما يتوافق مع محاورات أفلاطون ويخالف أرِسْطُفَان.
الواقع كسقراط… قد نرى معرفة أفلاطونية للواقع، بمعنى وصف مثالي وإدعاء فضلوي للواقع، ويكون هذا الإدعاء هو المنطق المسيطر وهذا ما حدث بالفعل مع ثورة التنوير آواخر القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، ثم تتبدل هذه الصورة إلى مخاوف جمة وتحذيرات من مخاطر لا يطمئن لها الوجدان يصاحبها دعوات باليقظة والحيطة العقلية كما حدث مع فلسفة الحداثة وما بعدها حتى وصولا لما سمي بالمعاصرة، ومن الواضح أن لفظة معاصرة ذاتها لفظة غير مستقرة، إذ أنه ما قد أطلق علية معاصرة منذ عشر سنوات لا يمكننا نعته بالمعاصرة الآن فنحكم عليه بالماضوية، وما هو يشغل أفكارنا الآن ونضعه قاب قوسين المعاصرة لن يكون بذات الوصف بعد جيل أو جيليين، فما كان من أفكار منذ سنوات مضت وقد ترك آثار نفسية بغيضة على قطاع من الناس بسبب حرب أو وباء أو أي علة تاريخية أخرى نستطيع أن نصفه بالتحليل النفسي الميثولوجيا بالمرض العصاب إذ أن تأثيره البغيض ممتد، وكما يرى “جاك لاكان” في أرسطو وتأثيره فيما بعده بالمريض بالمرض العصاب وقد ترك تأثير بغيض، وهذا يموضعنا ضمن حقيقتين فإما الواقع براق، أو سوداويا، كما أنه سقراط إما رجل فضيلة وحكمة وأخلاق بعهدة أفلاطون وإكسينوفون أو هو مريض عقلي كما يرى جاك لاكان ووجوليس جانيت الذي يراه مختل عقلي، أو في أسوأ تقدير بأن الرجل دنيء ومنحط ليكون سفسطائي الفكر كما وصفه أرِسْطُفَان.
هل الواقع أفلاطوني، أو هو بتأثير إدعاء جاك لاكاني بغيض، أو هو أرِسْطُفَاني دنيء؟
كل تلك أسئلة… اجابتها لا تغنينا عن توليد فلسفي للواقع وإبتداء بفرض أنه (مطلسم أو مشفر) ذلك لكثرة أبعاده وإختلاف موضعاته، فإذا ما تحدث الواقع عن نفسه سيكون له إفتراضان، أي رأيان فمن منطلق أنه معجب بذاته سيمدح نفسه بغرور بالغ لا يوجد له نظير، أو على النقيض سوف سيستهجن مآله الذي ليس بيده من حال رث قد وصل إليه، نفهم ذلك بالمنطق الصوري الذي يقول لك أن الصورة إما بيضاء أو سوداء، فكيف إذا أضفنا له رتوش بألوان كثيفة… هل يمكننا العود بالنظرة السابقة حكما على الواقع بأنه إما أبيض أو أسودا ولا يعرف حتى الرمادى الوسط بينهم، لا يمكننا هذا، كذلك تغالطه الوقائع التي هي معبرة عن أكثر من بعد أو زاوية رؤيا لعدد من المؤثرين فيه، ونستخلص أن الواقع دونه الوقائع، الواقع مبهم وإحجابه بفعل كثرة الوقائع، وبالتالي الحقيقة دون الحقائق، والموضوع دون موضوعياته، فأين هذا المعنى الذي يصف الواقع بإنصاف كما لم نعرفه؟، وأين من بين تلامذة سقراط من نثق في حكمه على شخص سقراط ؟ لنستخلص من سمت الرجل هل هو مجرم فاسق فإستحق الإعدام أم هو بريء من ما نسب له؟ ، إن الغوص في السؤال عن شخص سقراط، لمحاوله الوقوف على حقيقته
كمحاولتنا الوقوف على حقيقة الواقع؟، سوف نغرق حتى أذقاننا وقد ننتهي ولا نصل لشيء، لكن الإعتبار النهائي وعن ذلك ما حملته المعرفة الأريسطية عن سقراط، فنتجاوز بمبدأ التوليد الفلسفي هكذا مهاترات وجدليات واقعيا وبالحكم على الواقع تكون ساذجة، فسقراط الأرسطي قد حدد المفاهيم، بالتالي نحن في حاجة لتحديد المفاهيم التي لدينا في الواقع، ولهذا العديد من المداخل، منها التاريخي والزمني و الفيمينولوجي ، منها الميثولوجيي التحليلي وعديد المداخل، كل ما يحتاج في عصره وأوانه وحسب الظاهرة الأبمستولوجية الملحة في حينه.
أقول أن الحقائق حول الحقيقة نسبية في وصفها أطر ومحتوى الحقيقة الواحدة، بالتالي هي متعددة لوصف فردية الحقيقة الثابتة، لذا الواقع لا يمكن أن يكون متأرجح لتأرجح الوقائع وإختلافها وأحيانا الصراع بينها، فوجود أرسطو البيولوجي من عدمه لا يمحي وجوده في الفكر، كذا وجود العديد من الآراء عن الواقع لا ينفي وجود واقع واحد يشمل كل هذا الإختلاف، وكما أننا لا يمكننا إنهاء وجود أرسطو، لا يمكننا نفي إبهام الواقع.
وأن من سوف يتولى سلطة الحكم على الواقع، لا نبشر بحكم صائب إلى حد كبير، فالنازية كانت واقع يرى مايرى ويحد ما يحد، كذلك الصهيونية المتأزمة حاليا، وكذلك الفكر الإسلامي المعاصر… يرى دكتور خالد حاجي المفكر المغربي، أن كتابات المفكرين العرب المسلمين اليوم عن المقاومة في فلسطين تريد أن تبلغ مركزية ما وتحدد لنفسها مفاهيمها، ولكن ذلك يتم عبر التفكير خلال المركزية الغربية رغم أنها تسعى لإنتصار مفاهيمي على مركزية الفكر الغربي، من ما يستدعينا إعلاء قيمة تجاوز هذه الأفكار وكما تجاوزنا البحث عن هوية سقراط البيولوجية لماهيته الفكرية، فدمامة سقراط لن توصلنا لفكره، ولكن فكره سوف يوصلنا إلى وسائله، كذلك التركيز على حاجتنا الوقوف بخطوات متأنية خارج أي مركزية فكرية للغرب أو لغيره، هي حاجتنا لترسيم واقع يعبر عنا، وحيث لن نستطيع الوقوف في الهواء حيث سوف نسقط في سلة غربية أو غي الفراغ، فإن خطوة للخلف قد تكون دافع للتقدم خطوات للأمام، لا أقول تجاوزا للمعاصرة الغربية ومركزيتها ولكن الإختلاف عنها.
هناك العديد من الآراء التي تقول بالصراع الصيني الأميركي المحتدم على مراكز أولية، ولكن هناك فرضيات موضوعية تقول أن الصين لا تريد إزاحة أميركا وبالتالي تحمل مسؤوليات تؤدي إلى إرتكاس حضارتها وأن رغبتها في مجاراة ومحازاة الوجود الحضاري الأميركي أكثر مبلغ قد تصله وتراه ناجع لإستمرارها الحضاري، والتفوق يأت تلقائيا عبر الإخلاص والصدق ولا المنافسة العير شريفة، وصلت أميركا للقمر والمريخ فما الذي إستدعى الصين إطلاق برامج مريخية خاصة بها ولم تخطو على نفس خطى الأمريكان سوى إحساس الإختلاف الذي يدركونه كحدود مفاهيمية تضعهم على خطوط متوازية مع التقدم الأميركي أملا في سقوط الأخير.
أكرر بأن أفضل طريقة للتعامل مع الواقع هي تجاوزه ومحاولة فهمه عن طريق مفاهيمنا الأصيلة عبر عود راديكالي لما في تراثنا حيث نفرض واقعنا ولا نضيع بين وقائع المركزيات الفكرية المختلفة.
هذا والله أعلم





