دراسات أدبية

كلّ بحور الشعر تصلح للشعر الحرّ – أ.مالك بن فرحات

رسم توضيحي لرجل مبتسم يرتدي سترة بيضاء، مع تفاصيل خلفية لعناصر غير واضحة.

كان التأصيل النظري الأوّل للشعر الحر ممثلا في رائدته السيدة نازك الملائكة صارما و حذرا و هو يؤصل لتحرير الشعر من القالب القديم و من حدود البيت ذي الشطرين المقيد بعدد ثابت من التفعيلات في القصيدة الواحدة ، و قد نعذر صاحبة قضايا الشعر المعاصر بهذا الحذر و يمكن أن نفهمه في سياقه الثقافي و المعرفي ، سياق لم تجاوز فيه تجربة الشعر الحر مهْدها ، و جرت العادة بأنّ كلّ ثورة أو كلّ تجربة جديدة يكون أصحابها في مرحلة المهد مدفوعين بحماس جارف يشتهون معه أن يحلقوا بعيدا في أفق التجديد لا يهمّهم في سبيل ذلك أن ينبتّوا عن أصولهم التي بنوا عليها تجديدهم هذا ، لقد خشيت نازك الملائكة هذه الفلتة غير الواعية و هذا الحماس المندفع على غير نهج ، و لم ترض أن ترى عيونَ ماء الحرية مفجرّة مدفوقة على فوضى عارمة دون أن تبني قنواتٍ و مصارِفَ لاحتواء هذه العيون ، فاللحظة التي تدخلت فيها نازك الملائكة لتحتوي تجربة الشعر الحر و تضع لها قواعد و إن كانت صارمة و مقيسة في جانب منها على النمط القديم لحظة واعية و مسؤولة . و لكن ما لا نجد له عذرا و مبررا هي أن تتواصل هذه الصرامة و هذه القواعد الجامدة بتغير السياق الثقافي و اكتشاف قابلية موسيقى الشعر لاستضافة إمكانات جديدة و تعديلات تقبلها الأذن ، و قد وقفنا هذا الموقف إذ أعدنا النظر في قضية البحور التي يصلح أن ننظم عليها شعرا حرا و قد أفردت لها الشاعرة و الناقدة العراقية فصلا في كتابها قضايا الشعر المعاصر ، و قسمت بحور الشعر بحسب درجة قابليتها لأن ينظم عليها شعر حرّ إلى صِنفين : صنف يحسن عليه النظم و هو أولى من غيره بالشعر الحر ، و صنف يمتنع عنه النظم . و لئن كانت لنازك الملائكة مبررات تقنية في اختيار هذه الأصناف صاغتها مستندة إلى بنى البحور و تشكيلاتها ، فإننا وجدنا مبررها الأساسي و هي تضع القواعد و تمحص ما يصلح من الأوزان ذوقيا ، فوجدناها تردد في غير مرة أنها تستند إلى الأذن و إلى الذوق الموسيقي في ما تقره و ما ترفضه ، و نحن نعلم أن مسألة الذوق مسألة خلافية و أن ما تستسيغه طائفة لا تستسيغه طائفة أخرى . أمّا الصنف الأوّل من البحور فهي البحور الصافية و البحور الممزوجة التي يتألف فيها الشطر من أكثر من تفعيلة واحدة على أن تتكرر إحدى التفعيلات و عنت بذلك بحرين هما السريع و الوافر ، و أما الصنف الثاني فيضم البحور التي لا تستجيب للشروط السابقة و يمكن أن نتعرف على بعضها في قولها ” و أما البحور الأخرى … كالطويل و المديد و البسيط و المنسرح فهي لا تصلح للشعر الحر على الإطلاق لأنها ذات تفعيلات منوعة لا تكرر فيها ” و ذكرها لهذه البحور كان على سبيل المثال لا الحصر ، فهذا الصنف يضم فضلا عن البحور المذكورة الخفيف و مخلع البسيط و المقتضب و المجتث و المضارع. و للإيضاح نعرض كل البحور ما يصلح للشعر الحر منها و ما لا يصلح بحسب نازك الملائكة :

ما يصلح للشعر الحر : الكامل / المتقارب/ الرمل/ المتدارك / الرجز / الهزج / الوافر / السريع .

ما لا يصلح : الطويل / البسيط / المديد / المنسرح / المجتث / المقتضب / المضارع / الخفيف / مخلع البسيط.

و نحن نريد أن نثبت في هذه المقالة قابلية كل البحور الموجودة في الصنف الثاني لأن ينظم عليها شعر حر لنؤكد قابلية كل البحور للتحرر ، و لكي نثبت ذلك سنبين أن تركيبة هذه البحور لا تتنافر مع الشرط التقني الذي اشترطته نازك الملائكة ليكون البحر صالحا للشعر الحر بالقدر الذي لا يتنافر تحريره مع الموسيقى و ما تقبله الأذن. إننا نمتلك بين أيدينا أداة سحرية سبق أن أعدنا بها تفكيك أصوات البحور و تركيبها لنكتشف فيها إمكانات صوتية لم تُكْتَشفْ من قبل ، و نعني بهذه الأداة مفهوم التشكيل الحر ، و يعني التشكيل الحر أن نعيد صياغة الصيغة النظرية التي قيس بها البحر على غير الصيغة الأصلية القياسية المشهورة في كتب العروض بشرط أن تكون الصيغة الجديدة مساوية للصيغة القديمة صوتيا أو لإحدى تشكيلاتها الممكنة الحادثة بدخول التغييرات الصوتية من زحافات و علل . فصيغة بحر المديد هي فاعلاتن فاعلن فاعلاتن لكنها يمكن أن تكون كذلك فاعلاتن فاعلاتن فعولن = ( فاعلاتن فاعلنفا عِلاتن) ، و إعادة التشكيل هذه بينت لنا أن بحر المديد موافق إذا أعدنا تشكيل صيغته لشرط نازك الملائكة أي تكرر تفعيلتين متجاورتين فصار حكمه حكم السريع و الوافر .

فاعلاتن فاعلاتن فعولن

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فعولن

فاعلاتن فعولن

و صيغة الخفيف التي هي فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن يمكن أن نعيد تشكيلها لتطويعها للشعر الحر  ، و لكننا نرى من الأسلم أن نعيد تشكيل الصيغة التي يطرأ على مستفعلن فيها تغيير لتصير متفعلن لتحقيق التشابه التام بين التفعيلتين المتجاورتين فتكون الصيغة الجديدة : فاعلاتان فاعلاتانُ فِعْلُن = ( فاعلاتُنْمُ تَفْعِلُنْفاعِ لاتُنْ) ، و يصير الخفيف في حكم السريع و الوافر و المديد

فاعلاتانُ فاعلاتانُ فِعْلُنْ

فاعلاتانُ فعْلُنْ

فاعلاتانُ فاعلاتانُ فاعلاتانُ فِعْلُنْ

و المنسرح يجري عليه ما يجري على الخفيف و المديد ، فيمكن أن نحول صيغته من : مستفعلنُ مَفْعُولاتُ مستفعِلُنْ إلى مسْتَفْعلانُنْ مُسْتفْعِلانُنْ فَعل و يكون التصرف في عدد مُسْتَفْعِلانُنْ

مُستفْعِلانُنْ مُستفْعِلاتُنْ فَعْلْ

مُستفْعِلاتُنْ فَعلْ

مُسْتَفْعِلاتُنْ مستفعِلاتُنْ مستفعلاتُنْ فَعلْ

و من البحور التي يمتنع عنها الشعر الحر بحسب نازك ما يجعله التشكيل الحر بحرا صافيا ، و هذا شأن مخلع البسيط : فصيغته مستَفْعِلُنْ فاعِلُنْ فعولن يمكن أن نعيد وزنها إلى مُسْتَفْعِلانُنْ مُتفعِلانُنْ أو مُتفْعِلانُنْ متفْعِلانُنْ قياسا على مُتفْعِلُنْ فاعِلُنْ فعولن ( متفْعِلُنْفا = متفْعِلانُنْ / عِلُنْفعولنْ = مُتَفْعِلانُنْ)  و هذا الأحوط.

متفْعِلانُنْ مُتفعلانُنْ

مُتفْعِلانُن مُتفْعِلانُنْ مُتفْعِلانُنْ

مُتفْعِلانُنْ

و البسيط يجعله التشكيل الحر بحرا صافيا أحادِيَّ التفعيلة مع طول مفرط في التفعيلة لا يضر بالموسيقى ، و لا يكون هذا مع الصيغة النظرية الأصلية بل مع الصيغة التي تتغير فيها فاعلن إلى فعِلُن وسط الشطر و آخره : مُستَفْعِلُن فَعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ . فيمكن إعادة تشكيلها لتُصْبِحَ : مُسْتَفْعِلاتُهُمُ مُسْتَفْعِلاتُهُمُ ، و مُستفعِلاتُهُمُ مساوية لمستفعِلُنْ فَعِلُن ، و نحن بتكرار الأولى لا نعدو أن نكون قد كررنا الثانية ، و سواء أعدنا تشكيل مستفْعِلُن أم لم نعد فهي عندنا بمثابة الوحدة الصوتية التي يمكن تكرارها ، و قد وعى السياب و درويش ذلك فنظما على البسيط شعرا حرا و لا مبرر لاعتراض نازك الملائكة على ذلك . و يوجد تشكيل حر آخر يمكن أن نطوع به بحر البسيط للشعر الحر بطريقة تجعله يشبه الوافر و السريع و المديد و الخفيف في ابتدائه بتفعيلات متشابهة قابلة للتعدد و اختتامه بتفعيلة مغايرة ثابتة ، فيمكن تحويل مستفعلن فاعلن مستفعلن فَعلُنْ إلى فَعْلانُ فعْلانُ فعْلانُنْ مُفاعلَتُنْ

(مستفْعِ= فعْلانُ / لُنْفاعِ = فعْلانُ / لُنْمُستفْ= فعْلانُنْ/ عِلُنْفَعِلُنْ= مُفاعَلَتُنْ) ، و يكون التصرف في عدد فعْلانُ غير المنونة بشرْطِ أن تبقى فعْلانُنْ المنونة التي تسبق مُفاعلتُن ثابتة ثباتَ مُفاعلَتُن نفسها :

فعْلانُ فعلانُ فعْلانُنْ مفاعلَتُنْ

فعلانُ فعلانُ فعلانُ فعلانُ فعْلانُنْ مُفاعلَتُنْ

فعلانُ فعلانُنْ مفاعلتُنْ.

و أكثر البحور التي ذكرنا أفردنا لها مقالات سابقة أثبتنا فيها إمكانية تحريرها مع الاستشهاد بقصائد نظمناها عليها مُحرّرةً ، فقد نشرنا في مجلة المتابع الثقافي العراقية مقالا عن تحرير الخفيف و مخلع البسيط و في مجلة المنار الثقافية الدولية مقالا عن تحرير المديد و المنسرح. و ها نحن نجعل هذا المقال مناسبة ليشمل تحريرنا البحور الباقية ، و هي الطويل و المقتضب و المجتث و المضارع. و لا نخفي عليكم أن التشكيل الحر لم يسعفنا في أن نجد لبعض هذه البحور صيغة ملائمة تجعلها صالحة للشعر الحر ، و هذا لا يعني أن تحريرها مستحيل ، فمع عجز التشكيل الحر أسعفتنا بعون الله آلية القياس الصحيح ، فقسنا هذه البحور على بحور حررناها تتشابه معها في الحكم الموسيقي. و سنؤجل الحديث عن هذه البحور بادئينَ بما نجح التشكيل الحر في تشكيله لينظم عليه شعر حر . و نبدأ يبحر المقتضب ، و قد شكلنا صيغته التي يشيع استعمالها و هي مفْعِلاتُ مفْتَعِلُنْ و حولناها إلى فِعْلُ فِعْلُ فِعْلُ فَعَلْ ( مفْعُ= فِعْلُ/لاتُ =فِعْلُ/مُفْتَ= فِعْلُ / عِلُنْ = فَعَلْ) فتتكرر فِعْلُ و تبقى فَعَلْ ثابتةً.

فِعْلُ فِعْلُ فِعْلُ فَعَلْ

فِعْلُ فِعْلُ فِعْلُ فِعْلُ فِعْلُ فِعْلُ فَعَلْ

فِعْلُ فَعلْ.

و قد جربنا نظم مقطع شعري على المقتضب الحر :

زوْرئينُ نورَئينُ ذان تُدعْىَ بِهِمَا

و الذينَ أرخصوكَ ما رأوا و ما شهدوا

يَوْمَ كَشْفِ ما رأيتَ يُصعقونَ مِنْهُ ذاكَ يوم هذْيِ ألْسُنِهِمْ

يشهدون جِنّةً تُرَوِّعُهُمْ

ذاكَ يوْمُ راءٍ ارتقى و حينَ ما أراهُم رؤاهُ ضاقَ بِهِمْ

رُعْبُ ما يَرَون يوم جِنّةٍ الكوْنِ لهُ قَبْلُ بدا

و هو لَيْسَ يوحِشُه

يضحكون منهُ إذ يريدُ أن يريهمِ مرَائيَهُ

و هو يَوم يفرقونَ مُبْتَسِمٌ

يا ابن زَوْرَةٍ أُريتَ غَيْبَتها 

ما رأيتَ غَيْرُ ما يَرَوْنَ ذاكَ نورُ مرقَى أَرَقٍ

إنّ مُرتقاكَ بَحْرُ أنْوُرٍ علَيْهِ أَطيافُ زُبى 

إن دَنِسْتَ فوق أرضكِ التي بها أثِمْت ينسكِبْ علَيْكَ كُلاّ غُسُلا

مَغسَلٌ هيِ السماءُ للذي أصابَ تَحْتَها صنيعا دَنَسا

ذاكَ فيه سَبْحُ مهْدِكَ الذي شاقَكَ و ارْتَحْتَ لهُ

سبْحَةٌ مع النجوم حَوْلَ بدْرَةٍ مُضيئةٍ بدَرَتْ

جوْقةٌ رَنَمْتَ في خِيارِها للنورِ لَيْلاً رَنَما

شجرًا شهِدت عِندما رقَيتَ و الثِمارُ فيه حُلًى

دانيِةٌ.

لكن يجب الانتباه و نحن نحرر المقتضب إلى أنّ التصرف في عدد فِعْلُ لا يكون مطلقا بل يكون مُقيَّدا ، إذ يحسنُ أن يكون عدد فِعْلُ التي قبل فَعَلْ عددا فرديا لأنّ جعله زوجيا قد يذهب بهوية البحر صوتيا و يكسر تشكيله الأصلي كسرا لا يمكن السامع من التعرف عليه . و سبب ذلك في تقديرنا أن فِعْلُ الناتجة عن التشكيل الحر منبثقة عن مفعلاتُ و مفْتَعِلُن معا فأنتجت لنا مفعلاتُ تفعيلتين منها ( مفعلاتُ = فِعْلُ فِعْلُ ) و أنتجت لنا مفتعلن واحدة مع فَعلْ( مفتعِلُنْ = فِعْلُ فَعَلْ ) فكان مجموع فِعْلُ ثلاث تفعيلات أي عددا فرديا و اعتماد عدد زوجي سيلغي فِعْلُ الناتجة عن مُفْتَعِلُنْ و سيمحو نصف التفعيلة تقريبا و محوها يحرف البحر صوتيا فتصير الصيغة بتزويج العدد كما يلي :

فِعلُ فِعلُ فِعلُ فِعْلُ فَعَلْ و هي تعادل فاعلاتن فاعلن فَعِلُن و هي صيغة من صيغ المديد. و من صعب عليه هذا فليصرف النظر عن التشكيل الحر و ليكتفِ بتكرار مفْعِلاتُ و التصرف في عددها و تثبيت مفتعِلُنْ فهذا يختصر أمامه الطريق . ذلك أننا بتحريرنا المقتضب بالتشكيل الحر و اشتراطنا أن تكون فِعْلُ على عدد فردي لم نعْدُ أن طالبنا بتكرير مفعلاتُ و تثبيت مفتعلن و لكن بطريقة أكثر تعقيدا لأن زوْجيْ فِعْلُ يشكلان كما أسلفنا مفعِلاتُ و تبقى فِعْلُ التابعة لمفتَعِلُن ثابتة ليكون العدد فرديا فكأننا نكرر مفعلاتُ و نحافظ على مفتعلن.

مفعلات مفعلات مفتعلن

مفعلات مفعلات مفعلات مفتعلن

مفعلات مفتعلن.

و وجدنا هذا الأمر ينطبق على بحر المديد بعد أن حررناه ، فحين حولنا فاعلاتن فاعلن فاعلاتن إلى فاعلاتن فاعلاتن فعولن و رحنا نتصرف في عدد فاعلاتن ، وجدنا أنه لو لم نعد تشكيل صيغة البحر و اكتفينا بالتصرف في عدد فاعلاتن الأولى التي قبل فاعلُن في الصيغة الأصلية و ثبتنا فاعلن فاعلاتن حصلنا على المديد الحر دون أن نكلف أنفسنا إعادة تشكيله و لكننا شكلناه لتحقيق ما اشترطته نازك الملائكة :

فاعلاتن فاعلاتن فعولن = فاعلاتن فاعلن فاعلاتن

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فعولن = فاعلاتن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن

فاعلاتن فعولن = فاعلن فاعلاتن.

و ينطبق هذا على بحر المضارع الذي يمكن أن نشكل إحدى صيغه التي هي مفاعلُنْ فاعِلاتُنْ لتصير فَعَلْ فَعَلْ فاعِلاتُنْ ( مفا= فَعَلْ/ عِلُنْ= فعَلْ / فاعِلاتُنْ)  ، و يمتنع في التصرف في عدد فَعَلْ أن نجعل عددها فرديا و يجب أن يكون العدد زوجيا لأنّ زوْجَ فَعَلْ فَعلْ يساوي مفاعلن فحصلنا عليهما بقسمتها نِصْفَين ، و نحنُ بالتصرف في عدد فَعَل مع مراعاة أن نجعله زوجيا كأننا نكرر مفاعلن و نحافظ على فاعلاتن ثابتة :

فعل فَعل فاعلاتن = مفاعلن فاعلاتن

فعل فعل فعل فعل فعل فعل فاعلاتن = مفاعلن مفاعلن مفاعلن فاعلاتن

فعل فعل فعل فعل فاعلاتن = مفاعلن مفاعلن فاعلاتن.

و قد يقال لنا لم لا تختصر الطريق و تدعو إلى التصرف في عدد مفاعلن مباشرة دون اللجوء إلى التشكيل الحر،  فنجيب بأننا بذلك نهدف إلى بيان استجابة تركيبة البحر للشرط الذي اشترطته نازك. و هو ما لم يتسنّ لنا في بحري المجتث و الطويل فاخترنا أن نحررهما بالقياس على ما يشبههما في التركيبة . فبحر المجتث رغم أننا وجدنا له صيغة تجعله صالحا للشعر الحر عبر التشكيل الحر ، لم نر هذه الصيغة إلا مفسدة لموسيقى البحر و ذاهبة بهويته الصوتية ، فحولنا مستفعلن فاعلاتن إلى فعلانُ فعلانُ فِعلنْ على أن يُتصرف في عدد فعْلان و تبقى فعلن ثابتة ثم لم نر الصيغة مناسبة فقسنا المجتث على المقتضب و المضارع اللذين يتكونان من تفعيلتين في الصيغة المستعملة تختلف الواحدة منهما عن الأخرى ، و وجدنا أن تحريرهما بالتشكيل الحر لا يعدو بنا أن نكرر التفعيلة الأولى منهما بطريقة غير مباشرة. و بقياس المجتث عليهما يمكن أن نكرر تفعيلته الأولى و نتصرف في عددها مع تثبيت الثانية :

مستفعلن فاعلاتن

مستفعلن مستفعلن مستفعلن فاعلاتن

مستفعلن مستفعلن فاعلاتن

و لا يفسد هذا الموسيقى و لا يذهب بهوية البحر . و لم يبق لنا إلا الطويل الذي نقيسه على البسيط لأن توزيع التفعيلات فيهما متشابه ، و إذا صلح أن نعتبر مستفعلن فعلن في حكم التفعيلة الواحدة فيصلح أن نعتبر فعولن مفاعيلن وحدة صوتية . و لم نعامل الطويل هذه المعاملة إلا بعد أن قلبناه و حاولنا تشكيله تشكيلات تقربه من الشعر الحر ، و اهتدينا إلى تشكيل و لكننا تعاملنا مع بحذر ، فقد حولنا فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن إلى فعولن فعولن فاعلن متفاعلن ، و حاولنا التصرف في عدد فعولن مع التشديد على أن يبقى زوجيا حتى لا تفسد موسيقى البحر و تثبيت فاعلن متفاعلن.

هكذا نتبين أن تجربة الشعر الحر غير مقتصرة على بحور دون غيرها بل يمكن أن تشمل البحور كلها على اختلاف تركيباتها و صيغها.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading