هاجس الهُوية في أدب غسان كنفاني: جدلية الاسم والمنفى والمعنى – د.غدير حميدان الزبون – فلسطين

عندما يُذكر غسان كنفاني يتبادر إلى الذهن اسمٌ ارتبط بالرصاصة والكلمة معًا، غير أنّ سرّ حضوره المتجدّد يكمن في سؤالٍ أعمق من الحدث وأبقى من اللحظة إنه سؤال الهوية.
ذلك السؤال الذي لا يكتفي بتعريف الإنسان، إنما يختبر قدرته على أن يبقى نفسه في عالمٍ يسعى إلى إعادة صياغته قسرًا.
فهاجس الهوية في أدب كنفاني يطرق مسامع البنية العميقة التي تتحرّك داخلها الشخصيات، وتتشكّل عبرها المصائر.
ففي نصوصه يغدو الاسم ساحة صراع، والذاكرة فعل مقاومة، والانتماء قرارًا أخلاقيًا يتطلّب وعيًا وشجاعة، فكلّ شخصية تحمل سؤالها الخاص:
من أنا في لحظة الفقد؟
وماذا يبقى مني إذا تغيّر المكان؟
وهل يكفي أن أحنّ إلى الأرض كي أستعيدها معنىً وحضورًا؟
تكمن جاذبية هذا العنوان في أنّه يفتح بابًا مزدوجًا: باب القراءة الأدبية التي تتتبّع البناء الفني والدلالي، وباب التأمل الفكري الذي يدعو القارئ إلى مراجعة تصوّره عن الهوية ذاتها.
فهل الهوية قدرٌ يولد معنا، أم مشروع يُبنى عبر الاختيار؟
وهل تتجذّر الهوية في الدم، أم في الموقف؟
وكيف يمكن للنصّ الأدبي أن يتحوّل إلى مساحة يعاد فيها تشكيل الوعي الجمعي؟
إنّ الاقتراب من هاجس الهوية في أدب كنفاني يعني الدخول إلى منطقة توتّرٍ خصبة تتقاطع فيها الأسئلة الوجودية مع الوقائع التاريخية، وتتجاور فيها الحكاية الخاصة مع المصير الجماعي. هنا تكون القراءة مشاركة في اختبارٍ فكريّ يضع القارئ أمام مرآته بأسئلة أخرى:
فأيّ هوية يصنعها في صمته؟
وأيّ معنى يمنحه لاسمه في زمن التحوّلات؟
من هذا الأفق ينطلق هذا المقال سعيًا إلى تفكيك البنية الجمالية والفكرية التي جعلت من الهوية محورًا نابضًا في أدب كنفاني، وإلى كشف الكيفية التي تحوّل فيها السرد إلى فعل مساءلة يحفّز العقل ويوقظ الحسّ، ويترك في الوعي أثرًا يتجاوز حدود النص.
يُقرأ أدب غسان كنفاني اشتغالًا عميقًا على سؤال الهوية، ذلك السؤال الذي يتجاوز الجغرافيا إلى الكينونة ذاتها. فالهوية في نصوصه معطى قلق يتشكّل تحت الضغط، ويتحوّل مع التحوّلات التاريخية.
إنّها توتّر دائم بين الفقد والاستعادة، والذاكرة والاختيار، والانتماء حقًا والانتماء مسؤولية.
تشكّلت بعد النكبة صورة الفلسطيني في خطاب العالم رقمًا في سجلات الإغاثة، وصورةً في نشرات الأخبار، وقد أعاد كنفاني تفكيك هذه الصورة من الداخل، وصاغ الذات الفلسطينية بوعي نقدي حاد، فكتب الشخصية الفلسطينية ذاتًا مأزومة تسائل نفسها كما تسائل العالم.
وهنا يتجلّى هاجس الهوية في بعده الوجودي سؤالا عن معنى أن يحمل الإنسان اسمه في سياق يهدّد هذا الاسم بالمحو.
في “رجال في الشمس” تتكثّف هذه الجدلية في مشهد الاختناق داخل خزّان الشاحنة، فالحدث بسيط في ظاهره، عميق في دلالاته، والموت نتيجة صمت طويل، والصمت صورة لعجزٍ تحوّل قدرًا.
أمّا السؤال الذي يختم الرواية فهو: “لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟” إذْ يتحوّل إلى مساءلة أخلاقية للذات الجمعية.
والهوية فعل، وحضور، وإرادة تعلن نفسها في وجه الخطر، فهذا الخزّان استعارة لمنفى داخلي، ولانتظار ممتد، ولحياة مؤجّلة.
ومن خلال هذا البناء السردي تتشكّل حجة واضحة مفادها أنّ الانتماء يحتاج قرارًا، والقرار يحتاج شجاعة.
وفي “عائد إلى حيفا” تبلغ المسألة مستوى أكثر تعقيدًا، فعودة سعيد وصفية إلى البيت تكشف عن صدمة مضاعفة بأنّ الابن الذي غاب صار يحمل اسمًا آخر وموقعًا آخر.
هنا يتفكّك التصوّر الساذج للهوية في رابطة دم خالصة، فالهوية وعي يتشكّل في سياق التربية والاختيار، وسؤال الانتماء يتحوّل إلى سؤال موقف بأنّ من يختار موقعه يحدّد تعريفه لذاته. ومن يغفل عن هذا الاختيار يتركه للآخرين. عبر هذا التوتّر يضع كنفاني القارئ في قلب المأزق، ويحوّل السرد إلى فضاء تفكير.
وفي “أم سعد” تتجسّد الهوية الشعبية في صورتها الأكثر رسوخًا، فامرأة من المخيّم تدرك بحدسها أنّ الكرامة شرط حياة، وتدفع ابنها إلى الفعل المقاوم، وتعيد صياغة معنى الأمومة.
فالفقد يتحوّل إلى طاقة معنى، والألم يكون عنصرًا في بناء الذات الجمعية. وتتجذّر الهوية في تفاصيل اليومي؛ في الخبز والماء والعمل، وفي الإصرار على البقاء حيًّا بالمعنى الكامل للحياة.
أمّا جماليًا تتّسم لغة كنفاني بكثافة واقتضاب، فلجملة مشحونة بالدلالة، والمشهد مبني على توتّر داخلي متصاعد دون إسراف في الزخرفة، ولا استسلام للخطابة، فكلّ كلمة ضرورة، وكلّ تفصيل يخدم البنية الفكرية للناس، فالسرد أداة كشف، ومختبر تُختبر فيه الأسئلة الكبرى تحت ضوء التجربة الإنسانية.
وتقوم حجاجيّة النص على الإرباك المنتج، فالقارئ يخرج من القراءة مثقلًا بالسؤال،ومعنيًا بإعادة النظر في مفهومه للانتماء، وتسقط الشخصيات عندما تتردّد، وتنهض عندما تعي موقعها.
بذلك يتحوّل الأدب إلى تجربة أخلاقية تحرّك الوعي؛ لأنّ الهوية مشروع مفتوح على الفعل، ومسار يحتاج مراجعة دائمة.
من خلال ما سبق نلاحظ أنّ كنفاني في نصوصه أدرك الخطر الذي يهدّد الهوية عبر السردية التي تعيد تعريف الضحية على أنّه فائض بشري؛ لذلك خاض معركته على مستوى الحكاية أيضًا، واستعاد الأسماء التي حاول الواقع طمسها، ومنحها حضورًا في اللغة والذاكرة، فتحوّل النص إلى مساحة مقاومة رمزية تتقاطع فيها الكلمة مع الفعل.
إنّ هاجس الهوية في أدبه يتجاوز السياق الفلسطيني إلى أفق إنساني أوسع يتمثّل في عدد من الأسئلة منها:
كيف يحافظ الإنسان على تعريفه لذاته في عالم يعيد صياغته قسرًا؟
وكيف يصون اسمه تحت ضغط المحو؟ عبر هذه الأسئلة يظل أدبه حيًا، ونابضًا بقلق الإنسان المعاصر.
في المحصّلة تبلور مشروع كنفاني في صياغة هوية واعية، تقاوم الذوبان، وتبني معناها عبر الموقف، فالمنفى تحوّل إلى مختبر وعي، والفقد تحوّل إلى أفق مساءلة.
ومن خلال هذا الاشتغال العميق غدا الأدب مساحة لاستعادة الاسم، ونداءً دائمًا إلى طرق جدران الصمت في كلّ زمن.
في أدب غسان كنفاني تغدو الهوية سؤالًا يمشي على قدمين، يتنفّس في الأزقّة الضيّقة، ويقف عند عتبة البيت المفقود، ويحدّق في وجه المنفى من دون أن يشيح بنظره.
فليست الهوية عنده ذكرى تُستعاد بالبكاء، ولا شعارًا يُرفع في لحظة حماسة؛ إنّها وعيٌ يُصاغ في النار، ويختبر صدقه في لحظة الاختيار.
لهذا بقيت نصوصه حيّة؛ لأنّها لم تُغلق السؤال، ولم تمنح القارئ طمأنينةً سهلة.
وكلّ رواية تترك أثرًا يشبه رجفةً خفيّة في الضمير، وتهمس بأنّ الاسم الذي نحمله مسؤولية، وأنّ الصمت قد يتحوّل قدرًا إن طال.
في عالم تتكاثر فيه السرديات التي تسعى إلى إعادة تعريف الإنسان وفق موازين القوّة ينهض أدب كنفاني شاهدًا على قدرة الكلمة على تثبيت المعنى في وجه العدم.
وهكذا لا تنتهي القراءة عند آخر سطر، فهي تبدأ منه، إذ يخرج القارئ مثقلًا بسؤال الهوية، ومتأمّلًا موقعه من تاريخه، ومن أرضه، ومن ذاته.
وتبقى الحكايات مفتوحة مثل نافذةٍ على ضوء بعيد تذكّرنا بأنّ الهوية فعل مستمر من الوعي، وأنّ من يجرؤ على طرق جدران صمته يمتلك القدرة على أن يكتب اسمه من جديد.





