Editor-in-Chief : Dr.Azher S Saleh


Almanar Cultural Journal

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سينما ومسرح

صرخة من أجل الحياة . . قمع الطفولة وقتل الكائنات الحميمة-عدنان حسين أحمد-لندن

طفل يجلس في صف دراسي وينظر بتركيز.

تستجير المخرجة الكوردية العراقية كاردينا هيمن في فيلمها الروائي القصير (صرخة من أجل الحياة) بالدلالة الرمزية هذه المرة. وهذه الصرخة الرمزية التي نجدها في العنوان قد يُطلقها الجرو الصغير الذي لم ينجُ من قاتل الكلاب (قالا) Qala الذي يتمترس خلف الموافقة الرسمية لقتل الكلاب الضالة والمُدجّنة التي يصادفها في الأزقّة والطرقات والمقابر والبيوت المهجورة. كما أنّ هذه الصرخة يمكن أن يُطلقها الطفل الصغير الذي لم يجتز سن التاسعة. لقد ارتأت المخرجة وكاتبة السيناريو كاردينا هيمن أن تسند لهذا الطفل له دور البطولة بعد أن شحنتهُ بمعطيات الشخصية المستديرة أو المركّبة إلى حدٍ ما. فهو يعاني من فقدان والده في وقت مبكّر وقد رأيناه غير مرة وهو يُقبّل صورته الفوتوغرافية تارة ويلثم شاهدة قبره تارة أخرى. كما يعالج الفيلم ثيمة الزيجة الثانية لأمه سواء أرادت هذه الزيجة أم اضطرت إليها اضطرارًا. فهذا الطفل الصغير الذي يعاني من الفقد وغياب الوالد يجد ضالته في الكلب الصغير ويقضي معه معظم أوقاته بعد عودته من المدرسة. وقد رأيناه إلى جواره في أثناء تناول وجبات الطعام أو في غرفة النوم الأمر الذي يستفز الزوج الذي لا يجد حرجًا في  التذمّر من سلوك الطفل وطرده من غرف المعيشة والنوم فيضطر الطفل لأن يحتضن كلبه وينام معه في فِناء الدار الخارجي أو وضعه في مكان آمن لكي لا تصل إليه نظرات قاتل الكلاب الذي يتجول في أزقة البلدة وشوارعها الضيقة.

لا يبدو (قالا) في هذا الفيلم قاتلًا للكلاب فقط بحجة أنها (قذرة وناقلة للأمراض) وإنما هو قاتل للعديد من الأشياء الجميلة والحميمة فهو ينطلق من منظور ديني مشوّه يدمغ الكلاب بالنجاسة، ومن زاوية اجتماعية لا تجد في تربية الكلاب متعة أو حاجة إنسانية حميمة كتلك التي نجدها عند أفراد الطبقة البرجوازية المُرفّهة التي تعتني بالكلاب عناية فائقة تتجاوز حدود الغسل والتجفيف إلى ارتداء الملابس وتضميخها بعطور غالية الثمن في بعض الأحايين.

يتحرك الطفل بين البيت والمدرسة وسوق البلدة الصغيرة التي يعيش فيها ويرى مَشاهد مُفجعة لكلاب مقتولة حفرت فيها رصاصات القاتل فتحاتٍ مروّعةً تقشعر لها الأبدان الأمر الذي يدفعه إلى الاحتراز والتحوّط من جولات (قالا) المفاجئة فهو لا يتورع عن إطلاق الرصاص إلى أي كلب صغير أو كبير، أنثى أو ذكر في كل مكان. ومنْ يُدقق في أداء الطفل سيجد أنَّ المخرجة قد درّبتهُ جيدًا وتعبت عليه كثيرًا حتى وصل إلى هذا المستوى المُعبِّر الذي يلفت الانتباه. فهو يُقطِّب حاجبيه كلما يرى (قالا) وتنفرج أساريره كلما غاب (عدّوهُ) وتوارى عن الأنظار. أمّا الاسترخاء الذي يظهر على ملامحه كلما شعر أن كلابه وجراءه في مأمن من المخاطر وعمليات الدهم المفاجئة.

على الرغم من قِصر مدة الفيلم التي تبلغ 10.50دقيقة إلّا أنه ينطوي على أحداث كثيرة من بينها زواج الأم للمرة الثانية بعد وفاة زوجها الأول، وتنقّل الطفل بين المدرسة، وشراء الخبز من سوق البلدة، والتلصص على (قالا) الذي يهدد بقتل الكلاب الضالة كلها، ثم إجراء عملية الختان مع صبي آخر في منزله الأمر الذي يعطينا فكرة مهمة على رغبة المخرجة في بناء عالِم حقيقي لا أثر فيه للتشويه أو الافتعال. لقد شاهد الطفل كلبًا كبيرًا مقتولًا بطريقة بشعة لكنه لم يتوقع أن يجد كلبه الصغير ممزق الأحشاء برصاصة يُطلقها إنسان ظالم لا رحمة في قلبه. وما إن ينتهي الصبي من عملية الختان حتى ينهض باكيًا لأنه سمع صوت إطلاق الرصاص وحينما يصل إلى باب المنزل يجد كلبه الوديع جثة هامدة فينخرط في بكاء حار تشاركه فيه أمه وهي تنشج على الاثنين معًا.

يلاحق النَفَس الرمزي سلوك الطفل وتصرفاته اليومية فهو لا يكتفي باحتضان الجرو، وإطعامه، والنوم معه طوال الليل وإنما بات يرسمه على الجدران ليقدّم لنا صورة بصرية لا تقل شأنًا عن الصورة السردية العميقة التي رسمتها السينارست ومخرجة الفيلم التي تعرف جيدًا كيف تلامس المشاعر الإنسانية وتستفزها في أقصى لحظات عنفها وتوتّرها الداخلي.

ينتهي الفيلم نهاية مدروسة تدلل على ذكاء المخرجة التي اصطادت حدثًا جميلًا ومعبرًا. فحينما يلتقي الطفل بقاتل الكلاب ويسأله إن رأى كلبًا ضالًا قد مرّ هنا يومئ برأسه نافيًا لوجود أي كلب. وحينما يغادر هذا الرجل القاسي القلب تنفرج أسارير الطفل وكأنه حقق نصرًا كبيرًا يستطيع المُشاهد أن يتلمسه في ملامح وجه الطفل الذي اختلطت فيه الضحكة والابتسامة والاسترخاء وهو يرى كلبة ترضع جرائها في مأمن من الخطر الذي يتربص بها وكأنّ ابتسامة الطفل تقول بأنه سيحظى بواحد من الجراء التي نجت من موت محقق تبرره عقلية المجتمع المتخلف الذي لا يؤمن بحقوق الحيوان لأنه لا يؤمن، إلى حد ما، بحقوق الإنسان.

لا شك في أنّ أداء الطفل كان مُتقنًا إلى حد كبير يكشف عن قدرة المخرجة في إدارة ممثليها، وأنّ الشخصيات الأخرى كالأم والزوج الثاني وقاتل الكلاب كانوا جميعًا على درجة كافية من الإقناع دفعت أعضاء لجنة التحكيم في الملتقى النسوي الأول أن يسندوا الجائزة الأولى لهذا الفيلم الذي يلامس شغاف مُشاهديه وهم يتعاطفون مع هذا (البطل الصغير) الذي يتوفر على مشاعر إنسانية عالية ومُرهفة تُوحي لنا بأنّ الحياة رغم قسوتها وفظاظتها تستحق أن تُعاش طالما فيها أطفال وأناس يمتلكون قلوبًا رقيقة ورحيمة ونابضة بالحياة. لا بدّ من الإشادة بالموسيقى المُعبِّرة والمؤثرة لزانا عبد اللاهي، والتصوير البارع لبريار بختيار والمونتير المتألق ميران عمر الذي شذّب هذا الفيلم وأنقذه من الزوائد التي يمكن أن تُثقل كاهله السردي والبصري في آنٍ معًا.

بقي أن نقول بأنّ المخرجة كاردينا هيمن قد أنجزت حتى الآن أربعة أفلام روائية قصيرة وهي (حياة) و (يد أمي) و (رائحة الدم) و (صرخة من أجل الحياة). كما شاركت في تمثيل عدد من الأفلام الروائية القصيرة والطويلة. ونالت العديد من الجوائز في المهرجانات المحلية والعربية والعالمية.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading