يدُ أمي . . سردية الوجع العراقي- عدنان حسين أحمد-لندن

يمكن القول باطمئنانٍ كبير أنَّ المخرجة العراقية كاردينا هيمن تعرف جيدًا كيف تنتقي ثيمات أفلامها وتؤثِّر في المتلقّين العضويّين الذين يتفاعلون مع أحداث الفيلم ورسائله الظاهرة أو المخبأة على حدٍ سواء. ومع أنَّ مُحبّي الفن السابع الذين شاهدوا أفلامها الروائية القصيرة الأربعة يعرفون سلفًا موضوعاتها الرئيسة التي تلامس المشاعر والأحاسيس الإنسانية المُرهفة إلّا أنَّ أفلامها تنطوي، في الأعمّ الأغلب، على موضوعات ثانوية متوارية لا تقلّ أهمية عن الثيمات الرئيسة المكشوفة فهي تستهدف كل ما هو حسّاس، وجارح، ولا مُفكَّر فيه، بل أنها تذهب في كثير من الأحيان إلى كشف المستور، وفضح المسكوت عنه بجرأة قلّما نجدها عند سواها من المخرجات العراقيات كما هو الحال في فيلم (حياة) الذي يتمحور على امرأة فقدت عقلها وتشردت في شوارع المدينة وأزقتها حتى أصبحت عُرضة للانتهاك الجسدي الذي أفضى إلى حَمْلها من شابين اعتديا عليها في وضح النهار وأنجبت مولودها الأول قبل أن تفارق الحياة. فثمة موضوعات وأفكار عديدة ترصد العلاقة العاطفية البريئة التي تعثّرت بسبب منظومة القيم الاجتماعية، ومساوئ الزواج الثاني، وتشرّد المرأة المجنونة التي فقدت رُشدها، وقسوة بعض الشباب الذين لا يتورعون عن القيام بالأعمال المُحرّمة دينيًا وأخلاقيًا.
أمّا فيلم (يدُ أمّي) الذي يشكِّل فيه الأطفال بطولة جماعية رغم أنَّ (أحمد) هو بطل القصة السينمائية والشخصية التي تلتف حولها الأحداث منذ بداية الفيلم المُفجعة وحتى نهايته المأساوية الصادمة. فثيمة الفيلم لا تتحدث عن محنة (أحمد) فقط وإنما تتمحور على أقرانه كلهم ومن دون استثناء بدءًا من (حسن) الذي يبحث عن عظام أبيه لكي يواريها الثرى، مرورًا بـ (كاظم) الذي داس على لغم أو تعثرت قدمه بمصيدة مغفّلين أو انفجرت عليه قنبلة متوارية تحت الأنقاض. وانتهاءً ببقية الصبيان الذين يمتهنون هذه المهنة غير الشرعية التي يحاسب عليها القانون العراقي على الرغم من أنها المهنة الأسهل لهؤلاء الصبيان الذين اضطرتهم إليها قسوة الحياة وبشاعتها في ظل الحرب الوحشية التي شنّها تنظيم داعش الإرهابي على أجزاء واسعة من بلاد الرافدين.
ولو تأملنا التفاصيل الدقيقة لقصة هذا الفيلم الروائي القصير الذي تبلغ مدته 12.51 دقيقة لوجدناها تتمحور على (أحمد)؛ وهو صبي يبلغ من العمر 12 عامًا يقيم في مدينة الموصل ويعيش مع والده المُعاق في منزل تقوّض بعض أجزائه، ويعمل مع أقرانه لإعالة نفسه ووالده من خلال استخراج وجمع عظام الموتى الذين قتلهم الدواعش وطمرهم تحت الأنقاض حيث يقومون بتسليم العظام إلى شخص يضطرهم إلى العمل بشكل غير قانوني ثم يبيع العظام إلى منظمة تابعة لحقوق الإنسان مقابل مبالغ مادية مُجزية لا يُعطيهم منها إلّا النزر اليسير. وعلى الرغم من اضطرار (أحمد) إلى مزاولة هذا العمل غير القانوني إلّا أنها فرصة ثمينة قد لا تتكرر للعثور على رفات أمه وشقيقته زينب بغية دفنهما بطريقة تليق بهما غير أن هذه المحاولة تضع جميع المخالفين في قبضة العدالة وتعرّضهم إلى المساءلة القانونية.
لقد عثر (حسن) على عظام أبيه جميعها وسوف يدفنه غدًا الأمر الذي يفتح شهية (أحمد) على أسئلة عديدة تُذكِّره بالطريقة التي كانت الأم تعامله بها حتى يلتبس عليه الأمر فيسأل أمه إن كانت تحبه أكثر من زينب أم العكس هو الصحيح؟ وحينما لا يحصل على جواب شافٍ يقول بما يشبه اليقين الراسخ: (لهذا السبب أخذتِ زينب ولم تأخذينني).
يشتبك (أحمد) مع أحد الصبيان الذين سرقوا عظام أمه حسبما يعتقد ويفضي هذا الاشتباك إلى طرده من العمل. وحينما يفقد (أحمد) السيطرة على أعصابه ويسقط في دائرة الانفعال يطلب من (حسن) أن يعيد له(يد أمه) وإلّا فإنّ الله سوف يعمي عينيه.
لا شكّ في أنَّ اللمسة الاحترافية للمصور عمّار جمال قد منحت الفيلم عناصر قوة مُضافة جعلتهُ يشدُّ المتلقين ويأخذ بتلابيبهم طوال مدة الفيلم. كما لعب المونتير باباك غايم دورًا كبيرًا في تشذيب الفيلم من اللقطات والمَشاهد الفائضة عن الحاجة بحيث أبقى على كل ما هو ضروري ومنساب من دون ترهلات أو ثرثرة سردية وبصرية. الأمر ذاته ينسحب على موسيقى وداد يلدرم التي تساوقت مع الأحداث واندغمت مع نسيج النص السردي وتجلياته البصَرية. أمّا الأداء فقد كان مُقنعًا تمامًا ومستوفيًا لاشتراطاته الفنية التي تُشعر المتلقين بأنهم يشاهدون قصة حقيقية تجري أحداثها على أرض الواقع وليس مجموعة صبيان يمثلون في عمل سينمائي ينطوي على كثير من الشجاعة، والجرأة، ومحاولة فضح وانتهاك الموضوعات المسكوت عنها. شارك في تجسيد هذا الفيلم الذي أنتجهُ (معهد غوته) عدد من الشخصيات نذكر منهم مجد سليك جمعة، وعمرعدي، ومحمد العمر، وزياد طارق طه، ومثنى حبيب وهاردي حسن. شاركت المخرجة كاردينا هيمن بهذا الفيلم ضمن مسابقة الأفلام الروائية القصيرة في الدورة الأولى لمهرجان بغداد السينمائي وفاز فيلمها بجائزة السيناريو. بلغ رصيد كاردينا هيمن أربعة أفلام قصيرة وهي على التوالي: (صرخة من أجل الحياة)، ( حياة)، (يد أمي)، و (رائحة الدم). أمّا على صعيد التمثيل فقد شاركت في خمسة عشر فيلمًا قصيرًا، بالإضافة لمسلسل تلفازي وفيلم طويل، وقد نالت عددًا مهمًا من الجوائز من بينها جائزة أفضل ممثلة، وأفضل فيلم، وأفضل إخراج، وأفضل تصوير.





