هل الشقراوات فعلا يأكلن الأرز ليلا؟ إبراهيم توري

مِن أسبوع.. وهذا السؤال يعبث بأعصابي، يغيّر مزاجي، ويطاردني كظلّ ثقيل (وأقسم لم أكن أعلم أن سؤالا بهذه السذاجة يمكن أن يخلخل ثوابت الإنسان، ويهزّ وجدانه)
أنا جديد في كندا، أعيش في مونتريال منذ بضعة أشهر فحسب، ولا تكفّ الحياة هنا عن مفاجأتي كل يوم.. كأنْ أجد في طريقي إلى المسجد لصلاة العشاء، قبل ليلتين فقط، كيسا مليئا بالكتب (مزابل القوم هنا يا صاحبي تجد فيها ما لا يخطر لك على بال).. فأقرأَ العناوين، فإذا هي كلها تتحدث عن المسيح وعن المسيحية.. فيهمس لي صوت ملائكي أو شيطانيّ: حرام تأخذها معك للمسجد.. فأبيّت في نفسي عزما صادقا أن أزفّ هذا الغنيمة إلى بيتي عند العودة.. لكني حين عدت.. لم أجد الكيس.. ولا تسلْ عن حسرتي ليلتها..
أقيم مع صديق لي من نفس البلد في شقّة من عمارة حديثة وفخمة بعض الشيء (لا تظنّ أنّ في الأمر ثراء وبذخًا، هذه الشقة الفارهة ليست إلا حكاية أخرى، طريفة كقصتي هذه.. قدرٌ جميل، أو لنقل إنها دعوة أم، دعوة أم).. يسكنها العابرون أكثر من المقيمين، بسبب شقق الAirbnb المنتشرة فيها..
العمارة مجهّزة بنظام إنذار حريق حسّاس جدا.. يكاد يتفجّر بمجرّد نوايا الطبخ.. يصرخ لأبسط الأسباب.. يرى بخار الماء فيظنّه حريقا، ويشمّ رائحة الزيت فيطلق صفاراته كأنها نهاية العالم..
في أيامنا الأولى، كل محاولة طبخ كانت تنتهي بصافرة مدوية، وكأننا أشعلنا نار المجوس.. ثم تعلّمنا من الجيران طقوس “الطبخ الآمن”.. نفتح النوافذ قبل إشعال الموقد (قليلا فقط لأننا كنا في جحيم الشتاء الكندي)، ونشغّل المروحة التي تبتلع الروائح والأبخرة.. ونتعامل مع الموقد بهدوء..
لكن ما لا تعرفه يا صاحبي.. أنّ أحيانا.. كل ما يلزم لإشعال جرس الإنذار ، وإيقاظ العمارة من سباتها العميق، هو.. “أومليت”..
كانت ليلة هادئة، غامضة كما أحبّ، لطيفة بما يكفي.. خاليَ البال كنتُ.. أرتشف الوقت كما يُرتشف نبيذ معتّق، وأستمتع بفيلم “les deux papes” على Netflix (فيلم فيه من الطمأنينة ما يكفي لأن تنسى كل أسئلتك الوجودية).. ولم أكن أعلم أني على وشك أن أصبح بطلَ فيلم حقيقي من إنتاج القدر، سيظلّ يُعرض داخلي أسبوعا كاملا، وربما إلى آخر لحظة في حياتي !
فجأةً، دوّى الإنذار، كان مخيفا، كأنه نحيب الموتى.. يا لطيف، الصوت اللعين مجدّد.. كنّا قد نسيناه تماما ! لقد توّقف منذ مدّة (لأننا في الصيف والناس يفتحون نوافذهم) حتى حسبناه تقاعد..
هببنا جميعا إلى الخارج مذعورين وكأنّه القيامة فعلا.. في الرّواق، كان الدخان يتسلل كغيمة ثقيلة من الشقة المجاورة.. وهناك، أمام الباب، ظهرتْ هي، خائفة، قلقة، تلوّح لنا بيديها.. فتاة عشرينية أو ثلاثينية.. في الحقيقة لست أدري.. لأنّ الجميلات في الغرب لا يظهر عليهنّ الزّمن.. وكأنّه يمرّ من حولهنّ ولا يمسّهنّ.. وكم كانت دهشتي كبيرة حين قالت لي إحدى بروفسوراتي في الجامعة أنّ لديها ابنة تبلغ من العمر ثلاثا وثلاثين عاما.. أنا الذي كنت أظنّها بالكاد دخلتْ هي عقدَها الثالث!.. (وستكون دهشتك أكبر لو تبحث الآن في المحرّك عن عمر “شاكيرا” مثلا)..
لاحقا سأعرف أنها بيروفية، نازلة في الشقة المجاورة مؤقتا، ضيفة عابرة على العمارة والمدينة (وطبعا لابد أن أقول -للمهووسين بالتفاصيل- أنها شقراء، فاتنة، رقيقة، كانت في تلك اللحظة بالذات بملابس خفيفة تليق بليلة صيفية.. يعني كنتُ أمام “مارلين مونرو” تماما.. بلحمها وشحمها.. )
سرتُ أنا وصديقي نحوها، سألتُها بالإنجليزية: هل هي منك؟ (أعني “النار المزعومة”).. قالت: نعم.. I was about to make an omelet .. ثم بدأت تشرح لي بإنجليزية أمريكية جميله ما حدث، في الوقت الذي سارع فيه صديقي إلى فتح نوافذ شقّتها وتشغيل الشفّاط..
لاحقا سأعرف سرّ هذه الإنجليزية الوازنة (طبعا هي ليست لغتها الأولى، لأن الناس في بيرو يتكلّمون الإسبانية)، فقد أخبرتني أنها عاشت تسع سنوات في واشنطن (وأخبرتُها أني أيضا عشتُ في المغرب تسع سنوات، لا مقارنةً طبعا، لكنها صدفة من تلك التي لا تغيّر شيئا، ولا تهمّ أحدا سواي.. لكنّها تُقال..)
ولأن الجميلات كما قال محمد عبدالباري:
“حين يُكسرنَ ملاكان على .. وجع الأرض يلمّان الشظايا”
فقد قرّرت أن أكون أنا “الملكين” معا، في غياب صديقي المشغول بإصلاح الوضع.. حاولت تهدئتها، وإخبارها أنّ الأمر عادي جدا.. حدث مرارا وتكرارا في العمارة.. فبادرتني -وهي تلتقط أنفاسها- بسؤال فهمتُ فيما بعد أنه كان مصدر قلقها الكبير:
-هل سيأتي رجال الإطفاء؟
-غالبا نعم! لأن جرس الإنذار استمرّ لوقت طويل بعضَ الشيء..
-إذن سأدفع غرامة كبيرة..
-لا.. أبدا ! كيف؟
-في الحقيقة.. حدث مثل هذا لصديقة لي عندما كنتُ في النرويج، وعندما جاء رجال الإطفاء دفعتْ ألف دولار كغرامة..
-لا تقلقي يا آنسة.. هنا يأتون رجال الإطفاء فقط للاطمئنان أن كل شيء على ما يرام، صدّقيني لن تدفعي ولا سنتيم واحد !
-Really?
-Yeah, I’m telling you !
فارتاحت كثيرا لكلامي، وانفرج وجهها كمن عثر على ضوء في آخر النفق.. وفجأة.. وفي ذروة الصوت اللعين.. اندفعتْ لتعانقني عناقَ امتنان عفويّ (أي جنّة هذه البلاد التي يُردّ فيها الجميل بعناق دافئ).. فتحتْ ذراعيها.. و.. (هنا بالذّات.. اجتاحني.. في ثانية أو ثانيتين.. طوفان من الأسئلة: ما حكم العناق الطارئ من امرأة خائفة تبحث عن الأمان؟ كيف يجرؤ رجل سويّ أن يرفض حضناً معلّبا بالامتنان؟ ما معنى أن تضيّع حضناً قد لا يتكرر في العمر؟)
سأحتفظ بتفاصيل ما بعد ذلك لنفسي.. ليس لأن ما حدث سرّ خطير، لكن لأن بعض القصص تكون أجمل حين تبقى نصف مفتوحة،.. كل ما أعرفه أني تذكرت وقتها جملة كنت قد قرأتها للروائي السنغالي الكبير Mohamed Mbougar Sarr في روايته العظيمة المعروفة: “المرأة قد تسامح من يتعجّل الفرصة… لكنها لا تسامح أبداً من يفوّتها”..
فيما بعد.. جاء رجال الإطفاء، وأطفأوا العويل.. وهدّأوا الفتاة، ولم يطالبوا بغرامة، وعاد الناس إلى شققهم.. أردنا أن نعود أنا وصديقي كذلك، لكن بعد أن نودّع جارتنا البيروفية بما يليق بجمالها..
وهنا وقع شيء غريب لم أجد له تفسيرًا حتى اليوم: صديقي، الذي كان بالأمس القريب لا يفرّق بين “how are you” و “thank you”، صار فجأة يتكلّم الإنجليزية بطلاقة.. (طبعا ذكروا للحب معجزات عظيمة، لكن هذه اعظم منهن جميعا بلا شك).. راح يتصدّر المشهد.. في ظلّ صمت مطبق مني.. وكأنه البطل الرئيسي في الفيلم، بينما تحوّلت أنا.. الذي أنقذتُ الموقف.. إلى مجرد كومبارس حزين يراقب الضوء والظلال من خلف الكواليس..
ولأن المعجزات لا تخلد أبدا (اللهم إلا الكتاب العزيز).. سينطفئ وهجُ صديقي.. وتظهر لكنتُه، وينقطع الحديث.. ودّعنا الفتاة.. لكنها لم تودّ أن تكون هذه هي اللحظة الأخيرة من الفيلم.. اقترحتْ أن نحتفل جميعا بهذه “النجاة البطولية” بفطور جماعي في الصباح الموالي.. شريطة أن نتكلّف نحن بمهام الطبخ، وهي بالمصاريف..
وهنا.. ظهرت معجزة أخرى.. صديقي الذي كان يشاورني كل يوم في أبسط أمور الطبخ.. تحوّل فجأة إلى Chef Burak.. وقال بكل ثقة: “أنا سأتكفل بكل شيء”.. قلت أنا: “خلاص اذن”.. مكتفيا بابتسامة يائسة حزينة.. فقد فهمت من ذلك أن بطولتي الليلة قد سُرِقت بحرفية كبيرة..
دخلنا شقتنا، حاولت أن أشغّل جهازي لأغرق في عالم الفنّ السابع من جديد.. لكن صديقي والبيروفية لم يتركا لي أية فرصة للهدوء.. (أضاعاني وأيَّ فتى أضاعا).. قلت في نفسي: لابد من خطّة مضادة.. وهنا لمعت في خاطري فكرة ذهبية.. كنت قد طبختُ في الظهيرة أرزا ودجاج، وقد بقي منه شيء طيّب في الثلاجة.. والفتاة على ما يبدو كانت تعدّ عشاء لم يكتمل.. فلماذا لا أقدّم لها هذا الطبق؟، وأسجل بذلك هدفا حاسما في مرمى صديقي، وأعيد ترتيب الموازين لصالحي.. ولقلبي !
بدت لي الفكرة برّاقة فعلا.. فقرّرتُ المضيَّ فيها.. في البداية.. فكرت أن أذهب لوحدي.. لكن تذكّرتُ أن خروجي في هذا الوقت المتأخّر قد يثير الريبة، وقد يظنّ صديقي بي الظنون.. فقلت في نفسي: دعني أخبره.. وهكذا فعلت.. قلت له: جارتنا المسكينة ربما تكون جائعة الآن، لأن عشائها لم يكتمل، وأنا فكّرت أن أعطيها هذا الطّبق الذي لسنا بحاجة إليه الآن… ما رأيك؟ أليس هذا إنسانيا ونبيلا؟
لكن صديقي قال كلاما غريبا أربكني تماما.. لا أدري من أين استوحاه.. وهو مصدر كلما أكابده هذه الأيام: (الشقراوات لا يأكلن الأرز ليلا ) تظاهرتُ بالاقتناع، رغم الضحكة اليائسة التي تسللّت إلى القلب.. ولم أُرِد أن يظن أني مهتم بالبيروفية (في الحقيقة ليس بي أي اهتمام بها.. ألا ترون ذلك ايضا)
نمنا.. ومضى الليل.. ثم أتى الصباح.. صباح اليوم الموعود.. طبعا لم أستيقظ في الوقت المحدد، العاشرة، لحضور الحفلة (من يحضر حفل تأبينه).. كان كل شيء محسوما لصالح صديقي.. لكن ما لم أتوقّعه، أنّ قطعة من “حياتي الخاصة” ستصل إلى الحفل نيابة عني… اللعنة! لقد أخذ علبة الNutella الخاصة بي.. وذهب بها إلى ذلك الفطور الاحتفالي.. بحثتُ عنه في كل زواية في المطبخ، وأنا أعد فطوري البائس.. خبز وفنجان قهوة ليس إلا… لكن صديقي، أبى إلا أن يجعل يومي كابوسيا بكل المقاييس !
عاد بعد لحظات.. فيما كنت أرتشف قهوتي المرّة، وأقضم خبزي العاري من الشكولاته.. عاد ومعه مقلاة عليها آثار البيض، والعلبة المسروقة، وبعض الكرواسان.. سلّم عليّ بحماس كبير لم أستطع مجاراته فيه، وأطلق ضحكة لا أدري هل هي صفراء أو حمراء، وقال لي بكل برود: “fils, coacher na boy bi” (طبعا هذه الجملة تكاد تخلو من كلمة ولوفية، لكن يجب أن تتقن هذه اللغة لتدرك أنها إعلان نصر غير قابل للاستئناف)
لقد انتصر الوغد الصديق، أو الصديق الوغد.. لقد كسب قلب البيروفية.. وأضفتُ أنا خسارة جديدة في سلسلة خساراتي الطويلة معهنّ..
فيما بعد صار دليلا سياحيا للشقراء.. هو الذي لم يعرف من مونتريال إلا شتاءها المتعب، وبضعة شوراع (معجزة أخرى أليس كذلك).. وصار يخرج معها في كل يوم من تلك الأيام القليلة التي قضتها البيروفية في بنايتنا.. ويعود أحيانا محمّلا بهدايا ليست إلا غنائم معركة خاضها باسمي… وتركني غارقًا في سؤال واحد ظلّ يطاردني كل ليلة: كيف كانت ستؤول الحكاية.. لو لم أصدّق كلامَه، وقدّمتُ لها حقًا ذلك الطبق اللعين من الأرز؟





