هذه الغيمة السوداء سوف تمرّ – جمانة حداد
هذا ما أقوله لنفسي عندما أفتح عينيّ كل صباح، هذا ما أقوله لنفسي عندما أخلد الى النوم كل مساء.
هذه الغيمة السوداء سوف تمرّ. نعم، لا بدّ أن تمرّ، هذه الغيمة التي تلقي بعتمتها على بقعتنا من العالم منذ عقود. هي كانت موجودة عندما أبصرتُ النور. كانت موجودة أيضاً أثناء طفولتي، ثم في المراهقة، فسنوات الشباب، وما بعد سنوات الشباب، ولمّا تزل موجودة حتى اليوم. كنت كلّما رفعت رأسي لأتنهد أو لأهرب أو لأحلم، رأيتها. كنتُ كلّما لاحقتُ عصفوراً طار من يدي، حملتني نظراتي إليها. في البدء ظننتُها هي السماء. ثم عندما فهمتُ صرتُ أخافها. صرتُ أتخايلها تنزل من عليائها لتلفّني وتبتلعني أنا ومن أحبّ. لكني شيئاً فشيئاً اعتدتُ مشهدها المهدّد مثلما يعتاد القلب الخائب طعم الحزن. أخبرتني أمّي أنها موقتة، وأنها سوف تتلاشى في أحد الأيام، فعلّمتُ نفسي أن أصدّق ذلك.
هذه الغيمة السوداء سوف تمرّ؛ يجب أن تمرّ، هذه الغيمة الشريرة، الخبيثة، الداهية، التي تتخذ تارة شكل حرب، وطوراً شكل انفجار أو اغتيال أو إبادة أو تهجير أو زعيم فاسد أو أزمة اقتصادية، لا يمكن أن تظل مخيّمة على منطقتنا الى الأبد. لا بدّ أن تنتقل الى فضاءات أخرى في مستقبل ما: ينبغي لنا أن نؤمن بذلك، كي نظل نعيش، ونحبّ، ونغنّي، وننجب، ونقول “غداً”. نعم ستنتقل الى فضاءات الظالمين، والمستبدين، والجشعين، والحاقدين، والقاتلين، والسارقين. كيف لا وهؤلاء يستحقونها أكثر منّا؟ كيف لا وجورها يشبه جورهم، وسوادها من صلب سوادهم؟ كيف لا، أخيراً وخصوصاً، وقد أنهكتنا، واستنزفتنا، وسحقتنا ألف مرّة ومرّة، وكل مرّة نقول: هذه آخر مرّة؟
هذه الغيمة السوداء، اللعينة، الطاغية، التي تخيّم علينا، ترى هل تمرّ يوماً؟






