نحن أبناء السيناريو الإلهي – هشام فرجي

نعيش في هذه الدنيا حيواتٍ متعددة بتعدد فصولها؛ فتبدأ حكايات، وتنتهي قبلها أخرى، ثم لا يلبث الزمن أن يفتح أمامنا مشاهد جديدة، كأن الوجود كله مسرح عظيم تُرفع ستائره بلا استئذان، وتُسدل دون إنذار، ونحن نمضي داخله ممثلين لا نملك النصّ، ولا نختار توقيت الدخول، ولا نعرف ساعة الخروج، ومع ذلك نؤدي أدوارنا كاملة، بين الدهشة والصمت، وبين الرجاء والانكسار.
وليست الحياة تراكمًا عشوائيًا للوقائع، ولا حشدًا أعمى من المصادفات، وإنما هي في جوهرها العميق سيناريو الخالق الأعظم؛ نصّ محكم البناء، بالغ الدقة، شديد الانضباط. فما نراه اضطرابًا هو انتظام من مستوى أعلى، وما نسمّيه ظلمًا هو عدل مؤجَّل الفهم، وما نحسبه خسارة قد يكون أول سطر في ترتيب جديد للأشياء.
فليس الألم خللًا في هذا النظام، بل أداته الكبرى. وليس الفقد صدفة قاسية، فهو انتقال ضروري. وليس الخذلان سقوطًا، بل إعادة توجيه للروح. ففي أفران التجربة تُصاغ الأرواح، لا في قاعات الراحة، وفي لهيب المحنة تتكوَّن المعادن النفيسة للإنسان.
ومن هنا لا يكون الامتثال للقدر خضوعًا أعمى، وإنما هووعي راقي بمعنى الوجود. وليس التسليم لما كُتب استسلامًا، فهو مصالحة مع حكمة تتجاوز إدراكنا اللحظي. وأن تمشي في الطريق دون استياء، وأن تحتمل الأقدار دون امتعاض، هو أعلى درجات الحرية؛ أن يتحرَّر القلب من صراعه مع ما لا يمكن تغييره.
وحين يبلغ الإنسان هذه المرتبة من البصيرة، يدرك أن ما جرى كان ينبغي أن يجري، وأن ما تأخَّر لم يحن وقته بعد، وأن ما انكسر لم ينكسر إلا ليُعاد بناؤه في صورة أصدق. عندها يسكن القلب، وتخفّ ثقل الأسئلة، ويهدأ الاضطراب الداخلي، لأن الروح صارت ترى المشهد من شرفة أعلى من الألم والخوف والرغبة.
وهكذا نمضي في هذه الحياة لأننا فهمنا أخيرًا أن الوجود مسار متكامل، وأن الخالق حين قدَّر لم يُقدِّر عبثًا، وحين كتب لم يكتب إلا لحكمة أعظم من أعيننا. نحن أبناء هذه القصة الكبرى، وأجمل ما فيها أن نعيشها بقلوب مطمئنة… حتى يُسدل الوجود ستاره الأخير.





