من يحسم الصراع لصالحه، يونيفيرس أم الوعي الإنساني؟
قراءة نقدية في رواية يونيفيرس لـــ “رضوى الأسود ” 🖋️ عبير سليمان

في روايتها “يونيفيرس”تدخلنا رضوى الأسود إلى عوالم مختلفة، بعضها ليس جديداً، لأن الفكرة قد تكون طرحت من قبل في روايات الديستوبيا، لكن المعالجة هنا جديدة ومميزة، حيث الزمان غير محدد، والمكان مجهول أيضاً، والبطل هنا ليس المكان بطبيعة الحال، بل أستطيع القول أن البطولة توزعت بين الأشخاص والمكان وأكثر من عدو خفي غير مرئي، فيروس كوفيد “أو كيوبيد كما أطلقت عليه البطلة” وأعداء آخرين يتخفون وراء أقنعة ولا يمكن رؤيتهم إلا من خلال تأثيرهم على البشرية على المدى البعيد.
الرواية أيضا تحكى عبر صوتين، صوت “ميريت بطلة الرواية، وصوت آخر لا يفصح عن هويته، وأجبرني على التساؤل طوال القراءة: من هو هذا الشخص الذي يعرف البطلة لهذه الدرجة من القرب والإلمام بتفاصيل حياتها الحافلة بالأحداث التي أحاطت بها وتفاعلت معها أو أحداث عاشتها هي بنفسها وذاقت منها الحلو والمر وأثرت في تكوينها وإدراكها للأمور بهذا النضج والوعي.
تفاجئنا الراوية ببداية غريبة ومخيفة، البطلة مشغولة كيف تدفن جثة زوجها المتوفي وحدها دون مساعدة من أحد”.
ثم تنطلق أحداث الرواية من هذه الافتتاحية الصادمة، لتحكي لنا الراوية حكايتها، كيف تربت، ومن هو حبيبها الأول، وما هو يونيفيرس “الكون، العالم”، وكيف تحاول من جانبها التصدي لنظرية المؤامرة، في محاولات شجاعة ودؤوبة لصنع تركيبات عشبية تعطي الإنسان مناعة ضد الفيروس، التي ترى هي وحدها وقليلون مثلها أنه محض خدعة وجزء من حرب كونية بين دول عظمى تحاول كل منها فرض سيطرتها على إرادة البشر في العالم كله، بدأت الحرب أولاً بالإعلام وتفننه في تغييب وعي البشر، تمهيدا منها لإخضاعه لإرادتها فيما بعد وإقناعه بأن العالم كله يواجه جائحة الوباء الخبيث ، وانتهاء بطائرات تلقي للمتضررين من الوباء وجبات طعام عبر طائرات إغاثة، يتضح فيما بعد أنها ملوثة وتزيد من عدد الوفيات، لتدفعنا رضوى مرة اخرى للتساؤل : “وفرضنا أننا كنا نتحلى بالوعي الكافي لهذه المؤامرة هل كانت الدول والحكومات الخاضعة ستتركنا لمخالفة القوانين العالمية الجديدة ؟
*****
شعرت أثناء قراءتي برغبة قوية لمطالعة رواية يوتوبيا لتوماس مور، التي قرأت عنها كثيراً لكن لم أقرؤها، وسألت نفسي:”هل الأحداث المأساوية التي تجري الآن عند جيراننا في فلسطين ومن قبلها في العراق وسوريا جزء أيضًا من المخطط الشيطاني الذي رسمته الدولة العظمى صانعة يونيفيرس لإخضاع المنطقة لقوانينها وسلب إرادتها ومحو تاريخها وحضارتها؟
البطلة هنا وبالتعاون مع حبيبها تحاول التصدي للحرب الجديدة ضد البشرية، وتعلن كراهيتها للتكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة ، وأصابتني معها أنا أيضاً عدوى كراهية هذه الأسلحة التي مزقت العلاقات الأسرية ، ووسعت الفجوة بين الآباء والأبناء ، وألغت لغة الحوار والود والمحبة والاحترام المتبادل، فتقول لنا وهي تصف مشاعرها :”الكارثة هنا في تعدد جبهات الحروب ، علمت بالمخطط الشيطاني من زوجي حاتم وعلمت أنها ليست بالطلقات والمدافع لكنها حرب بيولوجية، تطلق فيها الفيروسات القاتلة ، حرب العقول والعلماء والمختبرات وما يجري فيها من تجارب “.
وهنا تدهشنا ميريت بموقفها من زوجها عند مرضه، فتقرر تحدي الوباء بالحب ليقينها بأنه أقوى وسائل تقوية المناعة لدى البشر.
كنت أشعر قبل القراءة بأني مقبلة على عمل أدبي ثري وصعب إلى حد كبير، وصدق ظني، واعترف أني استمتعت بتفاصيل روتها البطلة بلغة عذبة ومرهفة الحس عن مشاعرها دون خجل ودون مبالغة أيضاً، وتفاعلت مع مشاعرها تجاه زوجها الأول “فريد”، ثم تأثرت معها وهي تحكي عن علاقتها بحاتم، ذهبت معها في رحلة الحنين للماضي ومع العلاقات التي أفتقدها أيضا بشدة مع جدتي مثل ميريت.
بحثت أيضا عن موضوعات لروايات تتناول فكرة الديستوبيا ووجدت أن من أهمها روايتي جورج أورويل 1984 ومزرعة الحيوان، ورواية آلة الزمن لهربرت جورج ويلز، وأتأكد مع كل قراءة لرواية من نوع “يونيفيرس” أنه هناك الكثير من المتع لم أفز بها بعد ومازلت أتطلع للمزيد.
ويبقى السؤال: “ترى إن حدث في واقعنا ظهور تطبيق مثل يونيفيرس كيف سنتعامل معه؟ وكيف أيضاً ستحسم المعارك والحروب الدائرة الآن، وكيف نستعد لمواجهة الأخطار القادمة المتربصة بنا؟
البطلة رغم مخاوفها يحدوها الأمل بأن التغيير سوف يأتي لا محالة من أفراد تعي حجم الخديعة. وتقول:”إنه ذات الأمل الذي يدفعني الآن للخروج من منزلي والحرص على نزهتي اليومية بين الأموات الأحياء”.
يظل السؤال معلقاً في النهاية: من سينتصر الخداع والكذب أم الصدق والفهم الصحيح لحجم الخديعة؟
أونيكس الأدبية





