متاهات السرد النفسية في ظل الفلسفة الوجودية والبحث عن الخلاص

القصة القصيرة “يوم واحد للحناء ” أنموذجا” للقاص نبيل حامد
عمرو العنتبلي*
كانت ضحكات طبيبه تنبؤه بالود .. كانت صافية ودافئة ..كان فيها قليلا من المجاملة التى يتبادلها الناس فيما بينهم .. فى نهاية جلسة العلاج نصحه بالاستمرار في تناول بعض المهدئات ..
كان مساء حين يخلد إلى وحدته يسبح فى بحار الحيرة .. كان يستحضر حكمة القدامى من المخلصين .. يتأملها .. كان راغبا رغبة المشبوقين والعشاق في الولوج إلى الطرف الموصل إلى طريق الخلاص .. كانت تتسع حيرته عندما تنفسح أمام ذهنه الطرق .. أى الطرق أسلك ؟ ليست كل الطرق واحدة ، يندفع كموج البحر حينما يلوح السراب _ طرق الآلهة تتقاطع مع طرق الشياطين ، وكلاهما محفوف بالعذاب والتناقض .. علامات الطريق خابية .. القناعة سبيل الخاوى .. الأيام سوداء كحل .. تذكر نصيحة صاحبه : الأيام السوداء فائدتها النوم .. إذن ما فائدة الأيام البيضاء ؟ لماذا ينام الرجل حينما تسوّد الأيام .. كيف الطريق إلى الخلاص من الخوف و فى داخل
المخلوق قرون استشعار .. إذن فلنصنع الأيام البيضاء والحمراء والخضراء _ يمكن صناعة أيام بطعم الفواكه فلتكن أياما برتقالية وأيام مشمشية وأيام تفاحية .. تكمن صعوبة عمل هذه الأيام الآن امتلاء وجه الأرض بالمدن .. لم يعد الحكماء هم أصحاب الكلمة .. أصبح صناع الأسلحة هم أصحاب الكلمة.. عطب الكلمات جحيم مفزع .. حضن الطبيعة لا يرحم إلا من يعرف دروبه وثناياه ، ومكان الدفء فيه .. صناع الأسلحة أفسدوا الكلمات وأشياء أخرى.. الكلمات الوردية تأتي من أيام الورد .. كلمات البارود تأتي من أيام البارود إلا إذا تعانقت أيام البارود مع أيام الورد ..
أين أيام الحناء إذن ؟ ما أجمل أن تكون الأيام حناوية .. أيام الحناء !! ولماذا تكون الحناء يوما واحدا في العمر ..؟ وينقضى باقى العمر دون أن يدرى ، يستطيع الإنسان الإمساك بأيامه إذا أراد فإذا لم يرد فالقناعة كنز لا يفنى ..كان متيقنا أن الملانخوليا تحف به .. لكنه لم يكن إلا قلقا أو حزينا .. كان مشتاقا للعودة إلى طرق الطفولة وأيامها .. ما أجمل أن تحتفظ بالطفل داخلك .
أعلن رغبته لأمه :
أريد أماه أن تكون أيامي كلها حناء .. قرصته ( يومها ) فى فخذه ، ونظرت إليه فى فرح _ أمسكت شعره الناعم .. كان وجهها يغنى أغنية فرحة كأنما تستعيد زمنا مضى فى يومها الأول مع أبيه ..
قالت له :
لا تبكى ابدا على اللى يفوت …
إفرح بما يأتى لا تفلت يومك
من ايديك بسهولة ..
كان كلامها غامضا .. لذا لم يصدق ..
العالم فيه مسلحون وأطفال .. المسلحون يطاردون الأطفال .. كما تلتهم أسراب الجراد الخضرة _ يلتهم صناع السلاح براءة الأطفال، ثم تأتى العناكب لتنسج الخيوط وتحوم الخفافيش وأسراب البوم ..
ارتجف ، نهض مسرعا وابتلع حبات الدواء .. ثم مضى إلى السرير .. لكنه لم ينم ..
*****************
العنوان كعتبة نصية ومدخل فلسفي للنص:-
يحمل العنوان “يوم واحد للحناء” دلالة رمزية قوية، فهو يستحضر عنصر الاحتفاء المؤقت الذي يرمز إلى الفرح العابر والسعادة المرهونة بظروف الحياة القاسية. فالحناء في الثقافة الشعبية ترتبط بالمناسبات السعيدة، إلا أن نبيل حامد يربطها بالزمن المحدود، مما يعكس حالة من الحنين والحسرة على الأيام الجميلة التي لا تدوم، مما يثير التناقض الأساسي في القصة بين الطفولة المشرقة والعالم القاتم الذي يعيشه البطل. تنتمي قصة “يوم واحد للحناء” إلى الأدب الذي يعكس الأزمة الوجودية للإنسان الحديث، حيث تتجلى في النص ثنائية الحلم والواقع، الطفولة والنضج، البراءة والتلوث، البحث عن الخلاص والاستسلام للقلق. تدور القصة حول شخصية مأزومة، تبحث في متاهات الحيرة عن أيام بيضاء وسعيدة، لكنها تصطدم بعالم يهيمن عليه العنف والدمار. أن نبيل حامد هنا لا يسرد حكاية عابرة، بل يقدم تأملًا عميقًا في جدوى الحياة، وطبيعة الزمن، وحدود الأمل الإنساني.
“يوم واحد للحناء” ليس مجرد عنوان، بل عتبة نصية مفتاحية تحمل مفارقة عميقة.
“يوم واحد”: يشير إلى الزمن المحدود، وكأن الفرح لا يُمنح للإنسان إلا على هيئة لحظة عابرة.
“الحناء”: رمز ثقافي متعدد الدلالات، فهو فرح، احتفاء، احتضان للهوية، طقس طفولي وشعبي، لكنه هنا يتحول إلى حلم بعيد المنال.
نجح نبيل حامد في أن يقيم عبر العنوان تقابلاً مأساويًا بين الرغبة في السعادة وبين حتمية الزمن الذي يجرفها بعيدًا.
جماليات البناء الفني للقصة
1- توظيف الشخصيات وأنواعها
الشخصيات في القصة تنقسم إلى نوعين رئيسيين:
الشخصية المحورية (البطل/السارد بضمير الغائب): يمثل إنسانًا مأزومًا، يعاني من التناقض بين الماضي الجميل والحاضر القاسي، ويعيش في دوامة القلق والبحث عن الخلاص.
البطل/السارد الغائب شخصية تنهشها القلق والتساؤلات الوجودية. يتأرجح بين عالمين:
الواقع القاسي: حيث العنف والسلاح والخوف. الماضي/الحنين: حيث الطفولة والأيام الملونة بالحناء. إن هذه الشخصية تعكس إنسانًا مثقلًا باللاجدوى، يحاول استعادة براءته لكن العالم يرفض ذلك.
الشخصيات الثانوية: تتمثل في الأم والطبيب، حيث تلعبان دورًا نفسيًا مؤثرًا في البطل الأم ليست مجرد شخصية ثانوية، بل ترمز إلى الحكمة الشعبية والارتباط بالجذور والماضي الدافئ كلماتها توحي بالحكمة، لكنها تحمل تلميحات غامضة تجعل البطل يشكك في صدقها. بينما الطبيب يعكس الواقع المليء بالمجاملات والسطحية. مثل الحداثة الميكانيكية، فهو يقدم “نصيحة علمية” للبطل، لكنها مغلفة بالمجاملة والبرود. إنها تجسد الطب كمؤسسة تعالج الجسد لكنها لا تلمس الروح.
2- الحوار الداخلي والخارجي
الحوار الداخلي (المونولوج النفسي) صراع الذهن والواقع هو العنصر الأكثر هيمنة في القصة، حيث يغوص البطل في أسئلة وجودية عميقة، متأرجحًا بين الحلم والواقع، الماضي والحاضر، الطفولة والرشد، مما يبرز حالة القلق والاضطراب النفسي لديه.
الحوار الخارجي محدود لكنه محوري، إذ أن حديث البطل مع أمه يمثل نقطة تصادم بين الواقع والحلم. وهنا، يتجلى صراع الفلسفة الشعبية مع القلق الوجودي الحديث:
الأم تقدم حكمتها البسيطة “لا تبكِ على الذي يفوت”. لكن البطل يعجز عن تصديق هذه البساطة في عالم تحكمه الأسلحة والموت والدمار. كما أن حديثه مع أمه الذي يعكس اختلاف الأجيال في تفسير الواقع، فبينما تحاول الأم تبسيط الأمور، يظل البطل غارقًا في تعقيداته الفكرية.
استخدام ضمير الغائب: اختيار ضمير الغائب يمنح القصة بعدًا سرديًا دراميًا، حيث يبدو السارد كأنه يراقب بطلًا منفصلًا عنه، مما يعزز الإحساس بالعزلة والاغتراب. كما أن هذا الضمير يمنح النص حيادية ظاهرية، لكنه في العمق يكشف عن مأساة فردية تعبر عن أزمة عامة. تقنيات العزلة والمراقبة الداخلية اعتماد نبيل حامد على ضمير الغائب يعكس شعور البطل بالانفصال عن ذاته. إنه مراقب لحياته وكأنه غريب عن نفسه، وهذه التقنية تخدم فكرة القلق الوجودي حيث يتأمل الإنسان حياته وكأنه يشاهدها من الخارج دون قدرة على التدخل الفعلي.
نمط الانتصار والمواجهة: القصة لا تقدم انتصارًا بالمعنى التقليدي، بل هي مواجهة داخلية مستمرة بين الأمل واليأس. فالبطل يطمح إلى أيام “حنائية” مليئة بالفرح، لكنه يصطدم بواقع مسلح يلتهم الطفولة، مما يجعله ينهزم مؤقتًا أمام الألم لكنه يظل مقاومًا بالفكر والحنين.
جماليات التوظيف الدلالي والأسلوبي والدرامي
سينمائية السرد والمشهدية يعتمد نبيل حامد على السرد المشهدي الذي يجعل القارئ يرى الأحداث كأنها لقطات سينمائية متتابعة، مثل:
المشهد الأول: لقاء الطبيب وضحكاتها المجاملة.
المشهد الثاني: تأملاته حول الأيام والألوان. الأيام الملونة .. إذن فلنصنع الأيام البيضاء والحمراء والخضراء _ يمكن صناعة أيام بطعم الفواكه فلتكن أياما برتقالية وأيام مشمشية وأيام تفاحية .. هذه ليست مجرد ألوان، بل محاولة يائسة لإضفاء معنى على الزمن. نبيل حامد يسخر من فكرة التحكم في الأيام، وكأنه يقول:
“حتى لو صنعنا أيامًا بألوان جميلة، فإن العالم الموحش سيبتلعها.”
صناع الأسلحة: يرمزون إلى القوى المتحكمة في العالم، التي حولت الإنسان من كائن مسالم إلى كائن محكوم بالخوف.
الخوف والقلق: يظهر في الجملة المحورية “كيف الطريق إلى الخلاص من الخوف وفي داخل المخلوق قرون استشعار؟”، وكأن الإنسان محكوم بأن يكون كائنًا يشعر بالخطر حتى في لحظات السلام.
المشهد الثالث: حديثه مع أمه واسترجاع طفولته.
المشهد الأخير: ارتجافه وابتلاعه الدواء، مما يعكس القلق النفسي وتصاعد الأزمة.
- تتجلي جرأة عند نبيل حامد في الطرح فالقصة تتناول أزمة الإنسان الحديث بطريقة جريئة، حيث تواجه الحقائق القاسية للعالم، مثل: هيمنة صناع الأسلحة على مصير البشرية. مطاردة الطفولة من قبل العنف والدمار. تحطيم براءة الإنسان بفعل الواقع القاسي.
- القصة تحقق وحدة الموضوع والزمن والمكان، حيث تدور حول إحساس واحد بالأزمة الوجودية. وتعتمد على التكثيف اللغوي والدلالي، حيث تختصر الكثير من المشاعر والأفكار في جمل قصيرة لكن عميقة.
المفارقات التي تعكس عبثية الحياة:-
المفارقة واضحة في فكرة “الأيام الحنائية” التي يحلم بها البطل، بينما الواقع مليء بالسلاح والخراب. تظهر المفارقات التي تعكس عبثية الحياة، ومنها:
البطل يريد أيامًا حنائية، لكن العالم يمنحه أيام بارودية (مليئة بالعنف).
الأم تطمئنه بكلماتها، لكنه في النهاية يرتجف ويبتلع الدواء، مما يعني أن كلماتها لم تمنحه الطمأنينة.
يتساءل عن الأيام البيضاء، لكنه لا يجد إجابة، وكأن السؤال نفسه غير منطقي في عالم تسيطر عليه العتمة.
-السخرية السوداء تظهر في قوله “يمكن صناعة أيام بطعم الفواكه”، كأنه يسخر من استحالة خلق أيام سعيدة وسط عالم قاسٍ. الإدهاش يتحقق عبر الصورة الأخيرة، حيث يبتلع البطل الدواء لكنه لا ينام، مما يترك القارئ في حالة تأمل وقلق.
الطبيعة في القصة تتحول إلى كائنات حية، “امتلاء وجه الأرض بالمدن” ولم يعد الحكماء يملكون الكلمة، مما يعكس حالة اغتراب الإنسان عن الطبيعة.
استخدام الرمز، مثل الحناء كدلالة على الطفولة المفقودة، والجراد والخفافيش والبوم كرموز للخراب والدمار. التلميح والإيهام يظهران في فكرة الطريق إلى الخلاص، حيث يبقى السؤال معلقًا: هل الخلاص في الحلم أم في المواجهة؟
القصة تنتهي بلحظة قلق وجودي شديد، حيث رغم تناول البطل للدواء، إلا أنه لا يجد الراحة، مما يجعل النهاية مفتوحة على احتمالات متعددة: هل سيجد طريق الخلاص؟ هل سيبقى في حالة ضياع دائم؟ هل كانت الحناء مجرد وهم زمني؟ هذه الخاتمة توخز القارئ، لأنها تجبره على إعادة التفكير في معنى الطفولة، والسعادة، والواقع القاسي. وفى مأزق الإنسان في عالم فقد براءته، إن قصة يوم واحد للحناء تضع القارئ في متاهة ذهنية، حيث تتداخل الأفكار والمشاعر في دوامة لا تقدم إجابات واضحة.
إن هذا الأسلوب الذي يستخدمه نبيل حامد يجعل القارئ يشارك البطل في قلقه، فيصبح متورطًا في معاناته الوجودية.
- رئيس نادى الأدب بأرمنت ــ مصر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





