ما بين التضامن والمتعة: الياس خوري عن الأدب العالمي (ترجمة)


حسام موصللي – سورية
كتبتها آن- ماري ماكمانوس، نُشرت في مجلّة الأدب العالمي، الصادرة عن دار بريل للنشر، 2017.
ملخَّص
في هذا الحوار، يُحدِّثنا إلياس خوري، وهو أحد أبرز الأصوات في الأدب والنقد العربيَّين المعاصرَين، عن عالميَّة الأدب العربيّ، وككاتبٍ وصوتٍ نقديّ ذي باعٍ طويل في المشاركة السياسيَّة، يطرحُ خوري مقاربةً شديدة الأهمِّيَّة بصدد كلٍّ من الإمكانيَّات والقيود ذات الصلة بالمناقشات الأدبيَّة العالميَّة الراهنة.
يُعتبر الروائيّ اللبنانيّ إلياس خوري واحداً من أبرز الأصوات في الأدب والنقد العربيَّين المعاصرَين؛ وهو مفكِّرٌ عامّ يحظى باحترامٍ واسع النطاق في عالمَي السياسة والصحافة العربيَّتين؛ وكذلك مؤلِّفٌ مرموق تُرجِمت رواياته إلى الإنكليزيَّة والفرنسيَّة. من أبرز رواياته “باب الشمس” (1998)، و”رحلة غاندي الصغير” (1989)، و”الوجوه البيضاء” (1981)، و”يالو” (2002). حظيَت كتابات خوري وأعماله الثقافيَّة بجوائز إقليميَّة وأوروبيَّة؛ أحدثُها، في عام 2016، جائزة محمود درويش للإبداع، والتي تبرَّع بها إلى جامعة بيرزيت؛ كما تزامن إعداد هذا الحوار مع وصول أحدث رواياته، “أولاد الغيتو- اسمي آدم” (2016)، إلى القائمة الطويلة للجائزة العالميَّة للرواية العربيَّة (البوكر العربيَّة). وفي الترجمة، فاز خوري بالجائزة الفرنسيَّة للرواية العربيَّة في أولى دوراتها، عام 2008، وذلك عن رواية “كأنَّها نائمة” التي صدرت بترجمة رانيا سمارة. بالإضافة إلى ما سبق، أُقرَّ بخوري سفيراً عالميَّاً للثقافة العربيَّة إذ فاز في عام 2012 بجائزة اليونسكو-الشارقة لمساهماته في تعزيز الثقافة العربيَّة في العالم.
على هذا النحو، يتمتَّع خوري بمكانةٍ فريدة تخوِّله تناول عالميَّة الأدب العربيّ؛ سواءٌ بوصفه كاتباً دخلَت أعمالُه شبكات الأدب العالميّ المعاصر، أو كصوتٍ نقديٍّ يوفِّرُ انخراطُه السياسيّ طويل الأمد، لا سيَّما مع كلٍّ من القضيَّة الفلسطينيَّة والانتفاضة السوريَّة، مقاربةً شديدة الأهمِّيَّة بصدد كلٍّ من الإمكانيَّات والقيود ذات الصلة بالمناقشات الأدبيَّة العالميَّة الراهنة.
خلال حوار أُجري في كانون الأوَّل من عام 2016 في برلين، تحدَّث خوري عن رؤيته المميَّزة للعلاقات التي تربط الأدب العربيَّ بآداب العالم الأخرى. يبتعد خوري عن محطّ التركيز السائد في المجال على الدوائر المعاصرة للترجمة والتبادل، ليدعو بدلاً من ذلك إلى سردٍ تاريخيّ متعدِّد المستويات لعالميَّة الأدب العربيّ؛ الذي من شأن نتاجِه أن يكون نموذجاً لقراءات أدبيَّةٍ وتفاعلاتٍ إبداعيَّة لا حصر لها، بمقدورها ربط سرديَّة القرن العاشر العبَّاسي بأميركا اللاتينيَّة في القرن العشرين، وكذلك الربط ما بين الآداب العربيَّة بنظيراتها في الصين والهند والجنوب العالميّ ما بعد الكولونياليّ. علاوةً على ذلك، تحمل تعليقات خوري مقاييس مختلفةً لعالميَّة الأدب إذ يُميِّزُ ما بين الميادين الإقليميَّة (أي بين شمال أفريقيا وبلاد الشام) والميادين العالميَّة الأوسع. يُبيِّن خوري أيضاً أنَّ كلَّاً من الاختلاف اللغويّ وجماهير القراءة الجديدة إنَّما تسهمُ مساهمةً فعَّالة مع انتقال النصوص من لبنان إلى المغرب- في عمليَّةٍ تداوليَّة يُعزِّزها اليوم انتشار الجوائز الإقليميَّة والوسائط الرقميَّة. فكيف بإمكان دراسات الأدب العالميّ تفسير أنماط التداول المتنوِّعة هذه خارج الحدود الوطنيَّة؟ بالنسبة إلى خوري، على أيِّ حال، ما تتقاطع عنده العديد من الشبكات الأدبيَّة الغنيَّة هو مفهومٌ مهمَّش ضمن الدراسات والتعليم الأدبيَّين في أغلب الأحيان: العلاقة الأساسيَّة بين السرد والمتعة، سواءٌ أفُهِمَت بوصفها التجربة الاجتماعيَّة للإصغاء إلى حكايةٍ ليلاً، أو التفسير الإبداعيَّ الذي يُسقِطه قارئٌ على رواية، أو قدرة المؤلِّف على التحدُّث دونما قيود.
يوطِّئ مفهوم المتعة الأخير هذا للأبعاد السياسيَّة في منظور خوري للأدب العالميّ، الذي يُقرأ من داخل التقليد الأدبيِّ العربيّ المعاصر الذي تتردَّد فيه أصداء أعمالٍ نقديَّةٍ حديثة للأدب العالميّ من قِبل باحثين وباحثات مثل إيميلي أبتر وفينغ تشيا، بل ويتوسَّع فيها. تفتحُ صياغة خوري لأدبٍ عالميٍّ متجذِّرٍ تاريخيَّاً الباب لنقدِ القضايا السياسيَّة الراهنة؛ التي يصفُها بأنَّها غير مُقيَّدةٍ بسياقاتها الأصليَّة، وتُفسَّر كنضالٍ عالميٍّ من أجل التحرُّر. وإنَّ تجريد القضايا السياسيَّة من سياقاتها المحلِّيَّة يفضي إلى تداولها مثلما تتداول السلع، ممَّا يوقعها فريسةً لتهديد الغرائبيَّة. وربَّما الأهمّ من ذلك هو أنَّ هذه المعالجة المجتزأة وغير السياقيَّة للسياسة تُقوِّض الفرص أمام التضامن العالميّ- الذي يصرُّ خوري على ضروريَّته اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ مضى. رافضاً إجبار الأدب على لعب أيٍّ دورٍ أداتيٍّ أو تربويّ، يرسم مفهوم خوري عن الأدب العالميِّ سرداً يتَّسم بالدقَّة والتنوُّع لكلٍّ من الإبداع والالتزام: سرداً يظلُّ فيه الأدب الملاذ الضروريَّ للتعبير عن تجارب الحرِّيَّة، فرديَّةً كانت أم جماعيَّة.
فيما يلي نصُّ محادثتنا، بعد تحريره بغاية التوضيح:
سبقَ وأن أشرفتَ على سلسلةٍ من نصوصٍ أدبيَّةٍ عالميَّة تُرجِمت إلى العربيَّة في ثمانينيَّات القرن الفائت. أتساءلُ عمَّا إذا كان بمقدورك البدء بالحديث عن تلك التجربة.
كانت فكرة هذه السلسلة ترجمة آداب العالم الثالث إلى العربيَّة. بدأنا بتقديم مجموعةٍ من (النصوص) الأفريقيَّة، والأسيويَّة، والهنديَّة، واليابانيَّة، ثمَّ الأميركيَّة اللاتينيَّة، إلى الأدب العربيِّ الحديث. أعلنَت هذه السلسلة، التي أطلقنا عليها مسمَّى “ذكريات الشعب”، بداية طفرة ترجمة هذه الآداب إلى العربيَّة. حرَّرت بنفسي قرابة 45 كتاباً، وكتبتُ كلَّ التوطئات. عملنا مع مترجمين قادرين على الترجمة (مباشرةً) من الإسبانيَّة، على سبيل المثال، وليس من الإنكليزيَّة أو الفرنسيَّة. كان عملاً شاقَّاً بالنسبة إليَّ، وفي الوقت نفسه مصدراً لسعادةٍ جمَّة.
كنتُ مهتمَّاً بالأدب المقارن، الذي أصبحتُ (في فترةٍ لاحقا) أستاذاً فيه. في هذا الميدان، عادةً ما نقارنُ الأدب العربيَّ بالأدبين الفرنسيّ والإنكليزيّ، وهو أمرٌ عديم الجدوى – ليس عديم الجدوى تماماً، لكنَّه ليس القضيَّة الحقيقيَّة التي ينبغي لنا في العالم العربيِّ الاهتمام بها. لذا، أردنا الاشتغال على آداب الثقافات -ولنقل الآداب النامية- التي كانت قريبةً جدَّاً من تجاربنا الحديثة في العالم العربيّ. من هذا المنظور، كانت التجربة مثيرةً للاهتمام ومبتكرةً للغاية. قادني ذلك إلى اشتغالٍ دؤوب في مقارنة الأدبين الفلسطينيِّ والجنوب أفريقيّ، وكذلك العربيِّ والتركيّ. حتَّى ذلك الوقت، لم تكن مثل هذه المقارنات قد عُقِدت، للأسف، سواءٌ في الأدب العربيّ أو في آداب العالم الثالث. ما زلت أتذكَّر أوَّل لقاءٍ جمعني بكاتبٍ تركيّ، يقيمُ اليوم في فرنسا، وقد أخبرني حينها أنَّه قرأ عنَّي في “لوموند”. أجبتُه بنعم، وأنَّني كنتُ بحاجةٍ إلى القراءة عنه في “الغارديان”. وهذا واقعٌ مؤسِف. لذا، كان بناء مثل هذا الجسر مهمَّاً للغاية، وأرى أنَّه بُنيَ بالفعل. وكان ذلك أيضاً إشارة إلى أنَّ آداب العالم الجديدة لم تعد تأتي من أوروبَّا، بل من هذه البلدان الأخرى بصورةٍ رئيسيَّة.
هل ترى في هذه السلسلة استمراريَّةً للنزعة “العالم ثالثيَّة” التي ميَّزت مؤتمر باندونغ وتلك الحقبة المفصليَّة في ستينيَّات القرن المنصرم؟
يمكنك ربطها بباندونغ، لكن في وعينا لم يكن للأمر علاقة به، باعتبار أنَّني كنتُ صغير السنِّ إبَّان انعقاده. بالنسبة إليّ، كان الدافعُ شعوراً بالعودة إلى تراثنا. أوَّلاً وقبل كلِّ شيء، وعلى الرغم من أنَّنا خضعنا في العالم العربيِّ للحكم العثمانيِّ على مدى أربعة قرون، لكنَّنا لا نعرف الأدب التركيّ، وهذا أمر مخجل. وكذلك لا نعرف الأدبين الفارسيِّ والهنديّ. لكن إذا عدنا إلى تراثنا الكلاسيكيّ، فسنجدُ أنَّ “ألف ليلةٍ وليلة” كان كتابَ العالمِ القديم. هذا العالم القديم الذي لم يكن سوى العالم العربيّ، والهند، والصين، واليونان. وعليه، بمقدور المرء أن يجد آثاراً من كلِّ هذه الثقافات كجزءٍ من ثقافتنا العربيَّة. بدأت فكرة (السلسلة) من هنا، ثمَّ تطوَّرت باتِّجاه قراءة الآداب الأفريقيَّة. وعلى الصعيد الشخصيّ، كانت تجربةً عظيمةً بالنسبة إليَّ أن نترجمَ أعمالاً لأتشيبي وسوينكا وآخرين، مثل نغوغي واثيونغو، إلى العربيَّة. بعد ذلك، أشرعَت (السلسلة) أبوابها لآداب أميركا اللاتينيَّة: كورتاثار، وفوينتس، وماركيز، وبورخيس، وغيرهم. يكتشفُ المرء كيف ترتبطُ هذه الآداب ببعضها البعض. وخاصَّةً في آداب أميركا اللاتينيَّة، حيثُ لمسنا إلى أيِّ مدى شكّلت أعمال بورخيس فصاعداً امتداداً لـ “ألف ليلةٍ وليلة”. ولا يتعلَّق الأمر فقط بما كان يُسمَّى آنذاك بالواقعيَّة السحريَّة. بل أعتقد أنَّ أولئك المؤلِّفين قد عرفوا “ألف ليلةٍ وليلة” (نعرف أن بورخيس كتبَ عنه بإسهاب)، وخبِروا هذا التقليد جيِّداً، وكانوا بمعنى ما يواصلونه. كان هذا الاكتشافُ في غاية الأهمِّيَّة بالنسبة إلينا.
لا يعني هذا أنَّنا توقَّفنا عن قراءة (الآداب) الإنكليزيَّة، أو الفرنسيَّة، أو الألمانيَّة. بل على العكس من ذلك، فمفهوم الأدب العالميِّ بحدِّ ذاته من ابتكارِ ألمانيّ، كما يعلم الجميع، فضلاً عن أنَّ فهم الأنواع الأدبيَّة الجديدة كان لا مناص سيمرُّ عبر التجارب الفرنسيَّة والإنكليزيَّة. لكنَّ الفكرة تلخَّصت بالوصول إلى نقطةٍ حيثُ بمقدورنا أن نكون أحراراً في قراءة ما نريد أيَّاً كان، ما يروق لنا؛ وليس القراءة وحسب، بل التواصل بعمقٍ أيضاً مع هذه النوعيَّة من الآداب.
في طيَّات تبيينك الأوَّل لهذه السلسلة، يبدو الأمر وكأنَّها مشروعٌ ما بعد استعماريّ، في حين أنَّ مستويات التجربة والقراءة النصِّيَّة التاريخيَّتين اللتين تصفهما توحي بفهمٍ أعمق تاريخيَّاً للأدب العالميّ- وهو فهمٌ ليس قاصراً على لحظة إنهاء الاستعمار وحسب.
أنتِ محقَّة؛ هذه السلسلة، بطريقةٍ ما، مشروعٌ ما بعد استعماريّ، لكنَّها ليسَت كذلك فقط. فهي تتعلَّق أيضاً بالغوص عميقاً في طبقات هذه الثقافات من أجل فهم تراثنا الأدبيّ. وفي الواقع، ليس فقط لغاية فهمه، بل للاستمتاع به. نحنُ نقرأ للاستمتاع! بيد أنَّنا ننسى ذلك. معظم الأساتذة يدرِّسون في المجالات كافَّةً على نحوٍ يجعلُ (القراءة) عبئاً. لكنَّنا في واقع الأمر بحاجةٍ إلى الاستمتاع! الاستمتاع هو الغاية الأساسيَّة من الأدب. وكما تعلمين، لدى الكاتب العربيِّ العبَّاسيّ، أبو حيَّان التوحيديّ، كتابٌ بعنوان “الإمتاع والمؤانسة”. وهذا هو الأدب: الاستمتاع والتواصل.
من ثمَّ، أجل، يمكن أن تساعدك قراءة الرواية على فهم المزيد عن مجتمعٍ ما. تتيحُ الروايات تلك الإمكانيَّة في بعض الأحيان. وكما كان ماركس يقول، يتعيَّن على المرء قراءة بلزاك إذا ما أراد فهم المجتمع الفرنسيّ؛ لأنَّه كان أفضل من أيِّ عالِم اجتماع. لكنَّني أرى أنَّ هذا الأمر هو أحد الآثار الجانبيَّة للأدب. وأمَّا تأثيره الرئيسيّ، فهو الغوص في خبايا النفس البشريَّة، في التجربة الإنسانيَّة، ومنحك هذه المعرفة العميقة لحالتنا الإنسانيَّة. أوَليسَت المعرفة متعة؟ بل إنَّ أعظم متعةٍ هي متعة المعرفة.
هل ما تصفهُ هُنا يُحاكي مفهوم المؤانسة التي نجدها في المعنى الكلاسيكيّ للأدب؟
إذا ما عدتِ إلى التراث العربيّ، إلى “المقامات” أو “ألف ليلةٍ وليلة”، أو غيرها من أشكال السرد القصصيّ، ستجدين أنَّ سرد القصص كان يحدُث في حيِّز الليل، ففيه يجدُ المرء كلَّ ظلال الحياة. بالمناسبة، كان مفهوم الليل مختلفاً حينذاك؛ دَمَّرنا الليل بالكهرباء. كان الليل أواناً تتجلَّى فيه الأرواح، وموعداً للحديث إلى الموتى، وظهورِ الجنّ، وانكشافِ أسرار الحياة كلِّها. لذا، أوَّلاً، كانت (القصص) تُروى ليلاً. وثانياً، كان سرد القصص متعة. وثالثاً، كان فخَّاً. حكت شهرزاد حكاياتها من أجل النجاة بحياتها؛ وفي المقامات روت شخصيَّات (على غرار أبي الفتح الإسكندريّ) قصصها تسوُّلاً وإبهاراً لجماهيرها. بناءً على ما تقدَّم، نجد أنَّ هناك مستويات عديدة لمعنى السرد القصصيِّ والتعاطي مع الأدب؛ بيد أنَّها تصبُّ جميعاً في بوتقةٍ واحدة إذا ما تحدَّثنا عن فكرة المتعة.
يقول الناقد عبد الفتَّاح كيليطو، في معرضٍ تعليق له على أشكال الأدب العربيِّ الكلاسيكيِّ وأنواعه التي دخلَت الأدب العالميّ: عمل “ألف ليلةٍ وليلة”، الذي لم يُصنَّف كأدبٍ رفيع في أوساط اللغة العربيَّة، أوفى بولعٍ أوروبيٍّ نحو السردِّ الطويل والعجائبيّ في آن، على عكس ما حدث للمقامات. ونتيجةً لذلك، لم تشغَل الأخيرة مكانة ممثِّلةٍ “عالميَّة” للأدب العربيِّ- بخلاف مآل “ألف ليلةٍ وليلة”. هل تتَّفق مع هذا التوصيف؟
بالطبع. وأودُّ أن أضيف أنَّ مشكلة المقامات ليسَت فقط في كونها لم تَرُق للذائقة الأوروبيَّة في القرن الثامن عشر، بعكس “ألف ليلةٍ وليلة”؛ بل إنَّها لم تَرُق لذائقتنا أيضاً! لا يمكننا قراءة المقامات. ويَبرُز ثقل اللغة كواحدٍ من ضمن فروقاتٍ رئيسيَّةٍ عديدة بين المقامات و”ألف ليلةٍ وليلة”. لغة العمل الأخير سلسلة، كالماء؛ مزيجٌ من المحكيَّة والكلاسيكيَّة، مزيجٌ مبسَّط جدَّاً من النثر والشعر. بينما المقامة أشبه بمعجم؛ فكانت مكاناً يستعرضُ الكاتب فيه مدى معرفته باللغة. لذا أصبحَت معرفة اللغة هدفاً بحدِّ ذاتها.
لكن ينبغي ألَّا تكون اللغة هدفاً إلَّا بمعنى الكشف والإفصاح؛ فهي ليسَت حجاباً. اللغة في المقامات حجاب. بيد أنَّها، في “ألف ليلةٍ وليلة”، تكشفُ النقاب عن الحياة. هذا فارق كبير. لذا، باعتقادي، وصل “ألف ليلةٍ وليلة” إلى الأدب العالميّ، وليس فقط لأنَّ القصص راقَت للذائقة الأوروبيَّة. وهي بالطبع راقت لهم، ومن الواضح كيف قرأها الأوروبيُّون ووظَّفوها. لقد سبقَ أن تحدَّثنا عن تأثير “ألف ليلةٍ وليلة” في أدب أميركا اللاتينيَّة، لكنَّ تأثيره في الأدب الأوروبيّ عظيمٌ أيضاً.
بصفتك كاتباً، فأنت تجمع في أعمالك الأدبيَّة أيضاً بين الفصحى والمحكيَّة أو العاميَّة. هل تبتغي من هذا تحقيق خفَّةٍ مماثلة على مستوى اللغة؟
أجل. كما أجمعُ أيضاً بين الشعر والنثر في رواياتي. أوَّلاً، فيما يتعلَّق باللغة: فنحنُ قد ورثنا لغةً غنيَّةً جدَّاً. ولا أقصد بهذا الفصحى وحسب؛ فالعربيَّة لغةٌ غنيَّة لأنَّها تنطوي على أربع “عائلات” عاميَّةٍ مُنظَّمة، على الأقلّ: أعني الشاميَّة، والعراقيَّة-الخليجيَّة، والمصريَّة-السودانيَّة، والشمال أفريقيَّة. كما أنَّ كلَّاً من هذه العائلات الأربع الكبرى تضمُّ عائلاتٍ أصغر، ممَّا يمنحنا ككتَّابٍ إمكانيَّةً هائلة للعب بالكلمات، وانتقاء كلمةٍ من موقعٍ وتوظيفها في آخر، وما إلى ذلك. وهذا بدوره يمنحنا طبقاتٍ من المعنى لا يمكن تخيُّلها.
طالما حضرَت العاميَّة في العربيَّة. وأمَّا النموذج الذي يدأب بعض المثقَّفين العرب، والعديد من المستشرقين، على إقحامه، فهو ليس صحيحاً: أتحدَّث عن تلك الفكرة القائلة إنَّ اللغة العربيَّة مُقدَّسة، ومصيرها مشابه لمصير اللاتينيَّة. أوَّلاً، لم يَحدُث أن كانت اللغة العربيَّة مقدَّسةً قطّ. ومنذ بداية “عصر التدوين”، في القرن الثامن، كان النقَّاد العرب واضحين جدَّاً بهذا الصدد. يخبرنا ابنُ جعفر أنَّ “الشعر غير الدين”، لذا نفصلُ بينهما.
أعتقد أنَّ النقَّاد العرب العبَّاسيِّين أظهروا ذكاءً متَّقداً إذ جعلوا من الشعر الجاهليَّ مرجعاً لغويَّاً للقرآن. إذن للقرآن مرجعٌ في اللغة محكيٌّ تماماً؛ مرجع لا ينطوي على أيِّ قداسة. وليس القرآن أصلَ اللغة العربيَّة؛ بل يتعيَّن على المرء العودة إلى الشعر الجاهليّ ولغته لفهم القرآن. لذا تتباين اللغة العربيَّة عن لغةٍ مقدَّسة أخرى، ألا وهي العبريَّة، التي بادَت حتَّى أُعيدَ إحياؤها من خلال الصهيونيَّة الحديثة والنموذج الأوروبيِّ للدولة القوميَّة. بيد أنَّهم ما زالوا إلى اليوم يشتمون بمفرداتٍ عربيَّة! هل بوسعك تخيُّل لغةٍ بلا مفردات شتائم؟ على أيِّ حال، تلك كانت الأسطورة الأولى (عن اللغة العربيَّة)، وهي مجافيةٌ للصواب.
الأسطورة الثانية هي أنَّ العربيَّة تشبهُ اللاتينيَّة. لكن في حالة العربيَّة، ظلَّت الفصحى حاضرةً على الدوام، جنباً إلى جنب مع العربيَّة المحكيَّة، وكذلك (تعايشَت) معاً مستوياتٌ عديدة للغة نفسها منذ أزمنة ما قبل الإسلام. وهكذا، فإنَّ توظيف هذه المستويات في أدبنا المعاصر هو في المقام الأوَّل ثورةٌ في وجه مفهومٍ صيغَ في عصر النهضة (النهضة العربيَّة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين): أعني الدعوة للعودة إلى لغة المتنبِّي “الذهبيَّة” ورفض لغة “ألف ليلةٍ وليلة”، إذ كان يُنظر إلى الأخيرة على أنَّها تغصُّ باللغة المحكيَّة. أعمال الجاحظ مليئةٌ بالعربيَّة المحكيَّة؛ قلائل من يعرفون هذه المعلومة. إنَّ بمقدورنا التعاطي مع اللغة المحكيَّة باعتبارها مستوى من مستويات العربيَّة، ممَّا سيفسح لنا مجالاً للعب على مستوياتٍ مختلفة من اللغة. في رواياتي، لا أقصر استخدامي للعاميَّة على الحوارات وحسب. بل أوظِّف في واقع الأمر صياغات الجمل العاميَّة في بناء لغتي، ممَّا يساعد على تغيير معناها. يفترض بنا، معشر الكتَّاب، فعلُ أشياء عديدة، من بينها الابتكار في اللغة وجعلها أكثر ملاءمةً لحياتنا وأساليب حديثنا.
يبدو الأمر وكأنَّ هذه التقاطعات المحدَّدة ما بين سجلَّات اللغة- ما بين اليوميِّ والتراث الكلاسيكيّ- قد تكون ما يضفي على نصٍّ ما حركيَّةً بمعنى عالميّ. أجدُ هذا مثيراً للاهتمام، لأنَّ الاعتقاد السائد عادةً هو عكس ذلك: أي أنَّ هذه الأنواع من الابتكارات اللغويَّة شديدة الإفراط في المحلِّيَّة والخصوصيَّة، وبالتالي لا يمكن ترجمتها إلى أدبٍ عالميّ.
بل على العكس تماماً. يخبرني البعض أنَّ الناس في شمال أفريقيا لن يفهموا أعمالي لأنَّني أستخدمُ اللهجة اللبنانيَّة (أو اللبنانيَّة-السوريَّة أو اللبنانيَّة-الفلسطينيَّة). لكنَّ هذا ليس صحيحاً. أوَّلاً، هم يفهمونها. وثانياً، عندما يقرأ المرء أيَّ رواية، أيَّاً كانت لغتها- عندما أقرأ بالإنكليزيَّة مثلاً- فهناك أشياء لا أفهمها، وهذا طبيعيّ! لكنَّنا نَتبيَّنها مع تدفُّق الرواية. بطبيعة الحال، يتعيَّن على الباحثين فهم كلِّ مفردةٍ إذا ما أرادوا إنتاج ورقةٍ بحثيَّة أو نقدٍ أدبيّ. مع ذلك، تتدفَّق اللغة الأدبيَّة؛ فتؤتي أُكُلها، ويفهمها الناس. بناءً على تجربتي الشخصيَّة، أقول إنَّ يفهمون رواياتي على امتداد العالم العربيّ. لم أواجِه أيَّ مشكلةٍ في هذا الصدد، ممَّا يعني أنَّ الأمر ناجع. كما أنَني لستُ الوحيد الذي يستخدم العاميَّة في أعماله؛ كتَّابٌ كثيرون يستخدمونها أيضاً. ونحنُ الآن بصدد التكيُّف مع المحكيَّة المغربيَّة التي بمقدورنا أن نفهمها. وهي بالطبع مختلفة بعض الشيء، أكثر صعوبة- لكنَّها تُفلِحُ أيضاً! إذن ليست هناك مشكلةٍ مع اللغة، فهي جزءٌ من تاريخ الأدب العربيّ.
على مقلبٍ آخر، يختلف الأمر حينما تقتصر الكتابة على المحكيَّة أو اللهجة فقط، كما في حالة سعيد عقل، الشاعر اللبنانيّ الذي ضغط من أجل فكرة لغةٍ لبنانيَّة. مضى عقل في هذا الاتِّجاه إلى أقصاه، وأراد كتابة اللغة العربيَّة بحروفٍ لاتينيَّة. لكنَّك تكتشفين بعد ذلك أنَّه كان يتعيَّن عليه اختراع لغة في واقع الأمر، لأنَّ كلَّ مدينةٍ (في لبنان) تتحدَّث بطريقةٍ مختلفة عن الأخرى. لذا، كان لا مناص له من اختراع فصحى من العامِّيَّات كي يُنتجَ لغةً لبنانيَّة! ولكن ماذا ستكون نتيجة ذلك الجهد؟ ستكون لغةً عربيَّة.
يثيرُ اهتمامي أنَّك تطرحُ هذه المسألة من منظور العلاقات الممتدَّة عبر العالم العربيّ كإقليم، كقراءة المغاربة للأدب اللبنانيّ على سبيل المثال. وهُنا أتساءل عن الآفاق التي تراها في الازدهار الحاليّ للجوائز في الخليج، والتي تهدف إلى تعزيز هذه الروابط الإقليميَّة فيما يتعلَّق بنسب القراءة والدعم المادِّيّ.
بادئ ذي بدء، ولأقول لك الحقيقة، أرى غرابةً شديدة في كون جوائز الأدب العربيِ في الخليج. فواقع الأمر أنَّ عواصم العالم العربيِّ الثقافيَّة ليسَت هناك، ولا الإنتاج الثقافيّ أيضاً. عواصم العالم العربيِّ الثقافيَّة هي القاهرة وبغداد ودمشق والدار البيضاء. انظري إلى عدد الروايات التي تصدر سنويَّاً في كلٍّ من القاهرة وبيروت. بالطبع دمشق اليوم في حالة خراب، لكنَّها على هذه الحال منذ خمسة أعوام فقط. لذا، (هذا التحوُّل نحو الخليج) يثيرُ الدهشة. وأعتقدُ أنَّه جزءٌ من هيمنةٍ حديثة ترافقت مع آخر مراحل الحرب الباردة، حينما عمل الأميركيّون بالتنسيق مع السعوديِّين ودول الخليج على إخراج المشروع الإسلاميّ إلى النور؛ المشروع الذي أضرَّ بأميركا نفسها في أحداث الحادي عشر من أيلول الكارثيَّة. لكنَّ الكارثة الحقيقيَّة حلَّت بالعالم العربيّ. ونتيجةً لهذه الكارثة، شغَلت مدن الخليج فجوةً صغيرة. لكنَّها مجرَّد حالة طارئة ليس إلَّا؛ ولن تدوم طويلاً. حقيقةُ وجود تلك الجوائز هناك ليست بالأمر السيِّئ، لكنَّها ليس المسألة التي ينبغي أن نصوِّب إليها أنظارنا.
نشرتَ مؤخَّراً مقالة عن أدونيس وجائزة نوبل، قلت فيها: “عالميَّة الجائزة تأتي من قوَّة المركزيَّة الأوروبيَّة، فكي يصير الكاتب عالمَّياً عليه أن يُترجَم إلى الإنكليزيَّة والإسبانيَّة والفرنسيَّة، أمَّا إذا تُرجم إلى الصينيَّة أو التركيَّة أو الفارسيَّة، فهذا لا يساعده كي يحظى بلقب كاتبٍ عالميّ”.
بالفعل، كتبتُ هذه المقالة في مسألة أدونيس وجائزة نوبل، وذكرتُ فيها، أوَّلاً، أنَّه يجب أن يحصل أدونيس على الجائزة كي نفرغ جميعاً من المشكلة المتمثِّلة في فشلنا نحن العرب عاماً تلو عامٍ في الحصول عليها. قد بلغ السيل الزبى. من ثمَّ كانت الفكرة الثانية أنَّه لا بدَّ أن نكون أكثر جدِّيَّة. نحنُ نولي جائزة نوبل قدراً كبيراً من التقدير، وحقيقة أنَّها تمنح مالاً كثيراً للفائزين بها أمر ممتاز بالنسبة إلى جميع الكتَّاب. لكن يجب ألَّا ننسى أنَّ هذه الجائزة معنيَّةٌ باللغات الأوروبيَّة بالأساس. يكفي كي ندرك ذلك أن نقرأ أسماء من فازوا بها. بمقدور أدب أميركا اللاتينيَّة أن يكون مناسباً للجائزة باعتبار أنَّه يُكتب بالإسبانيَّة، وكذلك أدب جنوب أفريقيا الذي يُكتب بالإنكليزيَّة. وفي حالة الكاتبين الجنوب أفريقيّين اللذين فازا بجائزة بنوبل، فكانت أعمالهما بالإنكليزيَّة، وليس بالأفريقانيَّة أو اللغات المحلِّيَّة. ومن وقتٍ لآخر، يمنحون الجائزة إلى كاتبٍ صينيّ، أو تركيّ، أو عربيّ، منحوها ذات مرَّةٍ لنجيب محفوظ. وهذا من باب خلق تصوُّرٍ أنَّ نوبل جائزةٌ عالميَّة. لذا، كانت فكرتي هي أن نفهم تلك الجائزة في سياقها الحقيقيّ. ففي كلِّ مرَّةٍ لا يفوز فيها كاتبٌ عربيّ بنوبل، يعتري العالم العربيَّ حزنٌ عظيم- وهذا أمرٌ فارغ، لا معنى له! يكفي أنَّ لدينا نجيب محفوظ. ما جدوى ذلك؟
الآن، وعوداً إلى الفقرة التي أشرتِ إليها، فهذا صحيح. نحنُ نعيش اليوم في ظلِّ إمبراطوريَّة. ذكرتُ الإنكليزيَّة والفرنسيَّة والإسبانيَّة، لكن الإنكليزيَّة في الواقع هي لغة هذه الإمبراطوريَّة. نحنُ نتحدَّث بها الآن بالفعل! وعندما أزور برلين، فلست بحاجة نطقِ أيِّ كلمةٍ بالألمانيَّة كي أعيش هنا حياةً طبيعيَّة، لأنَّ الإنكليزيَّة لغة الإمبراطوريَّة. طالما كانت لغات الإمبراطوريَّة حاضرةً في تاريخ الثقافات؛ اللاتينيَّة واليونانيَّة في حقبة الإمبراطوريَّة الرومانيَّة؛ والعربيَّة والسريانيَّة في العالم العربيِّ إبَّان العصر العبَّاسيّ. في الحقيقة، كلُّ ترجمات الفلسفة اليونانيَّة جاءت من السريانيَّة، وليس من اليونانيَّة. لذا، وعلى الرغم من وجود تعدُّديَّةٍ لغويَّة، ظلَّت لغة الإمبراطوريَّة سائدة. اليوم نعيشُ في ظلِّ إمبراطوريَّةٍ جديدة. ولعلَّها لن تدوم طويلاً لأنَّ الأميركيِّين مجانين بما يكفي لانتخاب ترامب رئيساً لهم. وهكذا لا بدَّ من ترجمة الكاتب إلى لغة الإمبراطوريَّة، وإلَّا فلن يكون جزءاً منها. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي لثقافاتٍ ذات تقاليد عظيمة، كالصينيَّة والعربيَّة والهنديَّة، والتي تَنعمُ بتراثٍ أدبيٍّ هائل، أن تضع نفسها في موقع الانتظار؛ فلديها أعمالها الروائيَّة الخاصَّة، وبمقدورها ابتكار جوائزها الخاصَّة أيضاً، إذا أرادت ذلك. أتساءلُ عمَّا يمنعهم من فعل ذلك، رغم أنَّ تلك مسألة أخرى بصدد السياسة والبُنى.
أخيراً، أرى أنَّه لا معنى للجوائز الأدبيَّة أبداً. أعني، لا بأس بها، تُقدِّمُ بعض المساعدة، لكنَّها ليسَت الأشياء التي يجب على الكتَّاب والنقَّاد أن ينفقوا طاقاتهم عليها. في وقتٍ قريب، خضت نقاشاً مع صديقٍ سألني عن جائزة نوبل. قلت له إنَّ أعظم جائزةٍ فزتُ بها على الإطلاق كانت في عام 2013، على مقربةٍ من القدس، عندما استقرَّت مجموعةٌ من الشباب الفلسطينيِّين -350 شخصاً- على قطعةٍ من أرضٍ عزمَ الإسرائيليّون على مصادرتها لبناء مستعمرة. لذا، أقامَت فيها تلك المجموعة، وشيَّدوا عليها قريةً أطلقوا عليها اسم “باب الشمس” تيمُّناً بروايتي التي تحمل الاسم نفسه. بالنسبة إليّ، هكذا تكون الجائزة الحقيقية. عادةً ما تُحاكي الرواياتُ الواقع؛ لكن في هذه الحالة، كان الواقع يُحاكي الرواية. وبالنسبة لأيِّ كاتب، فهذه أفضلُ مكافأةٍ يمكن أن يحصل عليها من قرَّائه. وأمَّا الجوائز الأخرى فلا بأس بها، ولا مانع من تقبُّلها إذا حضرَت. لستُ ضدَّها. بيد أنَّنا لسنا مضطرِّين إلى انتظارها، بل علينا أن نكون أكثر جدِّيَّةً وتفاعلاً.
يبدو أنَّ سؤالَ القضايا السياسيَّة، والذي غالباً ما يَغيبُ عن النقاشات الحاليَّة بصدد الأدب العالميّ، شديدُ الحضور في هذا السياق. كيف ترى عالميَّة القضيَّة الفلسطينيَّة أو الانتفاضة السوريَّة، على سبيل المثال لا الحصر؟
بُنيةُ الأدب العالميِّ شديدةُ التعقيد، وهي مسألةٌ جديدة في عصرنا النيوليبراليّ. إبَّان الحرب الباردة، كان ساد خطابٌ مفاده أنَّ الأدب لا بد أن يكون لا سياسيَّاً. كان هذا ضرباً من ضروب الاتِّهامات التي وُجِّهت إلى كتَّابٍ مثل بابلو نيرودا، وناظم حكمت، ويانيس، والقائمة تطول جدَّاً. لقد اتُّهِموا بنشر البروباغندا لا الأدب، لأنَّهم كانوا جزءاً من كفاح شعوبهم من أجل الثورة، والديموقراطيَّة، والحرِّيَّة، وما إلى ذلك. ما كَشفَتهُ لنا هذه التجربة هو أن كون المرء لا سياسيَّاً في الأدب حينذاك يعني أنَّه من المفترض ألَّا يكون يساريَّاً.
واليوم، في ظلِّ الحقبة النيوليبراليَّة عقب الحرب الباردة، أضحَت أهمِّيَّة القضايا السياسيَّة في الأدب مقوَّضةً تماماً – تماماً- ما لم يكن الأدب “غريباً”. على سبيل المثال، أشعر بالشفقة إزاء كاتبٍ عظيم أكنُّ له حبَّاً جمَّاً، ألا وهو سلمان رشدي، لأنَّه سَقط في أيدي أعدائه بفعل الفتوى الفظيعة والغبيَّة، التي أصدرها الخمينيُّ ضدَّه. سقطَ في أيدي أعدائه كلِّيَّاً. اليوم، صارت فكرة التعاطي مع القضايا السياسيَّة، مع نضالات الشعوب، غير عصريَّة. الغرابة هي الموضة السائدة. هاك بعض الموضوعات العصريَّة: انتقاد الإسلام، دعم النسويَّة، وما إلى ذلك. وإنَّني أنتقدُ الإسلام طوال الوقت، وأناصر حقوق المرأة، بيد أنَّ هذه ليست القضايا الوحيدة. إنَّها جزءٌ من قضايا أكبر، وأقصدُ تحرير شعوبنا من الهيمنة الاستعماريَّة، والاستبداد، والاحتلال، والصهيونيَّة، على سبيل المثال لا الحصر. القضايا المنفصلة مهمَّة، لكن لا مناص من فهمهما ضمن هذا الإطار الأشمل. فإذا انتُزعَت من إطار الانعتاق، ستغدو، أوَّلاً، مبتذلة؛ وثانياً، ستفتحُ نافذةً لخطاباتٍ فاشيَّةٍ جديدة، والتي تراها اليوم في أميركا وأجزاء من أوروبا. هذا لأنَّ الناس نسوا أنَّنا عندما نناضل من أجل حقِّ المرأة في الإجهاض، فلا نفعل ذلك لأنَّنا نحبُّه أو لمجرَّد أنَّنا نسويّون. بل نفعل ذلك لأنَّ (هذا الحقَّ) ضروريٌّ لتحرير المرأة، وتحقيق تحرير المجتمع. إنَّه جزءٌ من تحرير المجتمع. وعندما تتلاشى فكرة تحرير المجتمع، تفقدُ هذه القضايا معناها. وما إن تفقدَ معناها، لأنَّها فقدَت علاقتها بالفكرة الأساسيَّة، حتَّى تصبحَ هامشيَّة، ثمَّ تدخلُ الفاشيَّة بخطابها القديم.
عندما كنتُ طالباً شابَّاً في ستينيَّات القرن الفائت، لم يتخيَّل أحدٌ أنَّ العالم ماضٍ باتِّجاه هذه اللغة: أعني لغة ترامب، ومارين لوبان، وفيون، وبوتين، ونتنياهو، وبينيت. لم يكن أحدٌ ليتصوَّر أنَّ هناك من سيجرؤ على قول أشياء كهذه. وبطبيعة الحال، كلُّ هذا ليسَ محضَ مسألةٍ ثقافيَّة؛ بل مشكلة في غايةٍ التعقيد على صعيد النماذج الفكريَّة السياسيَّة والاقتصاديَّة وغير ذلك. لكن على المستوى الثقافيِّ الذي نعمل عليه، أعتقدُ أنَّه في ظلِّ الأيديولوجيا الليبراليَّة الجديدة وتدفُّق أفكار ما بعد الحداثة، فإنَّ القضايا تنفصل عن جذورها كأدواتٍ للتحرُّر، كجزءٍ من التحرُّر، وبالتالي تفقدُ معناها. وهذا بدوره يُيسِّر عودة الخطابات الفاشيَّة واحتلالها المشهد.
هناك تناغمٌ بين ما تتحدَّث عنه، والانتقادات الأخيرة لدراسات الأدب العالميّ، كتلك التي وجَّهتها إيميلي أبتر وفينغ تشيا. يشيرُ هذا النوع من الحجج إلى أنَّ الأدب العالميّ، ولكونه شديد التركيز على الشبكات والسلعيَّة والتدفُّقات- ودون صياغة نقدٍ جوهريٍّ للرأسماليَّة-، يُخاطِر بالمضي على طريق منطق تداول السلع ومَسالِكه.
ليس الأدب جزءاً مهمَّاً من هذه التدفُّقات السلعيَّة. الجزء المهمُّ هو الفنّ، فنُّ الأداء، التركيبات الفنِّيَّة.
لماذا هذه الأشكال بالذات؟
لأنَّنا هُنا أمام بُنية تداولٍ حقيقيَّة. على سبيل المثال، بمقدور فنَّانٍ ما بعد حداثيٍّ أنَّ ينجزَ عملاً يمكن عرضه لمدَّة يَومين في بيروت ثمَّ يتنقَّل من متحفٍ إلى آخر. سيجني الفنَّان أموالاً طائلة، لكنَّ تأثيره سيكون صفراً. صفر! لقد أنشئت المسارح لتكون جزءاً من المدينة، جزءاً من البنية الاجتماعيَّة. لا يمكن للثقافة أن تطفو وحدها في الهواء، بهذه البساطة. لا بدَّ أن تكون جزءاً (من شيء أكبر). وأمَّا بالنسبة للثقافة العالميَّة، وهي ظاهرةٌ موجودة فعلاً، فينبغي أن ترتبط بالنضالات في مواقع شتَّى من العالم. يكمن أسُّ مشكلة الأدب العالميّ، والثقافة العالميَّة، وغير ذلك، في ماهيَّة هذا العالميّ. فلم يعد لدينا اليوم تضامنٌ عالميّ. انتهَت هذه الفكرة. العالميُّ اليوم هو الاستهلاك. لذا، إذا أراد المرء دخول هذا الميدان العالميّ، فلا بدَّ له من دخول ميدان الاستهلاك. البديل الوحيد هو إعادة بناء فكرة التضامن العالميّ. لقد رأينا رأي العين كيف انهارَت هذه الفكرة: انظري فقط إلى سوريا. إنَّ الشعب السوريَّ يُكابد أعظم مأساةٍ عرفها العالم منذ الحرب العالميَّة الثانية؛ هذا ما يُردِّده الجميع بالمناسبة، لكنَّ الجميع أيضاً يكتفون بالمشاهدة وحسب، وكأنَّ شيئاً لم يحدث. عشرة ملايين لاجئ، عشرة ملايين لاجئ! ماذا يرقَبون أكثر من ذلك؟
هل ترى انهيارَ التضامن هذا ناجماً عن افتقارٍ إلى الخيال، أم افتقارٍ إلى الإرادة؟
باعتقادي، عن السببين معاً. وأعتقدُ أنَّ هذا الانهيار هو الصدمة الكبرى (في حقبة ما بعد الحرب الباردة). كان الأمر مذهلاً لأنَّنا لم ندرك أنَّه كان يحدث بالفعل. عندما سقط جدار برلين، كنَّا سعداء ظنَّاً منَّا أنَّه آن الأوان للاشتراكيَّة الحقيقيَّة، وأنَّ من شأن سقوط الإمبراطوريَّة السوفييتيَّة والديكتاتوريَّة أن يفسح المجال لفكرةٍ جديدة للعدالة الاجتماعيَّة. لكن ما حدث هو العكس، وأصبحَت أفكار الاشتراكيَّة والعدالة الاجتماعيَّة في مجتمعاتنا في خطر. انظري إلى ترامب، الذي يُريد إنهاء “أوباما كير”؛ مع العلم أنَّه إذا ما قورن الأخير ببرامج الرعاية الصحِّيَّة في فرنسا أو ألمانيا، فسيبدو قاصراً إلى أبعد الحدود! ومع ذلك، يريد ترامب تدميره لأنَّ الدولة ليسَت مسؤولةً عن رفاهية المجتمع. عندما نتوصَّل إلى أفكار مثل هذه، فيعني أنَّ كلَّ شيءٍ أمسى في خطر. وإنَّني أشعر بذعرٍ شديد؛ فالمؤشَّراتُ شديدة القتامة. كما أنَّنا نتحدَّث اليوم من جديد بالأساليب نفسها التي كانت الناس يتحدَّثون بها إبَّان صعود النازيَّة والفاشيَّة. ففي ذلك الوقت، كان الناس مندهشين لرؤية النتيجة. وأعتقدُ أنَّنا سائرون على دربٍ تفضي إلى نتيجةٍ مماثلة.
إذن، مفادُ حجَّتك أنَّ بعض المسائل أو المُثُل العليا أو القضايا قد أصبحت منفصلةً عن سياقاتها الأصليَّة، أي سياقات النضال التحرُّريّ، وبالتالي صار ممكناً تداولها بحرِّيَّةٍ حول العالم. ويجعلني هذا أفكِّر بأساليب “التضامن” عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، أو الطرق التي استلهمَت بها الحركاتُ الاجتماعيَّة في الولايات المتَّحدة فكرةَ الربيع العربيِّ منزوعةَ السياق، على سبيل المثال. في هذا السياق، ما هي وظيفة الأدب المتداول؟ هل هي إعادة تأسيس تلك الروابط العميقة، بمعنى خلَّاق؟
لا، لا، ليسَت تلك وظيفة الأدب أبداً. لا يمكن للأدب أن يؤسِّسَ أيَّ شيء. بمقدوره أنَّ يحرِّك الراكد في الأشياء، في الأفكار، في السلوكيَّات. لكن في حالة البنى، فذاك موضوعٌ آخر. وإلَّا فإنَّنا نطالبُ الأدب بأشياء لا يستطيعُ فعلها. فلا يستطيع الأدبُ تغيير المجتمعات. الأدبُ يغيِّرُ أدباً. وعندما نغيِّرُ أدباً نغيِّرُ الأفكار، ولهذا التغيير تأثيره بطبيعة الحال أيضاً. بيد أنَّ كتابة الأدب ليست ككتابة الكرَّاس. فأنا أكتب الرواية، لكنَّني أكتبُ أيضاً كرَّاساتٍ ومقالاتٍ على درجةٍ عالية من الاشتباك السياسيّ. كتابة مقالةٍ مشتبكةٍ سياسيَّاً تختلفُ كلِّيَّاً عن كتابة رواية. عندما يكتب المرء رواية، فإنَّه يهزُّ اللغة التي نَستخدمها في حياتنا اليوميَّة، ويطرحُ مناظير جديدة، وما إلى ذلك؛ أي أنَّه يهزُّ أسلوب حياتنا، وهذا بالطبع سيكون له أثره. لكنَّ التحليل ليسَ وظيفة الروائيّ. بل وظيفتُنا، والقضيَّة الرئيسيَّة أمام الكتَّاب اليوم، تتمثَّل في أن نكون نقديِّين -نقديِّين للغاية- وأحراراً. يجب على الأدب أن يدافع عن فكرة الحرِّيَّة باعتبارها فكرةً شاملة: فيدافع عن حرِّيَّة المرأة كجزءٍ من حرِّيَّة الطبقة العاملة، كجزءٍ من حرِّيَّة الشعوب المقهورة، وإلَّا فلا طائل منه.
إذن، كيف يرتبط مفهوم المتعة الذي ناقشناه في موضعٍ سابق بهذه الفكرة عن الحرِّيَّة الشاملة التي يمكن أن نصادفها في الأدب؟
أين المتعة؟ لعلمك، إنَّ أعظمَ متعةٍ في الحياة والعمل الفكريَّين هي قولُ الحقيقة دونما خوفٍ من العواقب. باعتقادي، هذه هي المتعة الأعظم. أعتقدُ أنَّ اللحظة التي تجرَّع فيها سقراط السمَّ كانت تعبيراً عن الحياة.
وهل يختبر القارئ الحرِّيَّة أيضاً من خلال الأدب؟
أعتقدُ أنَّ القرَّاء هم الكتَّاب الحقيقيّون. على سبيل المثال، ربَّما تأتين لتخبريني أنَّكِ قرأتِ روايةً وقد أعجبتك. سأقول لكِ حينها: هذا رائع، حدِّثيني عنها. ثمَّ ستكتبين كتاباً؛ ستبتكرينَ روايةً لأجلي! بطبيعة الحال، ما ستنطوي عليه روايتك سيكون مبنيَّاً على روايةٍ ما. وعلى المنوال نفسه، عندما نكتبُ روايات، فإنَّها تستندُ إلى رواياتٍ أخرى، إلى تجارب. وعلى هذا النحو، يصبحُ القارئُ الكاتبَ النهائيّ. لذا، أعتقدُ أنَّ بمقدور القارئ أن يَشغل موقعاً في غاية الأهمِّيَّة، بل، في بعض الأحيان، أكثر أهمِّيَّةً من الكاتب نفسه.
أخيراً، إذا تسنَّى لك تحرير سلسلةٍ عن الأدب العالميِّ باللغة العربيَّة اليوم، فماذا ستفعل؟
لا حاجةَ لنا اليوم بسلسلةٍ مثل “ذكريات الشعب”. لدينا الآن ترجماتٌ باللغة العربيَّة، حتَّى وإن كانت غير منهجيَّة. واقتراحي هو أن تولي دور النشر المعنيَّة بالأدب العربيِّ اهتماماً أفضل بهذه المسألة. لكن، إصدارُ سلسلةٍ اليوم؟ لا حاجةَ لنا بتكرار الماضي. لدينا مترجمون عن التركيَّة والفارسيَّة. لكن يتعيَّن على دور النشر الكبرى، في بيروت والقاهرة والدار البيضاء، أن تكون أكثر منهجيَّةً وتتعاطى مع هذه المهمَّة على نحوٍ أكثر جدِّيَّة.
ما نحتاجُ إليه اليوم هو سلسلةٌ تُعنى بالنقد الأدبيّ: أعني ترجماتٍ للنقد الأدبيِّ من الهند، وأميركا اللاتينيَّة، وأفريقيا. ربَّما سأضطلع بهذه المهمَّة، إذا سنحت لي الفرصة لمواصلة هذا النوع من العمل (نظراً لضيق وقتي). أعتقدُ أنَّ الوقت قد حان لترجمة النقد الأدبيِّ والاشتغال على تقديم هذا الحقل. ذلك أنَّ جميع طلَّابنا اليوم يَصبوُّن اهتمامهم على أميركا وإنكلترا وفرنسا وألمانيا، وبالتالي لا يعرفون سوى القليل عن تَطوُّر الحركات الأدبيَّة في أماكن مثل جنوب أفريقيا أو الهند. لذا أرى أنَّ هناك حاجةً ماسَّة لترجمة النقد الأدبيّ من مثل هذه الأماكن.





