مقالات فكرية

ما بعد الحضارة الاسلامية- حازم خيري

صورة بورتريه لرجل يرتدي بدلة زرقاء وقميص أبيض، مع ربطة عنق مخططة باللونين الأحمر والأبيض، يظهر تعبير وجهه الجاد في خلفية داكنة.

“فمن يرى تكفير أهل البدع من فرق الإسلام يكفرهم (الفلاسفة) أيضا به،

ومن يتوقف عن التكفير يقتصر على تكفيرهم بهذه المسائل(الثلاث)”

الإمام أبي حامد الغزالي

من كتاب تهافت الفلاسفة

وصلت حضارتنا الإسلامية على الأرجح الى طريق مسدود، والسؤال كيف حدث هذا؟!

حضارتنا نشأت في رحاب الأصل الديني، حتى أنها اخذت اسمها “الحضارة الإسلامية” من الديانة الإسلامية، وذلك على خلاف الحضارة الغربية مثلا التي أخذت اسمها من الموقع الجغرافي للغرب. ترتب على ذلك هيمنة مطلقة للتفكير الديني واقصد به نشدان الحقيقة في إطار الدين. لا يوجد للأسف متسع في حضارتنا للتفكير الفلسفي وأقصد به النشدان الحر للحقيقة..

أسهم في تعزيز قناعة العقل الجمعي في مجتمعاتنا بحتمية هيمنة التفكير الديني الجهل بأنوار التفكير الفلسفي أو التعامي عنها وكذا ما أحرزته حضارتنا الإسلامية لقرون عديدة من قوة وتوسع. حتى أنه بات مألوفا ان نسمع في المنتديات وعلى ألسنة العامة والمفكرين ـ وهم في ذلك سواء ـ، الأسف لما انتهى اليه وضع حضارتنا من انحطاط، وتمنى عودة الماضي المجيد.

حنين مرضي للماضي، واصرار غريب على استعادة الماضي البعيد بنفس طريقة تشييده، دون أدنى اعتبار لأمور منها: ما اعترى ذلك الماضي ـ وهو لا شك عظيم في بعض جوانبه ـ من مثالب غطى عليها حب الناس للإسلام وللآباء المؤسسين للحضارة الإسلامية. ومنها ايضا تطور الحياة على نحو غير مسبوق وتغير مصادر القوة التقليدية إلى مصادر أكثر تطورا وتعقيدا.

من هنا تظهر الحاجة الماسة لإعادة النظر في هيمنة التفكير الديني وكذا مخاطر نفي التفكير الفلسفي في مجتمعاتنا. ما يدرس في مدارسنا ومعاهدنا من شذرات التفكير الفلسفي، لا يمت للتفكير الفلسفي الحقيقي بصلة، محض فلسفة “الضرار”، تسعى لمزج الفلسفة بالدين، مما يجرد التفكير الفلسفي من زخمه الهائل، خاصة في العلوم الإنسانية، ويحيله لمجرد قشرة! إذا تصالح الدين والفلسفة في قلب وعقل مفكر، فضررهما أكثر من نفعهما، الدين والفلسفة رفاق درب، غايتهما خير الإنسان، بينهما تجاذبات، لكن المجتمع المتحضر يجعل منها تجاذبات خلاقة.

حضارة بلا تفكير فلسفي هي حضارة عرجاء، محكومة بالعجز، صحيح ـ وكما ذكرت سلفا ـ أن حضارتنا الإسلامية حققت مكاسب دنيوية في الماضي، من قوة وتوسع، لكنها افتقدت دوما التسامح مع التفكير الفلسفي، اقصد التفكير غير المقيد بحدود، والبحث الحر عن الحقيقة.

عندما هيمنت طريقة التفكير الديني في العصور الوسطى على عقول وقلوب ابناء الحضارة الغربية على نحو شديد القتامة، لم يجد الفلاسفة هناك صعوبة شديدة في التمكين للتفكير الفلسفي في مجتمعاتهم، ساعدهم على ذلك وجود ظهير فلسفي ضخم (الفلسفة اليونانية). أما حضارتنا الإسلامية فليس بها ظهير فلسفي، مما يعقد مسألة توطين التفكير الفلسفي والسماح بفلاسفة من أبناء حضارتنا، يفكرون بحرية من خارج طريق التفكير الديني، وفي نفس الوقت لا يعادون ولا يهدمون حضارة هم من نسيجها، بل يعمدون إلى نقدها وتطويرها على نحو مستدام..

ثمة صعوبات اخرى تواجه مسالة توطين التفكير الفلسفي في حضارتنا منها ان ابجديات التفكير الفلسفي هي الشك في الأديان، والشك في الدين يضعف التدين، ومجتمعاتنا شديدة التدين، لا تعرف سوى طريق التفكير الديني. والحق ان الأديان مهمة جدا للإنسان والمجتمع، لأنها تساعد على تماسك المجتمع وعلى تحلى افراده بقدر غير قليل من الالتزام الأخلاقي، فضلا عن أن طبيعة الإنسان عموما أميل لسلوك الطريق السهل، وأقرب للانخراط في العقل الجمعي..
المشكلة هي أن “المحبة القسرية” التي يفرضها شديدو التدين على سالكي طريق التفكير الفلسفي، تدفعهم اما لقتل الفيلسوف لتطهيره او التضييق عليه ومحاولة رده لحظيرة التفكير الديني. والمربك في المسألة هو ان المتدين الفارض لمحبته القسرية على ممارس الفلسفة، يكون مخلصا ومحبا لدينه وللفيلسوف ايضا، مشفقا عليه من طريق الزيغ والضلال، حريصا على هدايته!

فهو يري ان استنساخ نجاحات ماضينا الحضاري هو الحل، رغم أن هذا الاستنساخ ـ إن هو حصل ـ سيظل فاقدا للزخم الفكري الهائل الذي يولد من رحم التفكير الفلسفي، خاصة في العلوم الإنسانية. حاجتنا ماسة لشق وتعبيد طريق رحب للتفكير الفلسفي في صخرة حضارتنا، جنبا إلى جنب مع طريق التفكير الديني، حاجتنا ماسة لرئة جديدة تتنفس من خلالها حضارتنا المتعبة!

لو كان البقاء مرهونا بقوة الحضارة او شدة تدين أبنائها لكانت الحضارة الاسلامية حافظت على مكانتها ومكاسبها الدنيوية، لكن البقاء على الأرجح للحضارة الأكثر استجابة للتغيير من خلال النقد والتطوير المستدامين، وهو ما ينهض به أصحاب التفكير الفلسفي بلا خوف او تردد..

كارثة حضارية كالهوس الجنسي في مجتمعاتنا شديدة التدين، بذل أصحاب التفكير الديني أقصى جهدهم في ردع المتحرشين وتخويفهم بالنار ورغم ذلك وصل التحرش للمنقبات والأطفال! التربية الفلسفية من الممكن ان تسهم بقوة في هذا الصدد، لأنها تركز على بناء الوازع الداخلي وهو الضمير، فالفعل الأخلاقي في التربية الفلسفية منبعه الأساسي داخلي وهو الضمير.

ميراثنا الحضاري كنز مهدور، تثمينه يكون بالسماح بتواجد التربية الفلسفية وفلاسفة يسهمون بفلسفاتهم في تعليم الأجيال الجديدة الذائقة الأخلاقية وكيفية تخريب التراث على نحو خلاق وليس جعله صنما يعبد من دون الله. فالموت، وهو تمزيق لحائط الحياة الصلد، يعلمنا كل لحظة ان التغيير سنة كونية، وأنه لا تأبيد ولا تقديس لفكرة أو إنسان ـ مهما بلغا في الأرض علواـ!!

وربما يتسنى لحضارتنا الإسلامية بفضل السماح بتواجد التربية الفلسفية وافراز فلاسفة ومفكرين مستقلين من نسيجها، التطور الى ما يمكن تسميته “ما بعد الحضارة الإسلامية” حيث تحتفظ مجتمعاتنا بخصوصيتها الحضارية وطريقتها الخاصة في التطور، على غرار مرور الحضارة الغربية بمراحل من الحضارة اليونانية إلى نسختها الحالية، وهي الحضارة الغربية الحديثة.

حديثي هذا لا يعني أن الغرب هو النموذج المنشود بل على العكس قد يكون جزءا من المشكلة، فالحضارة الغربية وبرغم ما احرزته وتحرزه من مكاسب دنيوية هائلة، تشوبها المثالب الأخلاقية في جوانب عديدة، ليس المجال هنا لسردها، يكفي أن نرى أنانيتها في التعامل مع بقية الحضارات الأخرى ومنها حضارتنا الإسلامية، هي لا تدخر جهدا في تكريس تخلفنا وحصارنا في دائرة جهنمية. يساعدها على ذك هيمنة أصحاب التفكير الديني في ربوعنا، بكل ما تنطوي عليه طريقة تفكيرهم من تكرار وجمود، بعيدا عن مستقبل مجهول قد يفسد عليهم طمأنينتهم، فالماضي أكثر أمنا، فقد اختبر وجاء بثمار يرونها نهاية التاريخ، ويراها الفلاسفة خطوة في طريق الحياة!

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading