ليلٌ لا ينتهي – مرتضى يوسف
ما عادَ الليلُ ليلًا، وما عادت الكلماتُ تخرجُ كما كانتْ… كلُّ شيءٍ سُرقَ مني، حتى أنا، حتى صوتي الذي كنتُ أصدحُ بهِ كأنّي نايٌ يحترفُ البكاء.
أين أنتِ؟
كم مرةٍ سألتُ هذا السؤال للريح، فمرّتْ عليَّ باردةً، كأنّها لا تحملُ سوى صمتِكِ؟ كم مرةٍ حدّقتُ في السماءِ، فلم أجدْ غيمًا أكتبُ عليهِ اسْمَكِ، ولا نجمًا يبعثُ لي بريقَكِ؟ أين ذهبتِ، وأين خبّأتِ الأيامَ التي كانت تشبهُ النورَ في عتمةِ حياتي؟
كلُّ شيءٍ توقفَ مذ رحلتِ.
لم تعد القصائدُ تقرعُ بابي، ولا الحروفُ تتزاحمُ في رأسي كما كانتْ… كأنّني شاعرٌ نُزِعَ منهُ وحيُه، كأنني قصيدةٌ مشطورةُ القلب، مبتورةُ النبض، كأنني شيءٌ تُركَ في منتصفِ العدمِ بلا جهةٍ، بلا ملامحَ، بلا ظل.
أما زلتِ على قيدِ الوجود؟ أم أنني أرثي حلمًا رحلَ دونَ وداع؟
أحيانًا أتخيلُكِ هناك، في مدينةٍ غريبةٍ، تتفقدينَ نافذةً مغلقةً على نصفِ سماء، وترفعينَ يديكِ كمن يحاولُ لملمةَ هواءِ غائب… هل تفكرينَ بي؟ أم أنّ الحربَ التهمتْ حتى الذكريات؟
الحربُ ليست فقط مدافعَ تملأُ الأرضَ بالدخان، بل هي تلك اللحظةُ التي يمضي فيها العمرُ ونحنُ عالقونَ في سؤالٍ بلا إجابة.
الحربُ هي أن تكوني أنتِ في جهةٍ، وأنا في جهةٍ أخرى، بيننا خرائطُ لا تُرى، وجدرانٌ لا تهدمها الأصوات، وساعاتٌ متوقفةٌ لا يدري أحدٌ من يحرّكها من جديد.
أنا هنا، في المكانِ ذاتهِ الذي كنتِ تعرفينَه، لكنّه أصبحَ بلا ملامح، كأنّه بيتٌ هجرهُ الضوء.
أنا هنا، أكتبُ إليكِ، وأعرفُ أنكِ قد لا تقرئينَ أبدًا، لكنني أكتبُ لأنّ الكتابةَ هي الشيءُ الوحيدُ الذي لم يُسرَقْ منّي بعد.






