ليست النّائحةُ الثّكلى كالنّائحةِ المُستأجرة – أسامة عكاشة

ــــــــــــــــــــــــــ
ليس كلُّ صوتٍ يُرفع وعظًا، ولا كلُّ لفظٍ يُرصَف بيانًا؛ فإنَّ الكلمة إن لم تُولد من لوعةٍ صادقة خرجت يتيمةَ الروح، وإن لبست حُلَل البلاغة وتزخرفت بزينة السجع. وقديـمًا قيل، وهو قولٌ جرى مجرى القاعدة: ليست النائحةُ الثَّكلى كالنائحةِ المستأجَرة؛ فالثكلى تُنادي وجعها، والمستأجَرة تُؤدِّي صَنعة، وبين النداء والصنعة بونٌ بعيد.
وقد تأمّلتُ أحوال الوعّاظ، فإذا أقوامٌ تدور ألسنتهم ولا تتحرّك القلوب، ويُطنّ كلامهم في الأسماع طنينَ الذباب على صخرٍ أصمّ؛ لا يخرق حجابًا، ولا يُسيل عبرة، ولا يُقيم ميزانًا. وإذا آخرون تسبق دموعهم ألفاظهم، وتخرج كلماتهم محمّلةً بحرارة الصدق، فتهتزّ لها الأفئدة، وتخشع لها الجوارح، ويُصغي لهم الناس إصغاءَ من أُخذ بمجامع قلبه، كأنما الطير قد وُقِف على الرؤوس.
وهذه الشكوى ليست بدعًا من القول، بل هي ميراثٌ قديمٌ تداولته صدور العلماء؛ فقد سأل ذرٌّ أباه عمرَ بن ذرّ — وكان ممن رُزق حظًّا من صدق الوعظ —: ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد، فإذا تكلمتَ سمعتُ البكاء من هاهنا وهاهنا؟ فقال: يا بني، ليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى. جوابٌ وَفَى فأغنى، وفَصَل فأقنع؛ إذ أحال العلّة على أصلها، وردّ الفرع إلى جذره.
فمن وعظ وقلبُه مرتعُ نفاقٍ مُستوطن، وقسوةٌ قد استحكمت حتى صارت طبيعةً لا طارئة، فكيف يُرجى لكلامه نفاذ؟ وكيف يُنتظر من عينه دمعة، وهي جامدة كالجليد، ومن فؤاده رقّة، وهو كالجلمود لا يتصدّع؟
المستأجَر للوعظ، يَلوك الألفاظ كما تُلوك العجفاءُ طعامًا لا غذاء فيه، ويجترّ العبارات اجترارًا، لا يجاوز بها مخارج الحروف إلى منازل المعاني، ويتشدّق بسجعٍ مُتكلَّفٍ لا روح فيه ولا حرارة، فكأن كلامه جسدٌ بلا نفس، وصورةٌ بلا حياة. هذا يُحسِن الصياغة ويُسيء الإخلاص، ويُتقِن الإلقاء ويجهل البلاء، فلا عجب إن مرّ كلامه مرَّ الريح العقيم.
وأما الثكلى — وهو الواعظ الصادق — فقد سبقته المحنة إلى قلبه، فصار قوله أثرَ أثر، لا صدى صدى؛ يحدّث عن وجعٍ جرّبه، وعن خوفٍ ذاقه، وعن تقصيرٍ أقامه بين يدي نفسه مقام الخصم والحَكَم. فإذا تكلم تكلّم بلسان الحال قبل لسان المقال، فكان لكلامه سلطانٌ لا يُقاوَم، وهيبةٌ لا تُستعار،
فلا تطلب الأثر من لفظٍ بلا صدق، ولا تنتظر حياةً من قولٍ لم يُسقَ بدمعٍ ولا تُوقِده توبة؛ فإن الوعظ نارٌ، لا يُمسكها إلا من احترق بها أولًا.





