لوحة (قفا نبكِ) للفنان عباس الطائي – قراءة تحليلية✍️ د. وجدان الخشاب / العراق


حجم اللوحة: 50/70سم
سنة الانجاز: 1430ه / 2009م
لم يكتف الفنان عباس بخط الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، والأقوال المأثورة، بل كان له جهد آخر تمثّـل في توظيف واستلهام الموروث الحضاري – الثقافي المتمثِّـل بالشعر في لوحاته الخطيّـة، فأضفى بذلك صفة الأصالة الحضارية والثقافية عليها، وحقق تضايفًا دلاليًا متفاعلا بين كلمات النص والرموز التشكيلية المرسومة؛ لينتج الوحدة الكلية للّـوحة.
يعتمد التكوين في هذه اللوحة على مجموعة من العناصر الفنية، هي:
1/ الكتلتان الرئيستان الخطيّـتان والمتمثلتان بشطري البيت الشعري.
2/ الكتلة الثانوية (التشكيلات التزيينية).
3/ الأشكال أو الرموز التشكيلية.
4/ أرضية اللوحة.
في هذه اللوحة اختار الفنان عباس مطلع معلّـقة الشاعر الجاهلي امرىء القيس، والتي تنصُّ على البيت الشعري التالي:
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
ليكون هو الكتلة الرئيسة التي تؤازرها رموز تشكيلية ترتبط دلاليًا بهذا البيت، ولهذا عمد الى تكوين يقسّم مساحة اللوحة على قسمين غير متساويين، يضم الأول وهو القسم الأعلى الذي شغل ثلثي مساحتها الشطر الأول من المطلع، مع رمز تشكيلي هو العين، ويضم القسم الثاني الشطر الثاني للمطلع ورموز تشكيلية تمثّـلت بالأرض وكومة الأحجار والبيتين والنخلتين.
تتميز العلاقة بين الإنسان والمكان بكونها جدلية فيها الكثير من التأمّـل والتأثر والتأثير، أمّـا الإنسان العربي فروحه ترتبط بمكانه ارتباطًا عضويًا لما فيه من خصوصية وأصالة تتجلّى في نتاجاته الإبداعية ومنها هذه المُـعلّـقة، حيث يشير البيت الشعري الى طلب الشاعر من رفيقيه التوقف والبكاء معه على الأطلال، وهي الدار المندرسة التي كانت تسكنها حبيبته ثم فارقتها، وله فيها ذكريات جميلة تثير أحزانه، والحزن انفعال يكشف عن حالة نفسية عميقة تتشابك فيها الأحاسيس والمشاعر، وهذا ما دفع الفنان عباس الى اختيار خط جلي الديواني للشطر الأول منه، فالاختيار كان قصديًا لما يمتلكه هذا الخط من تراكيب متشابكة تتطابق مع انفعالات الشاعر النفسية، فحقق بُـعدًا جماليًا لافتًا لنظر المشاهد؛ وذلك لتناسب نوعية الخط مع دلالة البيت الشعري.
يلاحظ المتأمل في كتلة الشطر تعدد مستويات الكتابة الخطية للتركيب الثقيل لخط جلي الديواني، حيث أفادت من خاصيتي الرفع والخفض المكاني في الحروف والكلمات والنقاط، وابتدأت بكلمة (قـفا) التي اعتمد فيها الفنان عباس على تلويز أي تدوير رأس حرف القاف، وتحديق أي تبييض وسط حرف الفاء، محققًا بذلك خاصية التباين بين شكليهما، وأسهم حرف القاف مع إحدى نقطتيه في تحقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهتها اليمنى، واتخذت النقطتان موقعهما فوق تدويرته لتشغلا مساحة الفراغ البيني، وكانتا بشكل متوازي الأضلاع المتكرر الأُفـقـي، وتحققت خاصية التباين الحجمي بين نقطتي حرف القاف ونقطة حرف الفاء، أمّا حرف الألف فقد أخرجه باستطالة مبالغ بها في الجزء القائم منه، بحيث ظهر وكأنّـه عمود أو سياج للعين الإنسانية من جهة اليمين.
أفاد الفنان من خاصية الرفع المكاني أيضًا، فرفع كلمة (نبكِ) بحيث اتخذ حرف النون من حرف الفاء في كلمة (قـفا) قاعدة يرتفع فوقها، وأخرجه بشكل مقعّـر قليلا، وصغير الحجم نسبيًا، واتخذت نقطته شكلا دائريًا؛ لتحقق خاصية التباين الشكلي مع النقاط الأُخرى من جهة، وتنويعًا اخراجيًا منح الكتلة ثراءً بصريًا من جهة مقابلة، فضلا عن اسهام حرف النون ونقطته في تحقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهتها اليمنى.
وفي إخراجه الفني لحرف الباء، حقق خاصيتي التراكب والتقاطع في بداية حرف الباء مع حرف الألف من كلمة (قـفا)، فأوجد البُـعد الثالث الوهمي، والحركة الضمنية الوهمية أيضًا، كما أفاد من خاصية المد فمدَّ حرف الباء بحيث تصبح تقويسته قاعدة للعين الإنسانية، وتصرّف بشكل النقطة في حرفي النون والباء فجعله دائريًا لتحقيق التباين الشكلي والحجمي، ولكنَّه أفاد من الإبعاد المكاني فمنحها موقعًا داخل تقويسة الألف المقصورة من كلمة (ذكرى)، فشغل بذلك جزءاً من الفراغ البيني.
وعالج حرف الكاف معالجة فنية، تمثّـلت بمنح الجزء القائم منه استطالة مبالغًا بها؛ لكي يصبح السياج الثاني للعين الإنسانية من جهة يسار الكتلة، فحقق خاصيتي التوازي والتوازن بين الجزء القائم من حرف الكاف من كلمة (نبكِ) وحرف الألف من كلمة (قفا) من جهة مقابلة، أما تقويسته فكانت متباينة من حيث الحجم مع تقويسة حرف الكاف التي كانت أصغر حجمًا، ومنح نهايتها حركة اتجاهية نحو يمين اللوحة بحيث تتصل مع الجزء القائم من الحرف نفسه، واستقرت همزته داخل تقويسته التي أصبحت قاعدة له.
في تعامله الفني مع كلمة (من) يلاحظ المتأمل أنَّ الفنان عباس خطَّ حرف الميم على شكل مستطيل بدون تحديق، ومنحه امتدادًا مقوّسًا تقويسة صغيرة؛ لكي يتصل بحرف النون، محققًا بذلك خاصية التأليف، وأخرج هذا الحرف بطريقة مختلفة، حيث منحه تقويسة كاملة ومتصلة مع حرف الذال من كلمة (ذكرى) التي خطّـها بحيث يكون الجزء الثاني منها مرسلا، وينتهي باتصاله بحرف الراء من الكلمة نفسها، فحقق بذلك خاصية التأليف؛ لأنّ حقه الانفصال وليس الاتصال، واختار مركز الدائرة ليكتب نقطة حرف الذال الدائرية الشكل، وبذلك منح هذا الجزء حركية وحيوية وتوازنًا لافتًا للنظر.
واعتمادًا على خاصية الرفع المكاني عمد الى رفع حرف الكاف من كلمة (ذكرى)، وأفاد من خاصية الاستبدال، فأبدل شكل الجزء الأول من حرف الكاف بشكل كاف وسطية صغيرة، فأضفى عليها مسحة جمالية، وخطَّ حرف الراء منها على شكل الراء المرسلة، وأنتج تناسقًا لافتًا للنظر في خطّـه لتقويسة حرف الألف المقصورة بموقع مقارب لحرف الراء، أمّـا نهايته فقد رفعها مكانيًا بحيث تتصل بتقويسة حرف الباء من كلمة (حبيب) من الأسفل؛ ليحقق خاصية التأليف.
إنَّ التنغيم الإيقاعي الذي يعتمده الفنان، يكشف عن مدى قدرته ومهارته في كتابة الحروف بشكل متنوّع في الخط الواحد، وهذا ما سيلاحظه المتأمل في تعامل الفنان عباس مع الحروف في هذه اللوحة، وكذلك الكلمات التي تتخذ مواقعها بشكلٍ مدروس بعنايةٍ وإتقان، ففي خطّـه لكلمة (حبيب) أخرجها بشكل مائل يبدأ من جهة يمين الكتلة الخطيّـة، وينتهي في أقصى يسارها، وفي إخراجه الفني لحرف الحاء منها ابتدأ بخطه بالتفافة صغيرة ثم حركة اتجاهية مائلة وصاعدة نحو الأعلى بحيث يقطع امتداد حرف الألف من كلمة (قـفا)، ثم اتخذ حركة اتجاهية مائلة نحو يسار الكتلة الخطية ونازلة الى الأسفل لخط حرفي الباء والياء بتقويسات صغيرة تباينت حجميًا مع تقويسة حرف الباء الأخير من الكلمة، والذي عالجه بمنح ثقل تقويسه في جهة اليسار وليس في الوسط، وأفاد من خاصية التنصيل لحروف خط جلي الديواني؛ ليمدّ نهايته بحركة اتجاهية صاعدة نحو الأعلى، وتنتهي متصلة من الأسفل بتقويسة حرف اللام من كلمة (منزل)، فحقق بذلك خاصية التأليف.
اعتمد الفنان عباس على التصرّف في أشكال النقاط في كلمة (حبيب) أيضًا، فنقطة الباء الأُولى اتخذت شكلا دائريًا، وتوسطت تقويسة حرف الألف المقصورة من كلمة (ذكرى)، ونقطتا حرف الياء اتخذتا شكل متوازي المستطيلات العمودي المدمج، وكانت نقطة حرف الباء الأخير دائرية الشكل، فأسهم هذا التنويع الشكلي والموقعي في اشغال الفراغات البينية، وحـوّلها الى مساحات ايجابية منحت الكتلة الخطية تراصًا متكاملا.
يكشف الاستغلال الأمثل لمساحة الكتلة الخطيّـة عن امكانية الفنان في تنفيذ خاصية الانسجام المتآلف بين الحروف والكلمات، بحيث لا ينفر حرف أو كلمة فتجـرّد الكتلة من هذه الخاصية، وتعمل على تنفير المتلقي وذهاب متعته وتذوّقه للّوحة، والمتأمل في اشتغال الفنان عباس يلاحظ قدرته على ترتيبها المنسجم الذي يشغل مساحاتها بحيث يحقق خاصية توفية حروفها، فضلا عن تحقيق البُـعد الجمالي لمظهرها، وهذا ما سيجده المتأمل في استغلاله للفراغ الكائن فوق تقويسة حرف الباء الأخير من كلمة (حبيب) لخط حرف الواو وحرفي الميم والنون من كلمة (منزل)، بحيث أصبحت قاعدة تحتضنهما معًا، وخـطَّ حرف الواو المرسل بإرسال مبالغ به ليحتضن حرف الميم من كلمة (منزل)، محدِثًا بذلك تركيبًا ثقيلا.
واتبع خاصية التكرار في خطه لهذا الحرف الذي منحه حركة اتجاهية مائلة نحو الأسفل، فاتسق بذلك مع اتجاه كلمة (حبيب)، كما اعتمد أيضًا على هذه الخاصية في خطه لحرف الميم منها الذي تشابه شكلا وحجمًا مع حرف الميم من كلمة (من) السابقة، أمّـا إخراجه لحرف النون فكان بخطّـه بتقويسة صغيرة وثخينة من الأسفل، لينتهي باتصاله مع حرف الزاي من الاسفل فحقق بذلك خاصية التأليف، ورفع حرف الزاي مكانيًا بحيث يبدأ من داخل تقويسة حرف الكاف من كلمة (نبك)، ويمتد شكله المرسل بحركة اتجاهية نازلة الى الأسفل بحيث يتراكب ويتقاطع مع تقويسة حرف الباء من كلمة (حبيب)؛ فأنتج في الموقعين بُعدًا ثالثًا وهميًا وحركة ضمنية ايهامية، واتخذت نقطته موقعها داخل تقويسة حرف الكاف، وكانت على شكل متوازي الأضلاع.
لتحقيق التنويع في الإخراج الشكلي للحروف القائمة اشتغل الفنان عباس باتجاه تزيين الجزء القائم من حرف اللام في كلمة (منزل) بترويسة على شكل زلفٍ صغير في جهة اليسار، وتقويسة راجعة تنتهي متصلة بالجزء المقوّس من حرف الكاف في كلمة (نبك)، وبهذا حقق خاصية التكرار بين حرفي الكاف واللام من جهة، وخاصية التأليف من جهة ثانية، وأسهم في تحقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهتها اليسرى.
يكشف البيت الشعري للشاعر امرىء القيس عن كلمة محورية دلاليًا هي كلمة (نبكِ)، ولهذا اختار الفنان عباس رسم العين الدامعة بوصفها رمزًا للبكاء، ومنح هذه الكلمة إخراجًا لافتًا للنظر _كما أشرت سابقًا_ وكذلك موقعًا متميزًا في أعلى التكوين؛ لكي يجذب عين المشاهد إليها فيشعر بالتآزر الدلالي بينهما، وهذا ما سيشتغل باتجاه إثارته انفعاليًا، فيتعاطف مع حزن الشاعر من جهة، ومع مشاعر وأحاسيس الفنان الذي عـبّـرَ عن تعاطفه أيضًا من خلال اختياره لهذا البيت الشعري، وإجادته في إخراج اللوحة ككلٍ مُـعـبِّرٍ عن حالة الحزن.
وبما أنَّ البكاء هو استجابة عاطفية لمشاعر الحزن والألم، فقد كان لا بد للفنان عباس من نقل هذه المشاعر وتجسيدها في مشهد العين بتعبيرية فنية وليس بالنقل الجامد لمنظر العين الدامعة واقعيًا، ولهذا اختار لها مشهدًا أماميًا مباشرًا، واهتمَّ بتظهير تفاصيلها حيث يشوب بياضها وجفنها الأسفل مسحة من اللون الأحمر للدلالة على شدّة البكاء، وأحاط البؤبؤ بدائرة ملوّنة باللون الأبيض المشوب بالحمرة أيضًا، أمّـا الحدقة فلم تظهر كاملة بل يغطي الجفن العلوي جزءاً منها فأوحى بالعمق، وشغل مساحة الجفن العلوي باللون البنيّ المتدرّج بين الدرجة الغامقة والفاتحة والمتداخل، واتخذ الحاجب اللون الأسود المشوب بالرمادي، وكان لا بُـدَّ للدمعة النازلة من مساحة خد تنزل عليها، ولهذا رسم الفنان عباس جزءا من الخد ولوّنه بلون البشرة، فأحدث بذلك تجانسًا لونيًا بين الخد والجفن.
شغل الفنان الفراغات البينية والمحيطية بمجموعة من التشكيلات التزيينية مثل العلامات الإعرابية، التي تمثّـلت بالفتحة والضمة والسكون والتنوين، وكذلك المـدّة، وعلامة الفاصلة التي خطّـها باتجاهات متعددة، وحرف الميم الصغير، والرقم (7)، فأسهمت في إشغال هذه الفراغات، ومنحت مشهد الكتلة تراصًا وحركية وتناسقًا.
إنَّ الخط الكوفي من أقدم أنواع الخطوط العربية وأبسطها شكلا؛ لأنّـه يخلو من خاصية التركيب، ولا يحتاج الى الضفر والعقد في حروفه العمودية، كما يخلو أيضًا من التشكيلات التزيينية، ويبدو شكله أقرب ما يكون الى الأشكال الهندسية؛ لأنَّه يعتمد غالبًا على الخطوط المستقيمة التي تتميّـز بمظهرها الأُفـقـي، وتتعامد عليها الحروف العمودية فتشِّـكل زواياه، ويعتمد قواعديًا على تسطير الكلمات بشكل نظامي، وحركة اتجاهية أُفـقية تبدأ من جهة اليمين وتنتهي يسارًا، وينطلق الفنان عباس في اختياره لخطِّ الشطر الثاني من البيت الشعري من منطلق التنويع الخطي من جهة، ولمنح المشاهد فرصة التركيز الدلالي على البيت الشعري الأول؛ ولذلك اختار التباين اللوني أيضًا، حيث أنَّ الحبر الأسود يمنح الكتلة مظهرًا فخمًا وجميلا؛ ولهذا اختاره لخط الشطر الأول، أمّـا الشطر الثاني فقد خطّـه بالحبر الأزرق المتوسط الدرجة؛ لكونه يكمل الشطر الأول دلاليًا.
يبدأ حرف الباء في كلمة (بسقط) بميلان بسيط نحو الجهة اليسرى للكتلة، ويكوّن زاوية مع الجزء الأُفـقـي منه، ويتخذ أول سنّ من أسنان حرف السين طولا نسبيًا؛ لكي يتميّـز عن حرف الباء، ويشكِّل زاوية أيضًا مع الجزء الأُفـقـي منه، وهذا ما أسهم في تحقيق خاصية التكرار الشكلي، أمّـا حرف القاف فقد خطّـه الفنان عباس بالطريقة ذاتها التي خطَّ بها الحروف السابقة، ثم منحه تدويرة صغيرة بدون أن يطمس عـقدته، فحقق بذلك خاصية التحديق.
من الصفات التي يتمتع بها الخط الكوفي القديم هي منح الفنان امكانية تنصيل حرف الطاء وما شابهه، وهذا ما أفاد منه الفنان عباس في تنصيل الجزء الأُفـقـي منه، وخطَّ الجزء القائم منه بدون ترويس وهذا أيضًا من قواعد هذا النوع من الخطوط.
في إخراجه الفني لكلمة (اللوى) خطَّ حرف الألف بطول مبالغ به في الجزء القائم منه، وينتهي بقوس صغير يأخذ حركة اتجاهية نحو يمين الكتلة، وهذا أيضًا من أُصول كتابته في الخط الكوفي القديم، وعالج حرف اللام المتكرر بشكل قائم مع تزوية وبدون ترويس، ولكنه حقق ايقاعًا جميلا في الطول المتناقص لحروف الألف واللام المتكررة، وأخرج حرف الواو بتكرار الجزء المدوّر منها بالشكل نفسه الذي خطَّ به حرف القاف من كلمة (بسقط) ليحقق ايقاعًا متناسبًا بينهما، وأنهى شكله بدون تشظية.
إنَّ صفة اليباس التي عُـرِفَ بها هذا النوع من الخط تتجلّـى _ فضلا عمّـا أشرت إليه سابقًا _ في طريقة إخراج حرف الألف المقصورة الراجعة، حيث أنَّ تدويرته تخلو من صفة المرونة، وتنتهي بدون تشظية.
في كلمة (بين) عمد الفنان عباس الى الإخراج الفني لحرفي الباء والياء بالشكل نفسه الذي أخرج به حرف الباء من كلمة (بسقـط)، فحقـق بذلك خاصية التكرار، أمّـا حرف النون فقد أخرجه بتصرّفٍ في شكله الذي بدأ بخط مائل وبحركة اتجاهية من جهة يسار الكتلة، ثم حركة اتجاهية نازلة الى الاسفل بخط مستقيم، ثم امتداد أُفـقـي قصير متجه نحو جهة اليسار.
تشير الملاحظة التتابعية لهذا الشطر الى أنّ الفنان اشتغل باتجاه تحقيق خاصية التكرار في حرف الألف من كلمة (الدخول) والذي تشابه شكلا مع مثيله في كلمة (اللوى)، وفي الوقت نفسه حقق خاصية التباين بينهما لاختلافهما الحجمي، وتحقق التباين أيضًا في حجم هذا الحرف مع حجم حرف الألف الذي يوازيه رغم خفضه المكاني، واتخذ حرف الدال شكله بتقويسة صغيرة، أمّـا حرف الحاء فخطّـه بشكله المثلث، وحقق خاصية التكرار الشكلي في حرف الواو، ومنح حرف اللام استطالة مبالغًا بها لتنفيذ التنويع الحجمي.
في كلمة (فحومل) اعتمد الفنان أيضًا على خاصية التكرار الشكلي لحرف الواو الذي تشابه مع حرف القاف من كلمة (بسقط)، وكذلك حرف الحاء مع حرف الخاء، وحرف الواو أيضاً، أمّـا حرف الميم فقد استـقّـر على السطر، فيما أفاد من خاصية الرفع المكاني لحرف اللام.
يختلف الخط الكوفي القديم عن غيره من الخطوط العربية؛ لأنّه يخلو غالبًا من تنقيط الحروف ومن التشكيلات التزيينية والزخارف أحيانًا، لكنَّ الفنان عباس استخدم النقاط التي تمثّـلت بالخطوط القصيرة المائلة التي تشبه الفتحة والكسرة، فالنقطة الواحدة يمثّلها خط واحد، والنقطتان يمثّـلهما خط مكرر، وهذا ما استعمله بعض الخطاطين في عصور متعددة.
في أرضية اللوحة اختار الفنان عباس تمثيل دلالة البيت الشعري برموز تشكيلية تنهض على علاقة جوهرية بين الشعر والتشكيل، فاستحضر المكان تخيليًا، ولكنه استحضار مرتبط بدلالة البيت الشعري؛ ولهذا رسمه بمنظر أمامي مباشر، والبداية كانت من الجزء الأسفل من اللوحة التي اختار لها عنصرًا تشكيليًا هو الرمل بلونه الرمادي المتدرّج والمتداخل، والذي تكوّمت عليه مجموعة من الأحجار بلونها البنيّ المتدرج المقارب للون الأحجار الطبيعية، وفي البُـعد الثالث اتخذت أطلال الدور مواقعها، واختار لها اللون الطيني المغبر والمشوب باللون الأسود للدلالة على كونها مهجورة؛ ولهذا تخلو من إمارات الحياة فلا إنسان ولا حيوان في مشهد اللوحة، وتمتدُّ الأرض في المساحة التي تقع خلف البيوت، فيما تبدو نخلتان في البُـعد الثالث الوهمي.
ويقسم خط الأُفـق مساحة أرضية اللوحة؛ ليشغل اللون البرتقالي الفضاء ويعلوه اللون الأصفر، وهما لونا ضوء الشمس عند المغيب فدلالتهما زمنية، ويشغل اللون الأبيض المطفأ مساحة الفراغ الذي أصبح أرضية للكتلة الخطيّـة الأُولى.





