لوحة (طرقتُ باب الرجاء) للفنان الخطاط عباس الطائي – قراءة تحليلية


د. وجدان الخشاب / العراق
حجم اللوحة: 50/70سم
تاريخ الانتاج: 1429ه / 2008م
نشأ التكوين في هذه اللوحة معتمدًا على العناصر التالية:
1/ الكتلة الرئيسة الخطيّـة: التي خطَّ فيها بيتين شعريين من قصيدة للإمام الشافعي، هما:
طرقت باب الرجاء والناس قد رقدوا
وَبِتُّ أشكو إلى مولاي مـا أجـدُ
وقُـلتُ يا أمَلـي فـي كـلِّ نائبـة
ومَن عليه لكشف الضُّـرِّ أعتمـد
2/ الأشكال المرسومة: وتمثّـلت بالجامع، والورقة التي خطَّ عليها البيتينِ الشعريينِ.
3/ أرضية اللوحة: المتمثلة بأرضية اللوحة، أي السماء، وأرضية الورقة.
وسأبدأُ بقراءتها منطلقة من الأرضية التي فرشها على خامة اللوحة، وهي أرضية تكتنز بالدلالات من خلال اللون والرمز، فمن حيث اللون كان اختياره للون الأزرق الذي عُـرِفَ بأنّـه واحد من سمات الفن الإسلامي؛ لارتباطه بالدلالة على السماء، فهو بالتالي إشارة الى قيمته الروحية العليا، ومنحه صفة التدرّج التي أخرجته من حالة الجمود الحضوري الى حركية جميلة تتآزر مع الحضور اللوني للأبيض، والأبيض هنا رمز يدلُّ على النور الذي بدأ يتسرّب الى الكون، فيما يشير اللون الأسود الى ظلام الليل، فالسماء إذًا في هذه اللوحة ستثير انتباه مُشاهدها الى القيمة الروحية التي تتمتع بها من جهة، وتكشف له أيضًا عن تحديدها الزمني وهو آخر وقت السحر وبداية الفجر، وهذا الوقت وقت مبارك للدعاء حيث ينفرد المسلم بخالقه، ليبثَّ له شكواه وأحزانه آمـلًا بالاستجابة، وهنا ينكشف أول تناسب لهذه الألوان مع دلالة النص المخطوط، الذي يشير الى رقود الناس وسهر الشاعر وهو يناجي الله سبحانه وتعالى.
يمتلك الجامع قيمته الدينية الإسلامية العـظيمة في الواقع العياني، بوصفه دارًا لعبادة الله سبحانه وتعالى، من هنا كان اختيار الفنان عباس لشكل الجامع بمنارته وقبته ليشغل الجزء الأسفل من اللوحة أي أنَّ موقعه في العمق (البُـعد الثالث)، فأصبح بذلك قاعدة ترتبط ارتباطًـا صميميًـا بالسماء من حيث القيمة الروحية، ويجاور شكل الجامع أشكال بيوت يغمرها الظلام بدلالة لونها الأسود، وهذا ما يحيل دلاليًـا الى رقود الناس ويقظة الشاعر في هذا الوقت.
إذًا يمكننا القول أنَّ الفنان عباس اشتغل باتجاه تأثيث أرضية اللوحة تأثيثًـا تكوينيًـا لافـتًـا للنظر، ثم أكمل هذا التكوين بخط نص البيتين الشعريين على ورقة بدا شكلها وكأنها كانت ملفوفة على بعضها، ثم فُتحت لأنَّ دلالتهما ترتبط بالانفعال النفسي والفكري الداخلي للإنسان أولًا، ثم يُعلَنُ عنه بالكلمات التي يطلقها صاحبها على أمل الاستجابة. ويلاحظ المُشاهد هنا التناسب المتوازن بين حجم الورقة من جهة وحجم أرضية الكتلة الخطيّـة من جهة ثانية، كما أنَّ اخراجها بشكل مائل، وحافات متعرجة أكسبها تضادًا جماليًـا مع شكل أرضيتها التي اعتمدت على المستطيل القائم المعروف بصلابة حدوده وصرامتها.
من خلال تأملي للوحات الفنان عباس وجدته دقيقًـا ومتأنيًـا في اختياراته لعناصر تكوين لوحاته، فاختياره لشكل الورقة كان مبعثه حقيقةً واقعيةً تشير الى أنَّ الورق هو الخامة التي تُكتب عليها القصائد، وأيضًا رسمه لها وكأنها تطير في الهواء إشارة الى أنَّ الصوت يخرج من فم الإنسان الى الهواء، فالنجوى إذًا تعلن عن نفسها، وبدت وهي مرهونة الى قيمةٍ ضوئية منحها لها الفنان عباس من خلال اختياره للون الأصفر المتدرِّج الى اللون البرتقالي، واللون الأصفر من الألوان المضيئة التي تجذب عين المشاهد إليها، ويشير الى مجموعة من الدلالات الايجابية المتمثّـلة بالفكر والطاقة والدفء.
أمّـا اللون البرتقالي فهو أيضًا من الألوان المضيئة الدافئة، ويلتقي دلاليًا مع اللون الأصفر في ترميزه الى الطاقة والدفء والحرارة والحكمة والسلام وتجاوز الخيبات، وهنا سيلاحظ المتلقي أنَّ الاختيار اللوني كان مقصودًا على مستوى التضاد؛ لأنَّ اللون الأزرق البارد الذي اتخذته الأرضية يتضاد مع الأصفر الدافىء وكذلك البرتقالي، وحقق التضاد أيضًا مع (النص) أي الكتلة الخطية المخطوطة باللون الأسود، فشكّل بذلك توازنًـا جماليًـا أسهم في ابراز هذه الألوان.
يعتمد إخراج الكتلة الخطية على خبرة الفنان في اختيار نوعية الخط وفي حجمه وترتيب كلماته، ويلاحظ المشاهد هنا أنَّ الفنان عباس خطَّ هذا النص بنوعين: الأول هو خط جلي الديواني الذي خصَّ به كلمة (طرقت)، والثاني هو خط التعليق الذي خطَّ به باقي كلمات النص، وأخرج هذه الكتلة بطريقة الكتابة الرأسية المتسلسلة، فبدأ بكلمة (طرقتُ) ليفرد لها مكانًـا في أعلى الورقة، بحيث تتجاوز في قسمها العلوي حدود الورقة التي عمد الى اظهارها بشكل ضبابي، وذلك للتأكيد على ارتباط فعل الطرق بالسماء، فباب الرجاء ليس بابًـا ماديًـا بل هو باب مُتـخـيّـل؛ لأنَّ الرجاء لا باب له، ولكنَّ فِعلَ الطرق عليه يفتح طريقًـا للفكرة المطروحة في نص الكتلة.
تثير اللوحة الخطية متعة في نفس مُشاهدها ليست متعة فنية فـقـط بل هي متعة روحية في الوقت ذاته؛ لأنَّ التأمـل في اللوحة يكشف أسرارها، من حيث إجادة الخطاط واتقانه لأشكال الحروف وفـق قواعد الخط الذي يستخدمه، وما يعتمده أيضًا من تقنيات كتابية تبثُّ الطاقة الكامنة فيه، وتحدد مواطن جماله، كما تحدد ارتباطها مع دلالته، وهذا ما سأحاول الكشف عنه في هذه القراءة التأملية لهذه اللوحة.
ابتدأت الكتلة الخطيّـة بأول كلمة من النص وهي كلمة (طرقت)، التي أخرج حرف الطاء فيها إخراجًـا فنيًـا تمثّـل بميلانها وتبييض عينها باللون الأبيض، ومنح خطّـها ترويسة لطيفة واقعة في جهة اليسار، وأتاحت خاصية الرفع المكاني لها فرصة لحرف الراء المرسل ليحتضن حرفي القاف والتاء، وأخرج حرف القاف مطموس العين وصغير الحجم نسبيًـا قياسًا الى حجم بقية حروف هذه الكلمة، أمّـا حرف النون فقد تعامل معه تعاملًا فنيًـا أيضاً تجسّد بتقويسته المبالغ بها قليلًا.
إنَّ اشتغال الفنان عباس باتجاه الترويس التاجي لكلمة (طرقـتُ) فقط دون باقي كلمات النص، كان هدفه لفت نظر المتلقي إليها لكونها مفتاح الدخول الى عالم النص، فضلًا عن تبييضه لقـمّـة هذا التاج، وعين حرف الطاء أيضًا، وخاصية التضاد التي اعتمدها في إخراجه لنقاط حرفي القاف والتاء التي خطّـها بالشكل الأُفـقـي مرة والرأسي مرة ثانية، وافرادها بالتشكيلات التزيينية التي تمثّـلت بالمـدّة والضمة والرقم (7) الذي أخرجه على شكل زنبقة، والفاصلة التي خطّـها باتجاهات متعددة، أضفـت عليها ملمحًـا جماليًـا من جهة، وخصوصية من جهة ثانية، وتماسكًـا شكليًـا وروحيًـا من جهة ثالثة.
ومنح باقي الكلمات تسلسلاً سطريًا متواليًا، حافـظ من خلاله على شكل وهوية هذا النص الشعري، إلاّ انّـه منح هذه الكتلة بُـعـدًا جماليًـا وحركية حين اعتمد على بعض الحروف؛ لتكون قاعدة ترتكز عليها كلمات أُخرى، ففي كلمة (باب) استغل المساحة التي أتاحتها خاصية التنصيل أي المد الأُفـقـي لحرف الباء؛ لتستقـرَّ فوقه كلمة (الرجاء) المرفوعة مكانيًـا، وحقق التضاد المتجانس بين الشكل الأُفقي لحرف الباء والشكل العمودي لحرفي الألف واللام.
وشغل الفراغ الصغير الواقع بين نهاية حرف الباء والواو بنقطة حرف الجيم وهمزة كلمة (الرجاء)، واستثمر الفراغ الواقع فوق حرف الواو؛ ليخـطِّ فيه حرف الألف من كلمة (الناس)، وأخرج تقويسة حرف السين في هذه الكلمة بحجم مبالغ فيه، واتصلت نهايتها بحرف القاف في كلمة (رقدوا) من الجهة السفلى محققة بذلك خاصية التأليف، وأصبحت قاعدة تحتضن حرفي الراء والقاف من كلمة (رقدوا)، وتبدو قصدية الفنان عباس واضحة في هذا الإخراج للدلالة على فعل الرقـود أي النوم، واتخذت كلمة (قد) الصغيرة الحجم نسبيًـا، والمرفوعة مكانيًـا من أسنان حرف السين قاعدة ترتفع فوقها، وعمد الى خاصية الرفع المكاني لحرفي الواو والألف.
واستغلَّ المساحة التي أتاحها التنصيل الأُفـقي لحرف التاء في كلمة (بتُ) فاتخذها قاعدة لخطِّ حرفي الألف والشين من كلمة (أشكو) المرفوعين مكانيًـا، وأخرج الكاف بحيث تقاربت موقعيًـا مع نقطة حرف الباء في كلمة (باب)، وحرف الباء في الكلمة نفسها، وعالج حرفي الألف واللام في كلمة (الى) حسب خاصية الرفع المكاني، وأفاد من تقويسة الألف المقصورة في الكلمة نفسها لتكون قاعدة يستقـرّ فوقها حرف الميم من كلمة (مولاي)، أمّـا حرف الياء من الكلمة نفسها فقد عالجها حسب خاصية الخفض المكاني، وهذا ما أتاح مساحة كافية لتقويستها لتكون قاعدة ترتفع فوقها كلمة (ما)، وأخرجها بدون نقاط.
إنَّ التعامل الفني مع الحروف يمنح مشهدها حيوية لافتة للنظر، وهذا ما يلاحظه المتأمّـل في كلمة (أجد) التي أخرجها حسب خاصية الخفض المكاني لحرف الألف، فاتخذت موقعها تحت حرف الجيم من الكلمة ذاتها، فيما ارتفع فوقها حرفي الجيم والدال.
وابتدأ البيت الثاني بكلمة (وقلت) التي أخرج حرف التاء منها حسب خاصية التنصيل، فأصبح قاعدة تستقـرُّ فوقها حروف الياء والألف المكرر والميم، وهي حروف مرفوعة مكانيًـا، أمّـا حرف الياء فقد أخرجه بدون نقاط كما أخرج الحرف نفسه في كلمتي (مولاي، في)، فحقق بذلك خاصية التكرار، وأتاح الخفض المكاني لحرف الياء في كلمة (في) فرصة لتحقيق خاصية التأليف، حيث اتصلت نهاية تقويسته بحرف الكاف من كلمة (كل) من الأسفل، وكرر هذه الخاصية أيضًا في حرف اللام من كلمة (كل) مع حرف النون المرفوع مكانيًا في كلمة (نائبة).
وفي الشطر الثاني من البيت نفسه، يلاحظ المُشاهد أنَّ طريقة إخراج كلمة (من) المائلة والنازلة بحركة اتجاهية الى الأسفل، أسهمت في اتخاذها قاعدة ترتفع فوقها حروف العين واللام والياء من كلمة (عليه)، وتحققت خاصية التأليف من خلال اتصال نهاية تقويسة حرف النون من كلمة (من) بتقويسة حرف الهاء الصغيرة الحجم نسبيًـا من كلمة (عليه).
وأفاد الفنان من المبالغة بحجم حرف الكاف في كلمة (لكشف) ليحتضن حرف اللام من الكلمة نفسها، والكلمات (يا من عليه)، وعالج حرف الفاء في كلمة (لكشف) معالجة فنية تمثّـلت بتنصيله، فأصبح قاعدة لاستقرار حرف الألف من كلمة (الضر) فوقه، فيما تحققت خاصية التأليف في اتصال نهاية حرف الفاء مع حرف الضاد من كلمة (الضر) من الأسفل، أمّـا حرف الراء المرسل فقد أصبح قاعدة يرتفع فوقها حرفي الألف والعين من كلمة (اعتمد)، وأخرج حرف التاء في الكلمة نفسها بحجم صغير نسبيًـا، وهذا ما أتاح مساحة كافية لحرف الميم لكي يأخذ موقعه تحته.
ويلاحظ المُشاهد أنَّ نقاط الحروف اتخذت اتجاهين، أولهما هو الأُفقي وثانيهما الرأسي، فنتج عن ذلك تكرار شكلي توافق ايقاعيًـا مع نقاط حروف كلمة (طرقت)، وفي الوقت ذاته حققت خاصية التضاد الشكلي بين حالتي الأُفقية والرأسية.
إنَّ الخصائص التي أشرتُ إليها أسهمت في تشكيل رؤية جمالية وفنية لهذه اللوحة، وأضفت على فراغاتها امتلاءً استعاض به الفنان عباس عن التشكيلات التزيينية المتعارف عليها في الخط العربي، ومنح تكوينها خاصية التوازن بين كلمات النص المخطوط والفراغات البينية والمحيطية.
والآن سأُحاول تحديد البُـعـد الثالث الوهمي أي العـمق في هذه اللوحة التي تختلف كليًـا عن اللوحات الخطيّـة التقـليدية التي تعـتمد على البُـعـد الواحد، حيث أنَّ النص الشعري ورد في مقدمة اللوحة، وهو مخطوط على أرضية ورقية مرسومة، فالورقة تليه من حـيث البُـعـد، ثم يليها الجامع، وتليهما الخلفية الزرقاء، فتعدد مستويات البُـعـد الثالث الوهمي وتواليها منح اللوحة بُـعــدًا جماليًـا أيضًا.





