القصة القصيرة

لمياء نويرة – سيطير الحمام، وسيحطّ الحمام

A woman with brown hair wearing a striped black and white shirt, resting her chin on her hand, smiling softly at the camera.

كان يحبّ المطر حبّا جمّا. إنّه يبتسم الآن من تحت تربته، يبتسم بلا شكّ ملء صدره وملء الرضا وهو يصخي السمع للهطول الغزيرة التي تبلّل ثراه، لطالما خصّ أولى أمطار الخريف بالشوق والانتظار، واستعدّ لها بطريقته الخاصّة والفريدة.
تبدأ استعداداته في العشريّة الأخيرة لشهر أوت، فينقطع لتفريغ الفسقيّة التي تغطّيها الباحة الخلفيّة للبيت، والمطلّة على الحديقة الصغيرة، يسحب الماء أوّلا بطريقته الفيزيائيّة التي يعيد عليّ شرحها كلّ عام دون كلل،
ـــ Le principe des vases communicants, تَعْرفو؟
يروق لي أن أتظاهر بجهله، فأردّ بتردّد كاذب:
ــــ لا… يُظْهُرْلي نْسيتُو Papa.
وتأتي الاستجابة سريعة، ويعيد شرح العمليّة بالتفصيل المملّ كأنّني جيش من التلاميذ قدّامه، ومهمّته أن يوفي المفهوم حقّه من الشرح والتدقيق والتعليل، يمعن في التفسير بخليط من الفرنسيّة الصحيحة والعاميّة، مقيما للدرس التجربة والأدلّة ومستخلصا له البراهين… أحبّ متلازمة المعلّم التي تأبى أن تغادره حتّى في تقاعده المهنيّ الذي مضى عليه سنوات.
يصل الماء في الفسقيّة إلى مستوى متدنّ ويتعذّر الاستمرار في تطبيق ذلك المبدإ الفيزيائيّ، ساعتها تبدأ أصعب وأشقّ المهامّ، والأبغض عندي والتي يتهرّب منها أغلب من في البيت، وهي النزول أسفل الفسقيّة، حيث الرطوبة عالية والضوء شحيح والأرضيّة زلقة بفعل ما ترسّب وتراكم فيها طيلة موسم كامل. نشرع في ملء السطول بأواني بلاستيكيّة ورفعها إلى الأعلى، حيث تقف أمّي عادة على رأس فوهة الفسقيّة فتتلقّف السطل تلو الآخر وتفرغها في قصاع أو تدلقها في أحواض حول أشجار الحديقة، ثمّ يتعذّر على الأواني غرف الماء القليل المتبقّي، فنغمس قطع الاسفنج لتشربّ ما ترسّب ولجمعه…
بعد عناء تصير الفسقيّة خاوية لا يملؤها غير الفراغ ورجع الصدى، حينئذ نقوم بجهرها بماء “الجافال” وتجفيفها، وعلى إثر ذلك، ووفاء لعاداته، يتوضّأ والدي ثمّ ينزل إلى قاع الفسقيّة، ويصلّي فيها ركعتين، تبرّكا وتضرّعا وطلبا للغيث النافع للبلاد والعباد، ولا تمضي أيّام معدودات حتّي يعطي الله خيره، ولكم امتلأت الفسقيّة حتّى فاضت…
لم تكن فسقيّة أبي سدّا عظيما، يكفي البلاد والعباد، ولكنّها كانت فسقيّة الخير والكرم، لا يردّ في طلب مائها جار أو عابر سبيل، أو قطّ أو طائر من الطيور، فلطالما خصّ العصافير والحمام بالاعتناء والتوصيات، يحرص كلّ يوم على أن يكون السطل المجانب لباب الفسقيّة مملوءا، ويطرب حين يحطّ الحمام، ويشرب الحمام ويطير الحمام…
هو بلا شكّ يبتسم الآن ملء الرضا من تحت تربته، يبتسم بعمق وامتنان، شيء ما بينه وبين الله لا ندركه، شيء صامت، وتواطؤ خاصّ جدّا، لعلّه يفكّر بأنّ الله يستجيب دائما لصدق دعائه، ولخالص نيّته ولثقته الشديدة به، تضحك أمّي كثيرا، كلّما رأته ينتشي طربا لصوت الهطول، يقف في صدر “الفيراندا”، واضعا يديه في جيب سرواله، فاردا كتفيه وصدره في زهو، فيدركه الرذاذ، ويطيّر أطراف سترته الريح، ويتأمّل السماء المتجهّمة بوجه شديد الإشراق، ويقبّل بناظريه وقلبه خيوط المطر وسيولها، فتصرخ فيه أمّي من بعيد:” ادْخُلْ يا راجل، توّة تُمْرُضْ وتُقْعد تْقاسِي”
يدخل إلى الصالون، ويجلس على الأريكة بهدوء، ويسند ظهره إلى الوراء بوقار وخيلاء، ويلهج لسانه بالتسبيح والدعاء في غمغة عذبة كالموسيقى، تمعن أمّي في الضحك وتعيد ككلّ مرّة وعند كلّ موسم ومطرة نافعة” ــ” إلّي يْراكْ يقولْ فلّاح ولد فلّاح، راقد على فْدادين القمح والأمْلاكْ وأراضي الزيتون”، ويسمعها بلا مبالاة ولا يردّ، كيف يشرح لها أنّ ما يطلبه لم يكن ولا مرّة لنفسه، وأنّ ما يتمنّاه أكبر من الأملاك والأرباح والمصلحة الشخصيّة؟
لم يكن بيتنا ريفيّا، ولم يكن يلتفّ حوله غير المنازل والبنايات ذات الطوابق، فلا حقول مترامية ولا خضرة تنعش مدّ البصر، حسب أبي أنّ الخصب يمتدّ في قلبه وجوارحه، وعقله الذي يزيّن له فكرة أنّ الأمور طيّبة، وأنّ الوطن سيكون بخير ما دام الله قد أنعم على أرضه بالغيث العميم.
شيء ما أيضا بينه وبين المطر، بينه وبين الأرض، انشداد غامض وقويّ، لعلّ السرّ في دورة الأرض الحياتيّة، في موتها وانبعاثها، في ذبولها وانتعاشها، في اصفرارها واخضرارها، وفي آيات الخلق عند كلّ خريف…
يا لهذا الخريف، يا لشيخ الفصول، كيف تعجّلت وأخذت معك شيخنا وكبيرنا ولم تمهله أن يفرح بغيثك الذي يحبّ والذي يجدّد له شوقه وانتظاره ودعاءه…
شاخ والدي في أعوامه الثلاثة الأخيرة، وتوقّف عن تنظيف الفسقيّة وتهيئتها لماء حيّ جديد، ولكنّ شوقه للمطر ظلّ مستمرا…
في ليلة الخامس من هذا الشهر، كان أبي الحبيب في أوج ضعفه وتعبه، كان صدره في حالة صعود ونزول مستمرّين، وكان جهاز التنفّس يشدّ على فمه وأنفه وموصولا بالآلة الكبيرة، كان في تلك الساعات قد فقد القدرة على التواصل والكلام، وحين كنت في وقت ما إلى جانبه وحيدة، أربكتني حالته، وصعب عليّ توقّع أنّها ساعاته الأخيرة، لم يكن لدي سابق تجربة، ولا أعرف ماذا يفعل الأبناء في ساعة عسيرة كهذه، كنت أهمس في أذنه بأيّ كلام فكّرت أنّه ربّما سيسعده كأن أذكره أنّنا نحبّه، وأنّنا حوله، وأنّ صدره المتعب ذاك مثقل بالإيمان وبكلام الله. كان المطر ليلتها يهطل بجنون، وتذكّرت فجأة أهمّية ذلك عنده، فهمست بقوّة في أذنه اليسرى:
” نْحِبْ نْبَشّْرِكْ يا Papa، راهي المطر صبّت والفسقيّة متاعك تِمْلات”…
لم يردّ طبعا، ولكنّه كان في سرّه بلا شكّ يلهج بالتسبيح والدعاء، مثلما يفعل الآن في تربته، وهو ممدّد بكامل وقاره المعتاد، يرتّل آيات الشكر ويبتسم ملء الرضا والامتنان…
إنّه الخريف يا أبي، صديقك شيخ الفصول، وإنّه الغيث الذي تحبّ، وها أنّه يبلّل ثراك، ويملأ الجفنة التي تعلو قبرك بالماء، سيزورك الحمام يا أبي، وسينبثق من تربتك الحبق والإكليل والزهور، وستنعم البلاد كما تحبّ تماما وترجو ، بالخصب والخير العميم…

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading