فنون تشكيلية

كان هنا إنسان :قراءة للوحة {ركام} للفنان احسان الكيلاني ✍️     د. وجدان الخشاب / العراق

Untitled

   كثيرة هي المشاهد التي تواجهها العين البشرية في الواقع العياني، لكنَّ بعضها يمر دون أن يؤرق فكر الانسان ، وبعضها يثير هذا الفكر بما يمتلكه من مؤثرات سلبية كانت أم إيجابية ، وعين الفنان عين لاقطة لا تخضع لما تخضع له عيون الاخرين بل تشتغل باتجاه انتقاء المشهد وتحديد عناصره وألوانه ، وهي بذلك تعايش تجربته الحياتية والتشكيلية معًا ؛ لتنتج لوحة ناطقة بموقفه من ذلك المشهد ، ثم تحيلها الى المتلقّين اللذين ستتنوع استجاباتهم ازاء ما طرحته ، من هنا كانت استجابتي للوحة {ركام} للفنان احسان الكيلاني التي أغرتني بالوقوف أمامها ، ومحاولة قراءتها من خلال معطياتها التكوينية والدلالية ، وسأبدأ بالإشارة الى أنَّ هذه اللوحة انتاج (سنة 2007م) نفّذها بالألوان المائية والحبر الصيني ، وخامتها من الورق.

   اتخذت اللوحة شكل المستطيل الأُفقي لتختزل مشهدًا أوسع وأقسى حضورًا؛ لكونه مشهد ما بعد انفجار عنيف ، من هنا كان اختيار الفنان احسان لتسمية اللوحة بــــ {ركام} لكنه منح بعض الأشكال المرسومة هوية أو بقايا هوية تعريفية ، أسهمت في فسح المجال لتحديد الأشكال التي شكّلت الركام من جهة ، وهي في الوقت ذاته عناصر تكوين من جهة ثانية وهي: الأرضية ،  والأشكال التي يمكن تحديدها بـــــــ : الدماء ، القفل ، الأبواب ، المفتاح ، الشجرتان ، بقايا الأشياء {الركام}.

   بما أنّ الأرض في الواقع العياني هي المستقر الذي تستقر عليه كل الموجودات الحية وغير الحية ،  فإنّها تمارس الوظيفة ذاتها في اللوحة التشكيلية من حيث الاحتواء، وهي بذلك تمنح الأشكال كتلتها وثقلها فلا تبدو هائمة في الفراغ ، بل تبدو وهي تتموقع عليها مما يسهم في اضفاء لمسة من الواقعية على اللوحة يستشعرها المتلقي حين يتأمل اللوحة.

   إنَّ الرؤية البصرية المتأملة للأرضية التي فرش عليها الفنان احسان أشكال لوحته ، تكشف عن تموضعها في مقدمة اللوحة حيث تكاد تحتـلّ نصف الربع الأسفل منها ، لكنها تفقد تمظهرها الذي تعارفت الذاكرة الجمعية عليه ، وتختفي وراء بقع الدماء التي تسيل وتفرض وجودها عليها ، مؤشّرة حضورها باللون الأحمر لكنه ليس الأحمر القاني الذي يؤشر سيلانًا آنيًا للدماء ، بل هو الأحمر الشاحب والمغبر والمتدرّج والمتداخل مع ألوان أُخرى أبرزها اللون النيلي المتدرّج والمتداخل ، مؤشرًا دلالاته الواضحة على أنّ الانفجار ينتج القتل ليس للإنسان فقط ، بل لكل الموجودات التي تقع في دائرة تأثيره ، كما أنّ انتاج الدماء وسيلانها باتجاه حافات اللوحة دليل على استمرارية فعل القتل.

   رغم انتشار الدماء في غالبية هذا الجزء إلاّ إنّ الفنان احسان عمد الى إضاءة مساحة صغيرة بإضافة اللون الأصفر المتدرّج والأخضر والأزرق ؛ ليمنح هذه المساحة الصغيرة نسبيًا دلالة خاصة تؤشّر – بتصوري- ايحاءً بالأمل رغم المحنة . وبهذا يمكنني الإشارة الى أنّ الأرضية هي الأُخرى مع الأشكال التي اتخذت موقعتها عليها أخذت نصيبها من نتائج الانفجار.

    أول الأشكال التي سأقف عندها هو القفل ، الذي يؤشّر واقعه العياني كينونته المادية المعدنية ، بوصفه أداة وظيفتها توفير حماية مضافة على حماية الأبواب للممتلكات البشرية أيًا كان نوعها مثل المنازل والمصانع والمتاجر وغيرها كثير ، ويستعمل الانسان أنواعًا منها كبيرة وصغيرة ، لكنّ الفنان احسان عمد إلى تظهير نوع منها معروف باسم {المشبك} مصنوع من الفولاذ ، يحتوي على آلية اغلاق ، يخرج من جزئه العلوي قضيب معدني منحنٍ نصف دوّار يمكن إقفاله عند ربط شيئين معًا ، لكنّ الفنان هنا عمد الى اظهاره مفتوح القضيب من جهة ، ومن جهة ثانية متموضع في غير مكانه الطبيعي ، فزاويته مغروسة في الأرض بطريقة قسرية تمامًا ، والتشبيح يتحكم في شكله ، وتعددية ألوانه ، مما يؤشر خضوعه لمؤثر الانفجار ، وفقدانه لوظيفته الأساس التي هي ربط شيئين معًا.

   يؤشّر انتقاء الفنان لعناصر تكوينه كشفاً لذاكرته التي تمور وتخزن ما تستقبل من معطيات ، لكنها ستتوقف لتحاور نفسها حين تتعارض رؤيتها العيانية للواقع مع رؤيتها لواقع اللوحة التشكيلي ، فالأبواب من عناصر تكوين اللوحة ، وهي في الوقت ذاته جزء أساس من أي مبنى ، لكونها مداخل لقادمين أو مخارج لخارجين ، ومصدّات لغير المرغوب فيهم ، وظائفها تتحدد بالحماية لتوفير الأمان والخصوصية أولاً ، وقيمة جمالية ثانيًا.

تُحيل أشكال الأبواب إلى أٌنموذجات معروفة في البيوت الموصلية ، فهذا الطراز ينتشر فيها كثيرًا ، ويتمظهر بالأشكال الهندسية المتعددة {المثلثات والمربعات وأنصاف الدوائر} التي تشغلها الألواح الزجاجية الملوّنة أو المرسوم عليها ، مما يخفف من صرامة الأشكال الهندسية ، لكنّ لوحة ركام تعرض واقعًا مغايرًا للأبواب الثلاثة ، فهي أبواب تطايرت من أماكنها بفعل قوة الانفجار لتنغرس زواياها في الأرض ، فالباب الأول تنغرس زاويته اليمنى في الأرض ، والباب الثاني يختفي قسمه الأسفل وراء الباب الأول والأشكال الهلامية ، والباب الثالث يتموقع في أقصى يسار اللوحة ، ويتمظهر منه نصف الجزء العلوي فقط ؛ وبسبب هذا الانغراس بدت أجسامها مائلة ، فهي ليست واقفة عموديًا كما هي في واقعها العياني ، وليست ساقطة ومتناثرة على الأرض ؛ لأنّها تصارع وجودها بين الوقوف والسقوط ، بل أرادها الفنان معلنة لرفضه ورفضها هي أيضًا للسقوط رغم مأساوية الحدث.

   تمثّل الشجرة أحد أشكال الحياة النباتية ، ولها وظائف اقتصادية وبيئية وظلّية وجمالية ، ولهذا تكتسب قيمتها الخاصة في حياتنا ، فكثير منّا ارتبط بشكل شخصي بشجرة زرعها أو كبر في ظلّها ، وللفنان احسان تجربة حياتية ثرية مع الشجر التي يزرعها حتى في مكان عمله ، انطلاقًا من احساسه بجمالها وظلّها واستمراريتها ، لكنّ حضورها في اللوحة أكسبها نصيبًا من بؤس الحدث ، فرغم انغراس الشجرتين بقوة في الأرض مما منع سقوطهما إلاً إنّهما بدتا عاريتين من أوراقهما ، وفقد الجذعان لونيهما البُني ، وتمظهرا بتعددية لونية ، هنا أوقفني تساؤل: لماذا هذا التعدد اللوني؟

تشير طروحات الباحثين في الألوان إلى أنَّ الفنان التشكيلي يعتمد استعمالها بطريقتين:

  1. استعمال اللون بوصفه رمزًا: إذا استعمله بشكل متخالف مع ما تعارفت عليه الذاكرة الجمعية في الطبيعة ، مثلا : تلوين جسد الإنسان باللون الأخضر.
  2. استعمال اللون بطريقة اصطلاحية: اذا استعمله بشكله المتعارف عليه واقعيًا ، مثلا: ورق الشجر أخضر.

إذًا اعتمد الفنان احسان على رمزية الألوان وليس على اصطلاحيتها في تلوين الشجرتين ، وهذا ما سأقف عنده لاحقًا.

الباب ، المفتاح ، القفل: ثلاثية متكاملة تؤدي وظيفتها الأُولى: الحماية ليكتسب الإنسان شعور الأمان ، والانفجارات لا تفجّر الأجساد الحيّة وغير الحيّة فقط بل إنّها تفجّر وتُشظّي الشعور بالأمان والسلام تمامًا ، من هنا كانت فكرة الفنان احسان في اختيار هذه الرموز تحديداً وتظهيرها بشكل قريب من الوضوح الذي يمكّن المتلقي من التعرُّف عليها وتمييزها ، فيما تراكبت الأشياء الأُخرى على شكل ركام لا يكاد المتلقّي يميز بين أشكالها ؛ لأنّها تجمع بين الأشكال الهندسية والخطوط المتنوعة ، وربّما كانت شبكة أو نسيج مُكبّر ، ورغم هذه الضبابية الشكلية التي اعتمدها الفنان احسان إلاّ إنّ هدفه كان واضحًا ، ودلالاته هي الأُخرى تؤشّر الانفصال الكامل عن الشكل والوظيفة التي كانت تًعرف بها هذه الأشياء قبل تحوّلها الى ركام ، وبالتالي يكون الموت هو الحالة التي سيقف أمامها المتلقي فيتعاطف مع ما طرحته اللوحة من رؤية عيانية للمكان بعد حصول واقعة الانفجار ، حيث أنَّ المتلقي سيقيم حوارًا مع اللوحة أثناء مسحه البصري المتأمل لها ، وهذا الحوار أراه بمثابة النتيجة للحوار الأول الذي أقامه الفنان مع الواقعة العيانية ، كما هو نتيجة للحوار الثاني الذي أقامه الفنان مع اللوحة أثناء انجازها ، وهذا ما سيمنحني فرصة الإشارة إلى الوضوح الفكري الذي تمتع به الفنان احسان وهو يختار عناصر تكوينه وتموضعاتها ، فالأشكال كلّما اقتربت من مقدمة اللوحة ستكون أوضح وأكثر تفصيلا ، وكلّما ابتعدت باتجاه العمق فقدت الكثير من تفصيلات أشكالها ، ولهذا كان اختيار الفنان احسان لهذا الركام أو الأشكال الهلامية المفككة والمتراكبة وتوضيعها بحيث تحتل الجزء الأكبر من اللوحة ، ابتداءً من نصف الجزء الأول منها وامتدادًا على الجزئين الآخرين ، وهذا بالتالي يؤشّر رؤية عيانية مباشرة للفنان ، فكأنّه يقف في نقطة أمامية ؛ ليرسم المشهد ويكون جزءاً منه وليس بالرؤية العيانية فقط بل بكل ما يخلّفه الانفجار من دمار وخراب على مستوى الحياة ، وعلى مستوى المشاعر والانفعالات أيضًا.

   تكشف النظرة المتأملة لمشهدية اللوحة عن وجود الشكل الأخير من أشكال التكوين وهو المفتاح المعلّق على الشجرة الواقعة في الجهة اليمنى من اللوحة ، مع أنّها شجرة بلا أغصان ولا بقايا أغصان ، فلماذا اختار الفنان احسان تعليق المفتاح؟

الشجرة {النبات} هي أول حلقة في السلسلة الغذائية يليها الحيوان ثم الإنسان ، والمفتاح أداة لفتح المغلق من الأبواب أو اغلاق المفتوح منها في الواقع العياني ، أمّا على مستوى الترميز فهو رمز للإخفاء كما هو رمز للكشف والتعريف في الوقت ذاته ، وبما أنّ الفنان احسان منحه شكلاً أقرب الى الوضوح ، ومنحه مرتبة أعلى من غيره بتعليقه على الشجرة ليراه الآخرون ، ولونًا ورديًا متدرجًا فإنَّ هدفه كان اعلان أنَّ لا حماية ولا اخفاء بعد الآن ، بل هو انكشاف وتعريف ، انكشاف ما تستره البيوت بجدرانها الصمّاء وأبوابها المقفلة بأقفالها من جهة ، وانكشاف وتذكير للآخر بما ينتجه التفجير من دمار من جهة ثانية ، ودعوة للبحث عن حلول وكشفٍ لمغلقات الأُمور التي أوصلت الحياة الى الدمار من جهة ثالثة ، وهو دعوة مفتوحة للسلام والأمان بدلالة لونه الوردي المتدرّج والمتداخل من جهة رابعة.     

   يبدو لي أنَّ الفنان احسان كان واعيًا تمامًا لرمزية هذا المفتاح ، وأنَّ تعليقه حصل بعد الانفجار وليس ضمن الحالة ؛ لأنّه أراد أن يعلن أنَّ ما حصل قد أصبح حقيقة ، فهل نتقبّلها أم نبحث عن حلول توصلنا للسلام: سلام الجسد وسلام الروح؟

وفكرة البحث عن حل وسلام واستمرار يبدو لي تجلّت أيضًا في الاختيار اللوني لهذه اللوحة ، فهذا الركام من الألوان يتناسب تمامًا مع ركام الأشياء ، إلاّ إنّه ركام لا يعترف بالعشوائية التي تمظهرت بها الأشياء ، حيث أنَّ أول ما يلفت نظر المتلقي هو استعمال الفنان للألوان المائية ، وهي مساحيق لونية مع الصمغ العربي الذي يؤخذ من أشجار السنط ، ولها ميزات متعددة فهي تحمل درجة عالية من الشفافية ، ولها تأثير قوي على المتلقّي ، ويتصف كذلك بالانسجام والنقاء ، وهذا ما دفع بالفنان احسان الى اختيارها ينضاف الى ذلك ما تتمتع به من خاصية الانتشار على سطح الورقة ، فطريقة انتشارها وتشرّبها تشبه طريقة الانتشار العشوائي للدم عند سيلانه.

   وكذلك اعتمد الفنان على الحبر الصيني ؛ لتمتعه بالخاصية نفسها مما منح اللوحة امكانية تعبيرية عالية ، وقيمة جمالية رغم قبح وبؤس الموضوع الذي طرحته.

   تتمتع انتشارية الألوان بخاصيتي توزيع الألوان السالبة والموجبة بتدرّجات متفاوتة ومتداخلة معًا ، فالألوان السالبة هي: الأزرق والكحلي والبنفسجي والأخضر والرمادي وتمتاز بإشعاعها البارد ، أمّا الألوان الموجبة في هذه اللوحة فهي: الأحمر والبرتقالي والأصفر ، وتمتاز بالإشعاع الحار والمنشّط والمثير.

وهذا الركام اللوني منح دلالة مضافة لركام الاشياء ، وفي الوقت نفسه جمع متضادات متعددة أعلنتها اللوحة هي:

الصرخة والصمت / العتمة والوضوح / الموت والحياة.

فالركام صمت وعتمة وموت ، لكنَّ الفنان باختياراته هذه إنَّما يؤشّر صرخة ووضوحًا وحياة ، إنّه يرفض الاستسلام للموت ، ويعلن رغبةً أصيلة باستمرار الحياة ، ولعل ما يؤازر رؤيتي هذه ما منحه الفنان من سيادة لونية ومكانية للمفتاح ، وكذلك اعتماده الألوان المشرقة التي كسرت قتامة اللونين النيلي والأحمر ، ومنحت اللوحة حركة كسرت جمود الأشياء المتراكمة ، فبدا الفنان باحثًا عن الثقة والأمان والسلام من خلال الألوان بعد أن فقدهم بالبشر.

هنا ظلّ تساؤل يحوم ليطرح نفسه على ذاكرتي:

لماذا عمد الفنان احسان الى تغييب الإنسان في هذه اللوحة رغم أنّه المعني الأساس في موضوعها؟ 

بما أنَّ المحمول الدلالي للوحة هو الصراع بين الحياة والموت ، وتؤشر زمنًا تحدده واقعة الانفجار وما نتج عنها ، فهي بالتالي تؤشّر موت الإنسان وغيابه ؛ ولهذا جعل الفنان الدماء دليلا على أنّه {كان هنا إنسان} والآن تاهت أشلاؤه في الركام ، وبهذا يكون الفنان قد منح الفرصة للمتلقي لتأشير غياب القاتل والقتيل معًا ، فقد غيّبهما الموت بصورة مزدوجة بشعة ، لكنَّ نتائج فعل القتل ظلّت ماثلة للعيان.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading