القصة القصيرة

      قلوب قاسية –   اسماعيل آلرجب -العراق

46098815 525810997901781 8720951396838408192 n 1

في حضن سماء ملبدة بالغيوم، بعد أن غسلت الشمس أزيائها الذهبية وارتدت عباءة الظلام، وقفت الطبيعة تشهد طقوس ما قبل الصيد. عتمة الوادي كانت تنحني وكأنها كائن حي يراقب الصيادين الثلاثة الذين انسحبوا بخفة بين الكثبان. كانوا كالأشباح، يتحسّسون نبض الأرض تحت قلوبهم، والأصوات تنساب في الهواء كأنها حكايات تحكي عن مغامرات لا تُحصى.

تركوا خلفهم صدى همساتهم وكأنها تنعكس عن بئرعميق في سواد الليل. وبعد أن نصبوا الفخاخ في الطرق الرفيعة بين الحشائش، وضعوا الأقفاص في فوهات المغارات وكأنهم يغزلون نسيجا من الحذر والترقب، إذ كان كل فخ  وكل قفص يحمل في طياته قصصًا من الألم والأمل. عادت المجموعة إلى الكوخ، حيث كان الدفء يتسلل من جدرانه، وأضواء النار تتراقص كأرواح قلقة. جلسوا حول الطاولة يتناولون عشاءً بسيطًا، بينما تتداخل أصوات الضحكات مع موسيقى الأطباق. وفي تلك اللحظات، رسموا بأحلامهم اللحظات القادمة من الأمل ، حيث كان لكل منهم تصوّر مختلف لما سيحدث. في الثلث الأخير من الليل حدثتْ  ضجة مفاجئة هزّت السكون. أصوات أنينٍ غامضة تنبعث من بطن الوادي تناديهم.

تجمعوا، مشدودين إلى فكرة أن جهودهم لم تذهب سدى. اقتربوا بقلوب تتسارع من فخٍ أول، وتبين لهم ضبعا مقيداً بسلسلة قاسية، يُظهر علامات الضعف والخوف، وكأن العتمة قد سلبت منه قوته. أطلقوا رصاصة على رأسه، وفي اللحظة التي سقط فيها، كان كمن تنفّست روحه المحبوسة في جسده نسائم الحرية.

فيما استمروا في العمل،افتتحت لهم أبواب المال. كل فخ كان يخبئ في جوفه الأمل. كانوا يجمعون الضباع، يتنقلون بين الفخاخ كما لو كانوا يجمعون نجوم السماء. ومع مرور الساعات، امتلأ الحوض الخلفي للسيارة بتلك الكائنات الميتة، مظاهر القوة والشجاعة، بينما كانت عيونهم تتلألأ بنشوة الانتصار.

مع انبلاج الفجر، كانت النسائم تعزف لحنًا خفيًا، وهم يقطعون أرجل الضباع التي بقيت عالقة بالقيد كأنها تذكرهم بعبث الحياة. غطّوها جميعًا بقماش الجادر، رافضين أن تكون ضحاياهم مجرد جثث. عندما وصلوا إلى قصابة مستعدّة لاستقبالهم، ظهر القصاب كأنه خادم للغموض، بانتظار غنائمه المحمّلة بالأسرار. قام بسلخ الجلود بسلاسة تحت ساتر ظلال الفجر المبكر، ولم يكن هناك من يجرؤ على النظر إليهم، كأنهم فرقة من القتلة يتقمّصون أقنعة الأناقة.

كان الصّياد زعيم المجموعة يُحذر القصّاب بلهجة جادة من ضرورة الحفاظ على الجلود سليمة من الثقوب والشّقوق، كانت قلوبهم أقسى من الطبيعة يرتشفون الشاي دون مبالاة لفعلهم، أصواتهم تختلط معاً في الأجواء كهديل الحمام وزقزقة العصافير.

بعد الانتهاء من المهمة، اتصل تاجر المخدرات كان صوته يختصر المسافات، ويُحيي فيهم الشعور بأن العالم مستقلّ بذاته، مليء بالترقب والهيبة. أخبرهم أن المبلغ القادم سيتضاعف، وكأنه يدعوهم لحياةٍ أكثر جنونًا، حيث ينتظرهم المستقبل بالفرص والأحلام المُطاردة.

صارت النّقود تأخذهم بسرعة نحو مغامرات أكثر دمويّة لم تُكتب بعد، حيث كان كل ضبعٍ يُعدّ وعداً بقصصٍ تُروى على أساطير النار.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading