قصيدة من ضوء أزرق 🖋️ بسام الطعان

في أصيل ربيعي دافئ، أخذه الملل إلى ضفة يركض أمامها النهر كطفل لا يملّ من اللعب. هناك، نثر أمنياته فوق سطح الماء، كأنّ النهر وحده من يستطيع أن يحققها له.
على العشب كتب رسائل شوقٍ لا يعرف لمن يكتبها، ثم خطرت له فكرة قصيدة، وسرعان ما رسم في مخيّلته صوراً كثيرة تتبدّل وتتبعثر مثل غيوم تطيرها الريح.
تنقّل بين الصور كثيراً وهو يستمع لخرير النهر، فجأة توقّف عند صورة بدت له مثل ضوء خرج من عتمة الليل، تأمّلها مليّاً، وشيئاً فشيئاً تعلّق قلبه بها، كأنّها نسمة خرجت للتوّ من حنجرة المساء.
ظل غارقاً في التفكير، وبعد وقت قصير من التأمل، انتبه أنها عزفت في قلبه لحناً لا يعرف مصدره ولا اسمه، سوى أنّه يشبه ملامح فتاةٍ لم يلتقِ بها، ومع ذلك رآها قريبةً جداً منه، كأنّه يعرفها منذ زمن.
لأكثر من نصف ساعة وهو جالسٌ في مكانه، نظراته تذهب إلى البعيد، وهي مرّة تجلس بجانبه وتبتسم، ومرّة تمرّ من أمامه ، ومع كل خطوة تترك خلفها سيلاُ من العطر، بينما شعرها يسافر في الهواء كأفراسٍ مشاغبة، ومع انبهاره الذي لم يهدأ، رسمها قمراً في صفحة الليل، وهو يهمس:
“ما أنتِ إلا وردةٌ يعانقها الندى، تسعد من ينظر إليها، وتجعل نجيمات المساء تشهق كلّما تبتسمين.”
بغتةً اختلطت الصور في عينيه، وبقي متجمّداً في مكانه لدقائق، بينما شيءٌ ما في داخله يهمس:
“ما هذه الغرابة؟ من هذه؟ ومن أين جاءت؟”
فقد رأى أمامه امرأة ترتدي كامل زينتها، كلّ ما عليها أزرق، وتتقدّم نحوه. أذهله قدومها نحوه وأدهشه، وزاد من ارتباكه، ظلّ ينظر إليها وهي تتقدّم بخطى واثقة:
“من هذه؟”
لم يدرِ هل هي قصيدة أرسلها له القدر بطريقة غريبة، أم أنه تعب من وحدته وفشل في إكمال قصيدته، فأرسل له المساء نجمة تمشي على الأرض كي تساعده في كتابة القصيدة.
كانت تتقدّم نحوه بخطوات لا تُسمع، كأنها موسيقى تدخل إلى القلب قبل أن تصل إلى الأذن.
حين وقفت أمامه، شعر أن الهواء صار نقيّاً أكثر من المعتاد، وأن شيئاً يشبه الرجفة مرّ في أوردته.
أرسلت إليه نظرةً حانية، وجلست إلى جانبه دون كلام، ومع اندهاشه وازدياد دقات قلبه، همس لنفسه:
“لا يمكن أن تكون هذه من لحم ودم، هذه قصيدة كاملة تُطربُ سامعها، فيها جمالٌ لا متناهٍ، وفيها موسيقى وإيقاع لا يشبهان إلا نفسيهما.”
ـ هل تعرف من أنا ومن أين جئت؟ انظر إليّ.
قالت ذلك حين ظلّ ساكتاً وهو يستمع لهسيس عطرها ويذهب بخياله إلى البعيد.
لم يعرف هل كل ما يراه مجرد خيال، أم أنه يحلم، أم أنه يجلس أمام نهر ارتجف وفسح الطريق لضوء أزرق على شكل امرأة يخرج من بين أمواجه.
التفت إليها ولم يجب، فأحاسيسه أصبحت مصابة بالخدر وتتلاطم في داخله، بينما قلبه يخفق بإيقاع اندهاشٍ لم يعرف حجمه، وحين رأى المروج النديّة تهتزّ في وجهها، وجاءته أنفاسها كأريج البساتين، أحسّ براحةٍ فيّاضة خلّصته من توتّره واندهاشه:
ـ لا أعرف من أنتِ ولا من أين جئتِ، لكنني أعرف أنّ جمالكِ جاء من صدق القلب ومن حلاوة الروح، وأعرف أنّني رأيتكِ الآن، وبات يسيطر عليّ نغمٌ طويل، يبدو أنّه سيرافقني حتى الفجر، وسيوقظ في داخلي رغبةً في أن أكتبكِ بلا توقّف.
ـ وماذا تفعل هنا في هذه الساعة؟ فالليل قد أقبل، وربما تبدأ وشوشات المطر بعد قليل.
ـ لا أدري، ربما اشتياقي لكتابة قصيدتي قادني إلى هذا المكان، جلستُ على العشب، كتبتُ همساني فوق شعرها الطويل، وبقيت أراقب ما حولي، وأنتظر أن تأتي وتمنحني صوراً جديدة من عينيها، وحين تأخّرت في المجيء، أغمضتُ عينيّ، ترنّمتُ بجمالها، وصارت في دمي أغنيةً عذبة، موسيقاها عجيبة ولحنها لا يشبه أيّ لحن، والآن وجدتكِ أمامي، ووجدتُ الليل يزداد جمالاً بوجهكِ المضيء، وأنا واثقٌ من أنّ الصباح لن يبدأ إلا من ابتسامتكِ المضيئة.
ابتسمت، وكانت ابتسامتها مثل لحظة انبلاج الشفق. ولأنّه رأى فيها دفئاً وحناناً يشبهان حنان غيمة كثيفة تعرف كيف ترسل دون تعبٍ سلامها للمروج، قال بشيء من الرجاء:
ـ الحياة أقصر مما تظنّين، فاهطلي عليّ ولا توقفي المطر.
ـ وإن هطلتُ، هل تحتملني؟
ـ بالتأكيد، فأنا أرضٌ عطشى لا ترتوي منكِ.
اقتربت أكثر، حتى كادت تلتصق به، وتركت أنفاسها تلاعب روحه وتهدهد قلبه. قالت وهي تمنحه وروداً تبتسم:
ـ أخشى أن أكون مطراً لا يتوقّف، وتصبح نهراً يسافر إلى البعيد.
ـ وأنا أخشى أن تذبل ورود روحي وتموت إن غبتِ. كثيراً ما بحثتُ عنكِ في قصائدي، رسمتُ لكِ صوراً أكثر من أيام عمري، وكنتُ أحنّ إليكِ وأنا لا أعرف من أنتِ، لكنكِ كنتِ دائماً مثل نهرٍ مسافر، ولستُ أنا.
ـ وأنا كنتُ أستمع إلى صوتك حين تكتبني، وكنتُ أتصافح معك بدقّات القلب، وأحياناً كنتُ أرتجف كأوتار الكمان وأنت تقول اسمي بلغة لا يعرفها غيري.
ساد الصمت بينهما، وفجأة بدأ حديث العيون وطال، حتى خُيّل إليهما أنّهما يتكلّمان بلغة لا يعرفها البشر.
هبت نسمة باردة، فانتبهت العيون أنّ الليل بدأ ينسحب ببطء. حينئذٍ همست همساً نديّاً، فشعر أنّ روحه توهّجت من بهجة الهمس. وحين نهضت وقبل أن ترسم المسافات، سألها بلهفة:
ـ هل ستأتين غداً؟ أريد أن أرسم معكِ فرح الخلاص من غدر الزمان، وأن أضمّكِ إلى أريج عمري.
نظرت إلى عينيه طويلاً، وتركت في قلبه ألف احتمال:
ـ إن أتيتُ سيأتي المطر معي، وإن غبتُ وأخذني الزمان بعيداً، فابحث عني في كلّ قصيدة تكتبها.
ولم تترك له مجالاً للحديث، استدارت بسرعة وابتعدت دون التفاتة.
حين وصل إلى بيته، كان مبلّلاً بالحنين، وظلّ يكتبها كلّ ليلة، كأنّها قصيدة لا تريد أن تنتهي، أو نهايتها لم تُكتب بعد.
bassamaltaan@yahoo.com





