قصتان ✍️حسين بن قرين درمشاكي كاتب وقاص ليبي
بابُ التابوت
مطرقة النجار المسن ترقص بين أنامله الواهنة، وقد غشيت عينيه عتمة السنين الطويلة، فلم يعد يرى من الدنيا إلا طيفًا باهتًا. كل ضربة كانت ترسم اهتزازًا في كفه التي، ويا لسخرية القدر، نحتت آلاف التوابيت لتدفن فيها أحلام القرى. ففي تلك القرية النائية، المنسية كصفحة طواها النسيان من سجل الزمن، لم يُوارَ ميّت في ثراها إلا وكان مسكنه الأخير من صنيع يديه الشائختين. هو حارس عتبة الموت، وصانع الملاذ الأخير. الليل قد أرسل ستائره السوداء الكثيفة، فلفّ المكان في سكون مطبق يُثقل الأنفاس ويضغط على جدران الروح. فجأة، تمزّق هذا الهدوء لا بصوتٍ عالٍ، بل بطرقات خافتة، متأنية، كأنها قادمة من مسافة تتجاوز حدود الزمان والمكان. ارتجف قلب النجار، وكادت يده المتهالكة أن تسقط المطرقة. مدّ كفه بصعوبة إلى المزلاج، وفتح الباب ببطء شديد، ليكشف عن ظلٍّ غامضٍ يقف على العتبة. “أحتاجُ نعشًا، يا سيدي.” نطق الغريب، وصوته ينساب هادئًا كفحيح الأفاعي، يتسلل إلى مسامع الشيخ فيزرع فيه قشعريرة باردة. أشار بيده النحيلة إلى لوح خشبي عتيق يحمله، لوح بدا وكأنه يحمل ندوب الزمن. “أريده من هذا الخشب… هذا بالذات.” بدا إصرار غريب في نبرته، وتوهج بارد في عينيه. تسمرت عينا النجار على قطعة الخشب، وقد شعرت ذراعه الواهنة بثقلٍ مفاجئ. لم تكن مجرد قطعة خشب عادية؛ بل هي قطعة مألوفة، تنبض بالذكريات والخوف. كانت جزءًا لا يتجزأ من باب بيته العتيق، ذلك الباب الذي طالما أغلقه بإحكام ليحميه من الليل والمجهول، ومن كل ما هو مظلم ومخيف في العالم الخارجي.
سجن بلا جدران
تشابك هارون بين جذوع الشجرة، أغصانها خانقة كأذرع قدرٍ محتوم. لم يكن السجن جدرانًا، بل هو ذلك الفراغ اللامتناهي الذي ارتجف خوفًا منه خلفها، فراغٌ يبتلعه لو تجرأ على خطوة. الشجرة، مأواه الوحيد، غدت كفنه، وكل غصنٍ التفّ حوله، عاصر أنفاسه بصمتٍ قاسٍ، مُخلّفًا وحشةً تستلّ الأحشاء وتُنهك الروح. غرابٌ عجوز، جمدت عيناه اللامعتان على فرعٍ قريب، عاكستين يأسًا أزليًا، كأنه يقول: “لا مفر.” وذات فجر، بينما كانت أحلام هارون لا تتجاوز حدود ظله، انشقّ ستر الظلمة بوميضٍ أرجواني مباغت، أضاء بياضًا نقيًا لم تبصره عينا هارون منذ دهر. لم يكن ضوءًا عاديًا، بل كان نداءً خفيًا أيقظ في روحه غصة الأمل المنسي. حلّقت حمامةٌ بيضاء، كأنها قادمة من حلمٍ بعيد، غير آبهةٍ بثقل الأغصان الخانقة أو وحشة المكان الذي اعتصم به اليأس. ارتسمت على منقارها ابتسامةٌ خفية؛ مزيجٌ غامضٌ من الحكمة العميقة والتحدي الجريء، ألقت بظلالها الوارفة في قلب هارون المنهك. تملكه سؤالٌ حارقٌ كالجمر: “ما سر هذه الابتسامة التي لا تخشى قيدي؟ كيف لها أن تحلق حرةً وأنا أسيرٌ لهذا القدر؟” تاق هارون للتحرر، للتحليق مثلها، ليكسر هذا الوهم الذي بناه حول نفسه، لكنه لم يدرِ كيف. كلما حاول التحرك، أحكمت الأغصان قبضتها، وصريرها الخافت كان يهمس: “لا مهرب.” شيئًا فشيئًا، ومع كل نفسٍ ثقيل، بدأ هارون يذوب في احتضان الشجرة القاسي. لم يكن ذوبانًا اختياريًا، بل تحوّلٌ مؤلمٌ وغمض، أشبه بصرخة روح تُطمس. أصبح جذوعها المتشابكة، نسغها البطيء يجري في عروقه، وحفيف أوراقها التي غدت أنينه المحبوس. تلاشت ذاته الفردية، تداخل مع الشجرة حتى صار جزءًا لا يتجزأ منها، كأنه لم يكن سوى خيالٍ هشٍّ احتضنته أخشابها. وفي لحظةٍ باهتةٍ كغروب شمسٍ حزينة، توقف كل شيء. لم يعد هناك هارون. لم يعد الجسد المنهك أو الروح المحبوسة. لقد كان هو الابتسامة ذاتها؛ جوهر الحرية التي رأى انعكاسها في الحمامة. اهتزّ الغراب من الصميم، تناثرت حبات عرقٍ باردة من جبينه العتيق، فالحقيقة التي كشفت نفسها كانت أعمق مما توقّع أو أدرك بيأسه: الحمامة لم تكن مقيدةً أبدًا. الشجرة، هارون، الغراب، الحمامة… كلها لم تكن سوى انعكاسات لابتسامةٍ أزلية، الوجود المطلق الذي لا يعرف سجنًا ولا قيدًا ولا نهاية.





