قصتان قصيرتان جدا ✍️حسين بن قرين درمشاكي-ليبيا
وزن الهواء
ضغط الأسفلت على عجلات الصباح المتعبة. زحمة المدينة الرمادية الخانقة تسللت إلى رئتي آدم، فكأنها لم تعد تتسع إلا لثقل يطحن أضلاعه. تسرب الوهن عبر كل مسامه: أنين المباني المتصدعة يتهادى في الأفق، همس باهت في العيون الفاقدة لبريقها، وشخير آلة المدينة العملاقة التي لا تتوقف عن سحق الأرواح.
لطالما شيد آدم حوله جدرانًا بلورية، احتمى بها من قسوة الواقع. لكن ثقل اليوم كان مختلفًا. ارتجفت يده وهو يمد لابنته كوب الماء مع بزوغ الفجر؛ وجهها شاحب، والمرض يتسلل إلى عظامها كشبح بارد. عندما انهار أخيرًا على الرصيف البارد، لم يكن ذلك مجرد سقوط جسدي أنهكه التعب. برد الرصيف اخترق عظامه بلا رحمة، وصوت المدينة العملاق ضغط على صدره كآخر أنفاسه، بينما وجه ابنته الشاحب صرخ في روحه بعجزٍ صامت.
وبينما كان يحدق في السماء الرمادية، لم تكن ابنته هي من على فراش المرض في المنزل. كان انعكاس وجهه الشاحب، بعينين غائرتين، هو ما رآه في كوب الماء الذي قدمه لنفسه فجرًا. المرض كان يتسلل إلى عظامه هو.
عطر مجهول
في لحظة سكون غامضة، مع خبو ضوء النهار الأخير، طغى على حواسها عبقٌ خفي. لم تشم ليلى مثله قط؛ كان يتدفق في الفراغ كمزيج من رذاذ أمطار بكر هبطت على أرض لم تطأها قدم، وأريج معادن نجمية من مجرات قصيّة لم تكتشف بعد. همسٌ من العدم، نداءٌ من اللاوجود، أيقظ فيها دافعًا غريبًا.
تبعت ليلى هذا الشذى المتلاشي، قادها في جنون صامت نحو زاوية الغرفة المضاءة بالظل. لم تجد شيئًا ماديًا سوى دفء خافت يلف المكان، ثم انطباع قبضتين شفافتين تذوبان ببطء في أثير الفراغ، كفقاعات صابون تتلاشى. في تلك اللحظة، اخترقها صقيع الإدراك بحدة. شعرت كأنها لم تعد ترى الجدران حولها، بل اتسعت عيناها لتشمل اللانهاية، وذابت قدماها في الأرض، أدركت حينها أنها مجرد وميض عابر في كون لا نهائي، قد وُجدت وستغيب. لكن ذلك العطر الخالد ظل يملأ المكان، شاهدًا صامتًا على بصمة روحها التي لا تمحى.
وفيما كانت تتنفس آخر شذى للعطر، لاحظت بقعة غريبة تتشكل على حائط الغرفة، لم تكن مجرد ظل. بدأت تتسع وتتجسد، لمسها العطر، ثم امتدت لتشكل نفس “القبضتين الشفافتين” اللتين شعرت بهما، لكن هذه المرة كانتا تمدان يديهما إليها، وتسحبانها بهدوء إلى داخل البقعة الداكنة، لتذوب هي الأخرى ببطء مع العطر في الفراغ.





