مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

قراءةٌ نقدية في مرثيةِ الطُّهرِ الإنسانيِّ والخلودِ الروحيّ في شعر حامد الشمري-الناقد الدكتور عبدالكريم الحلو – العراق

مجموعة من ثلاثة رجال يرتدون بدلات، يظهرون في صورة جماعية. في الأعلى، نص مكتوب بالعربية يتحدث عن حدث أدبي، مع ذكر اسم واحد من الشعراء.

🔴 الفصل الاول

القصيدة :

كفَّاكَ أرغِفَةٌ وَوَجْهُكَ مَسْجِدٌ
الشاعر حامد خضير الشمري
دمعي على قلبي لفقدِكَ هاطِلُ
وخُطايَ خلفَكَ لوعةً تتثاقلُ
أرواحُنا قد شيَّعتكَ فجيعةً
وعيونُنا فرْطَ المُصابِ ذوابلُ
ونَكَبْتَنا فذوى الربيعُ وزهْوُهُ
وزهورُهُ وهوى الزمانُ الرافِلُ
يا أيُّها الغِرِّيدُ في روضِ الهوى
الحبُّ بعدَكَ ماحِلٌ أو قاحِلُ
ملِكٌ يتوّجُكَ الزمانُ مهابةً
وملاكُ نورٍ في الدياجرِ نازلُ
أحنى حَمُورابِي إليك برأسهِ
وأتتْ لتعطيكَ المسلةَ بابلُ
وبهرتَ هاروتاً وماروتاً بما
سطَّرْتَ من سحرٍ فحرفُكَ صائِلُ
كفَّاكَ أرغِفَةٌ ووجهُكَ مسجِدٌ
وحِماكَ للفقراءِ فيه منازلُ
لم تغرِكَ الدنيا برونَقِها وقد
أوسعتَها زُهداً وقلبكُ هازلُ
وظلَلْتَ للحقِّ المُجَلّى توأماً
وأمامَ طهرِكَ قد تهاوى الباطلُ
ضَحِكاتُكَ النَشْوى هديلُ حمائمٍ
وإذا صَمَتَّ فأنتَ سرٌّ هائلُ
لَهْفي عليكَ وقد أفَلْتَ بلمحةٍ
حُلُماً ولم تُعلِنْ بأنَّكَ راحلُ
وكأنَّ حورَ الخُلْدِ حولكَ رَفرَفتْ
وثغورُها شهْدٌ صفا وخمائِلُ
قد كنتَ طَوْداً فاحتواك مُشَفَّعاً
لَحْدٌ يطهِّرهُ الإمامُ العادلُ
طوبى لمن كان الغَرِيُُ مآلَه
وأبو تراب دونه يتجادلُ
أأخي وصِنوَ الروحِ فَقْدُكَ ماحقٌ
والحزنُ في صمتٍ وبالٌ قاتلُ
ستظل في ما بيننا متلألِئاً
وبكلِّ سانحةٍ لأنكَ كامِلُ

✭✭✭✭✭✭✭✭✭✭

🔴 الفصل الاول

المقدمة :

” بلاغةُ الطُّهرِ الإنسانيّ في النصِّ الرثائيّ “

منذُ العنوانِ تتقدّمُ المرثيةُ وهي ترتدي جلالَ القداسةِ وهيبةَ الطينِ العراقيّ النبيل؛ فقولُ الشاعرِ حامد خضير الشمري:

« كفّاكَ أرغفةٌ ووجهُكَ مسجدٌ»

ليس مجرّدَ استعارةٍ عابرة، بل هو بناءٌ شعريّ كاملٌ يختصرُ سيرةَ إنسانٍ عاشَ للناسِ خبزاً ورحمةً ونوراً.

فالكفُّ هنا ليست عضواً بشرياً، بل وطنُ عطاءٍ، والوجهُ ليس ملامحَ رجلٍ، بل قبلةُ طهرٍ ومقامُ محبّةٍ وسكينة.

ومنذُ المطلعِ يفتحُ النصُّ أبوابَ الحزنِ على مصاريعِها، فينهمرُ الدمعُ لا من العينِ وحدها، بل من القلبِ ذاته:

«دمعي على قلبي لفقدِكَ هاطلُ»

وكأنَّ الفقدَ بلغَ من القسوةِ حدّاً جعلَ القلبَ نفسَه يبكي.

هذه المرثيةُ لا ترثي رجلاً فحسب، بل ترثي زمناً جميلاً انطفأ، وقيمةً إنسانيةً نادرةً غابتْ تاركةً خلفها خواءً هائلاً.

لقد استطاعَ الشاعرُ أن يمزجَ بين الفخامةِ الكلاسيكيةِ والحرارةِ الوجدانيةِ، فجاءتْ القصيدةُ مترفةً بالموسيقى، مشبعةً بالصورِ، متدفقةً كأنها نهرُ حنينٍ لا ينتهي.

كلُّ بيتٍ فيها يحملُ وجهاً من وجوهِ الراحل؛ مرةً يراهُ ملاكاً نازلاً في الدياجر، ومرةً ملكاً تُتوّجهُ المهابة، وأخرى فقيراً عظيماً يفتحُ قلبه للفقراء قبل أبوابه.

ويبلغُ النصُّ ذروتَه الجماليةَ حين يُحيلُ الإنسانَ إلى رمزٍ أخلاقيّ خالد، فيقول:

«كفَّاكَ أرغِفَةٌ ووجهُكَ مسجِدٌ

وحِماكَ للفقراءِ فيه منازلُ»

فهنا تتعانقُ الإنسانيةُ مع الروحانية، ويصبحُ الراحلُ صورةً للنقاءِ العراقيِّ الأصيل؛ ذلك النقاءُ الذي يُشبهُ خبزَ الأمهاتِ وصلواتِ الغرباءِ ودفءَ البيوتِ القديمة.

إنها مرثيةٌ كتبتْ بالحبرِ، لكنها تُقرأُ بالدمع. قصيدةٌ لا تكتفي باستحضارِ الموت، بل تمنحُ الغيابَ حياةً أخرى من المجدِ والوفاءِ والخلود.

لذلك تبدو أبياتُها وكأنها تمشي بين الناسِ حاملةً المسك والرياحين و رائحةَ الطيبين الذين يرحلونُ بأجسادِهم، لكنهم يبقونَ في القلوبِ مناراتٍ لا تنطفئ.

الآن … ماذا لو سألت نفسي :

ما هي الصورة النقدية التي تستحقها هذه القصيدة التي تنام على السحاب :

بالتأكيد تستحق هذه المرثيةُ صوراً نقديّةً ثريّةً ومتعدّدة؛ لأنها لا تقومُ على الرثاءِ التقليديِّ وحده، بل ترتفعُ إلى بناءٍ رمزيّ وإنسانيّ وروحيّ عميق.

ومن أبرزِ الصورِ النقديّةِ

التي يمكنُ أن تُمنحَ لها:

* قصيدةُ الأيقونة الإنسانية :

لأنَّ الشاعرَ لم يرسمْ شخصاً عادياً، بل صنعَ أيقونةً من العطاءِ والطُّهرِ والزهدِ، حتى غدا الراحلُ في النصِّ شبيهاً بالقديسينَ الشعبيين الذين يوزّعونُ الخبزَ والنورَ معاً.

* مرثيةُ الخبزِ والقداسة :

وهي صورةٌ نقديةٌ تنبعُ من العنوانِ المركزيّ:

«كفّاك أرغفةٌ ووجهك مسجدٌ»

إذْ جمعَ الشاعرُ بين رمزينِ عظيمين: الخبزِ بوصفهِ خلاصاً إنسانياً، والمسجدِ بوصفهِ طهارةً روحية؛ فصارَ الممدوحُ وطناً للجائعينَ والرُّوحِ معاً.

* الرثاءُ الملحميُّ الوجدانيّ :

فالقصيدةُ تتحرّكُ بين الحزنِ الشخصيّ والأسطرةِ الشعرية، حتى بدا الفقيدُ أكبرَ من فردٍ؛ بدا تاريخاً وهيبةً وقيمةً أخلاقيةً تنهارُ برحيلها الأزمنةُ الجميلة.

* قصيدةُ التطهيرِ الروحيّ :

لأنَّ النصَّ يُطهِّرُ الحزنَ عبرَ اللغةِ العالية، فلا يقدّمُ البكاءَ بوصفهِ انكساراً، بل بوصفهِ وفاءً نبيلاً يليقُ بالعظماءِ.

* السيمفونيةُ الجنائزيةُ البيضاء :

وهي صورةٌ نقديةٌ تصلحُ لهذا النصِّ بسببِ موسيقاهُ الرخيمةِ وتدرّجِه العاطفيّ من اللوعةِ إلى التمجيدِ ثمّ إلى الخلود، وكأنَّ القصيدةَ موكبُ وداعٍ مهيبٍ تمشي فيه الكلماتُ بثيابٍ من نور.

* قصيدةُ الإنسان الكامل :

فالراحلُ يظهرُ في هيئةِ الكائنِ النبيلِ الذي لا تُغريهِ الدنيا، ولا يهزمُهُ الزيف، بل يبقى توأماً للحقِّ ومدافعاً عن الفقراء؛ لذلك يتحوّلُ إلى نموذجٍ أخلاقيّ خالد.

كما أنّ القصيدةَ تستحقُّ قراءةً نقديّةً من زاويةِ:

* التناصِّ الحضاريِّ مع حمورابي وبابل وهاروت وماروت.

* الصورةِ الصوفيةِ في توصيفِ الفقيد.

* البناءِ العموديِّ الكلاسيكيِّ المشبعِ بالنَّفَسِ الحديث.

* ثنائيةِ الأرضِ والسماءِ، إذ يتحرّكُ النصُّ بين الرموزِ الترابيةِ المقدسةِ والرموزِ السماويةِ النورانية.

إنها مرثيةٌ لا تنامُ عند حدودِ البكاءِ،

بل تستريحُ في ذاكرةِ الشعرِ العربيِّ بوصفها قصيدةَ وفاءٍ عاليةِ المقام، كتبتْ الفقدَ بلغةِ الضوء ” تراتيلُ الوفاءِ الأخير ” .

✭✭✭✭✭✭✭✭✭✭

🔴 الفصل الثالث

” قراءةٌ في مرثيةِ الطُّهرِ الإنسانيِّ والخلودِ الروحيّ في شعر حامد خضير الشمري “

حينَ يبلغُ الرثاءُ ذروةَ صدقهِ يتحوّلُ من بكاءِ شخصٍ إلى بكاءِ وطنٍ كامل، ومن حزنٍ عابرٍ إلى نشيدِ وفاءٍ خالد.

وهذا ما فعلهُ الشاعر حامد خضير الشمري في مرثيتِه الباذخة:

« كفّاكَ أرغفةٌ ووجهُكَ مسجدٌ»

إذ لم يكتبْ قصيدةَ وداعٍ تقليدية، بل شيّدَ نصّاً يفيضُ بالإنسانيةِ والرمزِ والطهرِ الروحيّ.

منذُ العنوانِ يضعُنا الشاعرُ أمامَ صورةٍ استثنائيةٍ بالغةِ العمق؛ فالكفّانِ هنا ليسا مجرّدَ عضوينِ بشريين، بل رمزٌ للعطاءِ والخبزِ والرحمة، بينما يتحوّلُ الوجهُ إلى مسجدٍ، أي إلى فضاءِ نورٍ وسكينةٍ وقداسة.

وهكذا يُقدَّمُ الراحلُ بوصفهِ إنساناً يحملُ في داخلهِ صفاتِ القديسينَ الشعبيين؛ أولئكَ الذين يُشبهونَ الخبزَ في بساطتهم، ويُشبهونَ المعابدَ في نقائهم.

ويأتي المطلعُ ليكشفَ شدّةَ الانكسارِ الداخليّ:

«دمعي على قلبي لفقدِكَ هاطلُ»

فالشاعرُ لا يجعلُ العينَ موضعَ البكاءِ، بل القلبَ ذاته، وكأنَّ الفاجعةَ تجاوزتْ حدودَ الدمعِ حتى غدتْ نزيفاً روحياً داخلياً. ثمّ تتوالى صورُ الخرابِ الوجداني:

«ونكبتَنا فذوى الربيعُ وزهوُهُ»

فتغدو الطبيعةُ كلُّها شريكةً في الحزن، ويذبلُ الربيعُ لأنَّ الإنسانَ النبيلَ الذي كان يمنحُ الأشياءَ معناها قد غاب.

وتتميّزُ القصيدةُ ببنائها الملحميّ الذي يرفعُ الممدوحَ إلى مقامٍ رمزيّ عالٍ؛ فالراحلُ ليس فرداً عادياً، بل شخصيةٌ تتقاطعُ معها الحضاراتُ والأساطيرُ والتواريخ.

لذلك يستدعي الشاعرُ حمورابي وبابل وهاروت وماروت ليؤكّدَ أنَّ هذا الغائبَ تجاوزَ حدودَ الواقعِ إلى فضاءِ الأسطورةِ الشعرية:

«أحنى حمورابي إليك برأسهِ

وأتتْ لتعطيكَ المسلّةَ بابلُ»

وفي هذا التناصِّ الحضاريِّ دلالةٌ على أنَّ الراحلَ يمثّلُ امتداداً للقيمِ العراقيةِ الأصيلة؛ قيمِ الحكمةِ والعدالةِ والنور.

وتبلغُ القصيدةُ ذروةَ جمالها الإنسانيّ في البيتِ المحوريّ:

«كفّاكَ أرغفةٌ ووجهُكَ مسجدٌ

وحِماكَ للفقراءِ فيه منازلُ»

فهنا تتجلّى عبقريةُ الصورةِ الشعرية؛ إذ جمعَ الشاعرُ بين الجوعِ الروحيِّ والجوعِ الإنسانيِّ، فجعلَ الممدوحَ ملاذاً للفقراء في أرواحهم وأجسادهم معاً.

إنّهُ إنسانٌ يُطعِمُ الخبزَ ويمنحُ الطمأنينة، ولذلك بدا أشبهَ بصورةِ “الإنسان الكامل” في المخيالِ الصوفيّ.

كما تتّسمُ القصيدةُ بموسيقاها الرخيمةِ وجزالةِ لغتها، فهي تنتميُ إلى العمودِ العربيِّ الأصيل، لكنها مشبعةٌ بحرارةِ الشعورِ الحديث، لذلك جاءتْ الألفاظُ مترفةً دون تكلّف، والصورُ عاليةً دون غموض.

وفي خاتمةِ النصِّ :

يتحوّلُ الغيابُ إلى حضورٍ دائم:

«ستظلُّ في ما بيننا متلألئاً

وبكلِّ سانحةٍ لأنكَ كاملُ»

فالموتُ هنا لا يعني النهاية، بل بدايةَ خلودٍ رمزيّ في ذاكرةِ المحبّين.

إنها مرثيةٌ كتبتْ بالحزنِ، لكنّها ارتقتْ إلى مرتبةِ الضوء؛ قصيدةٌ تُشيّعُ إنساناً، وفي الوقتِ نفسِه تُعيدُ إلينا الإيمانَ بأنَّ الطيبينَ لا يغيبونَ تماماً، بل يتحوّلونَ إلى أثرٍ نقيّ يبقى في القلوبِ مثلَ صلاةٍ قديمة.

تقفُ هذه المرثيةُ في مصافِّ المراثي الوجدانيةِ الرفيعةِ في الأدبِ العربيّ؛ لأنها استطاعتْ أن تجمعَ بين الفخامةِ الكلاسيكيةِ والصدقِ الإنسانيِّ العميق، وهي معادلةٌ نادرةٌ لا تتحققُ إلا في النصوصِ التي تُكتبُ بحرقةِ روحٍ لا بصناعةِ شاعرٍ فقط.

فهي من جهةٍ تنتميُ إلى السلالةِ الكبرى لمراثي الحزنِ النبيل؛ تلك التي تبدأُ من مراثي الخنساء في أخيها صخر، حيث يتحوّلُ الفقدُ إلى نارٍ داخليةٍ لا تنطفئ، وتمرُّ بمراثي المتنبي التي كانت تمنحُ الراحلَ بُعداً أسطورياً وهيبةً تتجاوزُ الموت، ثم تصلُ إلى المراثي الحديثةِ التي جعلتْ الإنسانَ محورَ القيمةِ والمعنى.

لكنَّ خصوصيةَ هذه القصيدةِ تكمنُ في أنّها لا تعتمدُ على البكاءِ وحده، بل تُعيدُ تشكيلَ الراحلِ بوصفهِ رمزاً أخلاقياً وروحياً.

وهذا ما يمنحُها مكانةً متقدمةً

ضمن ما يمكنُ تسميتُه:

“مراثي الإنسان الكامل”

حيثُ يصبحُ الفقيدُ نموذجاً للنبلِ والزهدِ والرحمةِ والوفاءِ للفقراء.

كما أنّ القصيدةَ ترتقي إلى مستوى:

“المرثية الحضارية”

بسببِ استدعاءِ رموزٍ مثل حمورابي وبابل وهاروت وماروت، وهو استدعاءٌ لا يأتي للزينةِ البلاغية، بل ليضعَ الراحلَ ضمن امتدادٍ حضاريّ وروحيّ عريق.

ومن الناحيةِ الفنية، فإنّها تقتربُ من المراثي الكبرى التي تمتلك:

* وحدةً شعوريةً متماسكة.

* لغةً عاليةً دون تصنّع.

* صوراً رمزيةً قابلةً للبقاء.

* موسيقى عموديةً جزلةً تحافظُ على وهجِ القصيدة العربية الأصيلة.

أما البيتُ:

«كفّاكَ أرغفةٌ ووجهُكَ مسجدٌ»

فهو من الأبياتِ التي تمتلكُ قابليةَ الخلودِ النقديّ؛ لأنهُ يختزلُ شخصيةً كاملةً في صورةٍ واحدةٍ مركّبةٍ تجمعُ بين الإنسانيِّ والروحيِّ، وهذه سمةٌ من سماتِ الأبياتِ الكبيرةِ في الشعرِ العربي.

لذلك يمكنُ القول إنّ هذه المرثيةَ ليست نصّاً عاطفياً عابراً، بل قصيدةٌ تمتلكُ مقوّماتِ البقاءِ ضمن المراثي العربية الحديثة التي تُقرأُ بوصفها وثيقةَ وفاءٍ وجمالٍ وإنسانية.

✭✭✭✭✭✭✭✭✭✭

🔴 الفصل الرابع

🔴 تقييم القصيدة :

” القصيدةُ التي تُصلّي الطُّهرُ الإنسانيُّ “

يمكنُ تقييمُ هذه القصيدةِ بوصفها مرثيةً ترتقي إلى مرتبةٍ عاليةٍ بين المراثي العربية الحديثة؛ لما تمتلكهُ من اكتمالٍ فنيّ، وصدقٍ وجدانيّ، وثراءِ صورٍ، وهيبةِ لغةٍ.

فهي ليستْ نصّاً قائماً على الرثاءِ المباشر، بل عملٌ شعريّ يحملُ مشروعَ تمجيدٍ إنسانيّ وروحيّ لشخصيةٍ تحوّلتْ داخلَ النصِّ إلى رمزٍ خالد.

★ على مستوى اللغة والأسلوب :

القصيدةُ مكتوبةٌ بلغةٍ جزلةٍ رصينةٍ تنتميُ إلى العمودِ العربيِّ الفخم، لكنها في الوقتِ نفسهِ متدفقةٌ بعاطفةٍ حيّة، وهذا التوازنُ بين الصناعةِ والحرارةِ الوجدانيةِ من أبرزِ عناصرِ قوتها.

لا يشعرُ القارئُ أمامها بالتكلّفِ البلاغي،

بل يرى اللغةَ وهي تنسابُ بإيقاعٍ طبيعيّ مهيب.

★ على مستوى الصورة الشعرية :

تمتلكُ القصيدةُ صوراً كبيرةً قابلةً للرسوخِ النقديّ، وأبرزها:

«كفّاكَ أرغفةٌ ووجهُكَ مسجدٌ»

وهي صورةٌ تُعدُّ من أجملِ الصورِ الرمزيةِ في المرثيةِ الحديثة؛ لأنها تختصرُ الإنسانَ الكاملَ في ثنائيةِ الخبزِ والقداسة، أي بين الرحمةِ الأرضيةِ والنقاءِ الروحي.

كذلك فإنّ صوراً مثل:

«أحنى حمورابي إليك برأسهِ»

«وملاكُ نورٍ في الدياجرِ نازلُ»

ترفعُ النصَّ إلى فضاءِ الأسطرةِ الشعرية، وتمنحُ الفقيدَ بعداً حضارياً وميتافيزيقياً.

★ على مستوى البناء العاطفي :

القصيدةُ تبدأُ بالحزنِ الشخصيّ، ثم تتسعُ تدريجياً حتى يتحوّلَ الفقيدُ إلى خسارةٍ جماعيةٍ وقيمةٍ إنسانيةٍ مفقودة.

وهذا التصاعدُ العاطفيُّ

من علاماتِ المراثي الناضجة.

★ مكانتُها بين المراثي :

يمكنُ وضعُها ضمن:

* المراثي الوجدانية الرفيعة.

* المراثي ذات البعد الإنساني والروحي.

* المراثي التي تمزجُ بين الكلاسيكيةِ والرؤيةِ الحديثة.

وهي تقتربُ في روحها من المراثي التي لا تكتفي بالبكاءِ، بل تصنعُ للراحلِ تمثالاً لغوياً من النورِ والمجد.

أما من حيثُ التقييمُ الأدبيُّ العام،

فهي قصيدةٌ:

* قويةُ السبك.

* متماسكةُ البناء.

* غنيةُ الإيقاع.

* عاليةُ الصورة.

* صادقةُ التأثير.

ولهذا يمكنُ عدُّها من النصوصِ التي تستحقُّ أن تُقرأَ نقدياً لا بوصفها مرثيةً فحسب، بل بوصفها قصيدةَ قيمةٍ إنسانيةٍ وجماليةٍ متكاملة.

هذه المرثيةُ لم تكن قصيدةَ موت،

بل قصيدةُ بقاء بحق الراحل الاديب والشاعر والناقد كامل الدليمي رحمه الله.

لذلك لم يكنْ غريباً أن يرتفعَ الراحلُ داخلَ النصِّ حتى بدا كأنّهُ واحدٌ من أولئكَ الطيبينَ الذين لا تبتلعهمُ الأرضُ تماماً،

بل يظلّونَ واقفينَ في ذاكرةِ الناسِ مثلَ نخلةٍ عراقيةٍ تقاومُ العطشَ والغياب.

وحينَ نصلُ إلى البيتِ:

«ستظلُّ في ما بيننا متلألئاً

وبكلِّ سانحةٍ لأنكَ كاملُ»

ندركُ أنّ الشاعرَ :

لم يكنْ يكتبُ نهايةَ إنسان،

بل كان يكتبُ بدايةَ خلوده.

إنها قصيدةٌ تمشي على مهلٍ

بين القلبِ والتاريخ،

بين الحزنِ والقداسة،

بين الخبزِ والمسجد.

وإذا كانتِ المراثيُ العظيمةُ

تُقاسُ بقدرتها على إبقاءِ الراحلِ حيّاً

في الوجدان،

فإنّ هذه المرثيةَ

نجحتْ في أن تجعلَ الفقيدَ

أكثرَ حضوراً بعد الرحيل،

وأكثرَ ضياءً بعد الغياب.

✭✭✭✭✭✭✭✭✭✭

🔴 الفصل الخامس

🔴 تقييم الشاعر :

★ يُثبتُ الشاعرُ الكبيرُ حامد الشمري في هذه المرثية أنّه يمتلكُ صوتًا شعريًّا مدوياً قادرًا على تحويلِ الحزنِ من حالةٍ شعوريةٍ عابرة إلى رؤيةٍ إنسانيةٍ عميقة.

لقد نجح في الارتقاءِ بالرثاءِ من البكاءِ على الفقد إلى تأملٍ وجوديٍّ يكشفُ هشاشةَ الإنسان وعظمةَ القيمِ التي تبقى بعد الرحيل.

★ تميّزت تجربتهُ هنا بقدرةٍ لافتةٍ على بناءِ صورةٍ شعريةٍ شفافة، تتداخلُ فيها الرمزيةُ بالعاطفةِ دون افتعال.

فالشاعرُ لا يصفُ الموتَ بوصفهِ نهايةً،

بل يقدّمهُ بوصفهِ تحوّلًا روحيًّا نحو الخلود، وهذه الرؤيةُ تمنحُ النصَّ بعدًا فلسفيًّا وإنسانيًّا يتجاوزُ حدودَ المناسبةِ الرثائية.

كما يُحسبُ له هذا الاقتصادُ الجماليُّ في اللغة، إذ جاءت عباراتهُ مشحونةً بالإحساسِ دون ترهّلٍ إنشائي، فبدت القصيدةُ وكأنها تنزفُ بهدوءٍ نبيل.

★ لقد حافظَ على توازنٍ دقيقٍ بين حرارةِ العاطفةِ ورصانةِ التعبير، وهي سمةٌ لا يبلغها إلا الشعراءُ الذين تمرّسوا طويلًا في صقلِ أدواتهم الفنية.

★ وعلى مستوى الإيقاعِ الداخلي، استطاع الشمري أن يخلقَ موسيقى خفيّة تنبعُ من تكرارِ الصورِ الوجدانية وتناسقِ الجمل، لا من الوزنِ وحده، مما منح النصَّ انسيابيةً مؤثرةً وعمقًا شعوريًّا واضحًا.

★ إنّ قيمةَ هذه المرثية :

لا تكمنُ فقط في جمالِ عباراتها، بل في قدرتها على استنهاضِ المعنى الإنسانيّ للفقد، وتحويلِ الألمِ إلى طاقةٍ جماليةٍ وروحية.

وهنا تتجلّى مكانةُ الشمري كشاعرٍ يمتلكُ حساسيةً عالية تجاه الإنسان، ويعرفُ كيف يجعلُ من القصيدةِ مأوىً للروحِ في لحظاتِ الانكسار.

★ خلاصة القول :

إنّ هذه المرثية تُعدُّ من النصوصِ التي تُرسّخُ حضورَ الشاعر بوصفهِ شاعرًا إنسانيًّا يمتلكُ نبرةً صادقة، وخبرةً فنيةً قادرةً على ملامسةِ الوجدانِ الجمعيّ بلغةٍ شفافةٍ وأسلوبٍ رفيع.

★ يبدوُ الشاعر الشمري في هذه المرثيةِ شاعراً يمتلكُ أدواتِ القصيدةِ العربيةِ الكلاسيكيةِ بوعيٍ فنيّ واضح، مع قدرةٍ على ضخِّ الروحِ الحديثةِ داخلَ البناءِ العموديّ، ولذلك جاءتْ قصيدتُهُ حيّةً لا متحفية، نابضةً بالعاطفةِ لا مجرّدَ استعراضٍ لغوي.

★ يمتلكُ الشاعرُ ثروةً لغويةً جزلةً تظهرُ في اختياراتهِ الدقيقةِ للألفاظِ ذاتِ الجرسِ العالي والهيبةِ الإيقاعية، مثل:

«الدياجر، صائل، ماحق، الرافل، الطود»

وهي مفرداتٌ تُشيرُ إلى شاعرٍ متمكّنٍ من معجمِ العربيةِ التراثي، لكنه لا يستخدمها للزينة، بل يوظّفها لخدمةِ الجوِّ الجنائزيِّ المهيب.

★ أبرزُ ما يميّزُ الشاعرَ :

هو امتلاكهُ حسّاً تصويرياً عالياً؛ فهو لا يصفُ الفقيدَ وصفاً مباشراً، بل يُعيدُ خلقَهُ عبرَ صورٍ رمزيةٍ كبيرة، وأقواها:

«كفّاكَ أرغفةٌ ووجهُكَ مسجدٌ»

فهذه الصورةُ وحدها تكشفُ شاعراً يمتلكُ القدرةَ على اختزالِ سيرةِ إنسانٍ كاملةٍ في مشهدٍ شعريّ مكثّف.

كما أنّ استحضارَهُ لحمورابي وبابل وهاروت وماروت يدلُّ على شاعرٍ يكتبُ بوعيٍ ثقافيّ وحضاريّ، لا بعاطفةٍ منفصلةٍ عن مخزونِه المعرفي.

★ يميلُ الشاعرُ إلى تضخيمِ صورةِ الممدوحِ بطريقةٍ أقربَ إلى البناءِ الملحمي، لكنهُ ينجحُ في ذلك لأنَّ العاطفةَ الصادقةَ تمنعُ النصَّ من السقوطِ في المبالغةِ الباردة. فالقصيدةُ تجعلُ القارئَ يشعرُ أنَّ الراحلَ أكبرُ من فرد، بل قيمةٌ إنسانيةٌ كاملة.

★ يُحسنُ الشاعرُ إدارةَ الإيقاعِ العموديّ بحرفيةٍ واضحة؛ فالقافيةُ جاءتْ متينةً غيرَ متعثّرة، والوزنُ حافظَ على تدفّقهِ دون تكلّف، مما يدلُّ على تمرّسٍ شعريّ حقيقي.

تكشفُ هذه القصيدةُ أنّ الشاعرَ ليس صاحبَ موهبةٍ عابرة، بل يمتلكُ مشروعاً شعرياً كبيراً له بصمة يقومُ على:

* تمجيدِ القيمِ الإنسانية.

* استعادةِ الهيبةِ الكلاسيكيةِ للقصيدة.

* المزجِ بين الرمزِ الروحيّ والوجدانِ الشعبي.

* بناءِ صورةٍ شعريةٍ ذاتِ بعدٍ أخلاقيّ وحضاريّ.

ولهذا يمكنُ النظرُ إليهِ بوصفهِ من الشعراءِ الذين ما زالوا يؤمنونَ بأنَّ القصيدةَ رسالةُ جمالٍ ووفاءٍ وارتقاءٍ روحيّ، لا مجرّدَ كتابةٍ عابرة.

✭✭✭✭✭✭✭✭✭✭

🔴 الفصل السادس

الخاتمة :

وهكذا تنتهي القصيدةُ…

لكنّها لا تغيب.

تبقى معلّقةً في ذاكرةِ الروحِ

كجرسِ كنيسةٍ بعيدة،

أو كأذانِ فجرٍ

يمرُّ فوقَ القلوبِ المتعبةِ

فيوقظُ فيها ما ظنّتْهُ مات.

لله درك أيها الشمري

كيف لفكرك وشعرك

أن يحوّلَ الرثاءَ

من دمعةٍ على راحلٍ

إلى صلاةٍ طويلةٍ

من أجلِ الإنسانِ النبيل.

ذلك الإنسانُ الطيب

الذي إذا رحلَ

شعرتِ الأمكنةُ بالبرد،

وانطفأتْ في البيوتِ

مصابيحُ خفيّةٌ

لا يراها أحد.

وفي المساءِ

حينَ تخفُّ ضوضاءُ العالم،

ويجلسُ الحزنُ قربَ نافذتِهِ الأخيرة،

سنراكَ…

نراكَ أيُّها الفقيد،

تمشي بهدوءِ الطيبين،

توزّعُ دفءَكَ

مثلَ أرغفةٍ خارجةٍ توًّا

من تنورِ المحبّة.

سنراكَ

في عيونِ الفقراء،

وفي دعاءِ الأمهات،

وفي ارتعاشةِ القصائدِ

حينَ تبحثُ عن معنى النقاء.

أيُّها الراحلُ…

ما غبتَ،

لكنّكَ صرتَ أبعدَ من يدِ الفقد،

وأقربَ إلى القلب.

فبعضُ الرجال،

حينَ يرحلون،

لا يُطفئونَ أعمارهم،

بل يُشعلونَ فينا

سراجًا لا ينطفئ.

وها نحنُ الآن،

كلّما مرَّ اسمُكَ

ارتبكتْ في أرواحِنا الأشياء،

كأنَّ الزمنَ فجأةً

تعثّرَ بخطاك،

وكأنَّ المقاعدَ التي كنتَ تجلسُ عليها

ما تزالُ تحتفظُ بحرارةِ يديك،

وكأنَّ الجدرانَ

تسمعُ صوتكَ كلَّ ليلة

ثم تبكي بصمت.

ما أقسى أن يرحلَ الذين

كانوا يشبهونَ الطمأنينة…

الذين إذا دخلوا مجلسًا

هدأتْ الفوضى،

واستراحتِ الأرواحُ

كعصفورٍ عادَ أخيرًا إلى عشِّهِ بعدَ عاصفة.

لقد أخذَ الموتُ جسدكَ،

لكنّهُ عجزَ

أن يأخذَ أثرَكَ من القلوب.

فالطيّبونَ لا يموتونَ مرّةً واحدة،

بل يعيشونَ كلَّ يوم

في ذاكرةِ الذين أحبّوهم،

وفي الدموعِ التي تهبطُ خلسةً

كلّما ذُكروا،

وفي ذلك الوجعِ النبيل

الذي لا يشفى أبدًا.

سنفتقدُكَ

حينَ يضيقُ بنا العالم،

وحينَ نبحثُ عن وجهٍ

يشبهُ الأمانَ فلا نجد.

سنفتقدُ ضحكتكَ

التي كانت تُرمّمُ التعب،

وكلماتكَ

التي كانت تمسحُ عن الأرواحِ

غبارَ الأيام.

وستبقى…

كأنّكَ دعاءٌ قديم

خبّأتهُ أمٌّ في صدرِها

لأجلِ أبنائها،

أو كأنّكَ نخلةٌ عراقية

كلّما اشتدَّ القيظُ

منحتِ العابرينَ ظلًّا وماء.

أيُّها النقيُّ حدَّ الوجع،

نمْ مطمئنًّا…

فثمّةَ قلوبٌ

لن تتعلّمَ كيفَ تنساك،

وثمّةَ أرواحٌ

كلّما أرهقها العالم

عادتْ إلى ذكراكَ

لتشعرَ أنّ الخيرَ

ما زالَ يسيرُ على هذه الأرض.

سلامٌ عليكَ

يومَ كنتَ بسيطًا كالمحبّة،

وعظيمًا كالأثر،

سلامٌ عليكَ

يومَ جئتَ إلى الحياةِ

خفيفًا كنسمة،

ويومَ رحلتَ

ثقيلاً كغيابِ وطن.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading