مقالات نقدية

في عتمة الجسد وبلاغة الفقد:  قراءة في ديوان ممرٌّ معتمٌ يصلح لتعلّم الرقص لـ إيمان مرسال – حسن غريب-مصر

امرأة ترتدي قميصاً أسود، تقف أمام سياج معدني. يظهر على الجانب الأيمن غلاف كتاب يحمل عنوان 'غير معتر'.

استهلال:

تتناول هذه الدراسة ديوان ممرٌّ معتمٌ يصلح لتعلّم الرقص ضمن سياقه الجمالي والثقافي، بوصفه نموذجًا دالًا على تحولات قصيدة النثر العربية في تسعينيات القرن العشرين.

تنطلق من تحليل العتبة النصية، وتمثيلات الجسد والفقد، وبنية العلاقة الأبوية، وسردنة القصيدة، في ضوء الإطار النظري لقصيدة النثر كما تأسس في تنظيرات مجلة شعر، وتطور في نقد الحداثة الشعرية عند أدونيس، وتحليلات البلاغة الحديثة عند صلاح فضل.

وتخلص الدراسة إلى أن مرسال تؤسس لشعرية الاعتراف المقتصد، حيث يتحول الفقد إلى أفق إنساني، والجسد إلى نص ثقافي، واللغة إلى مساحة توازن داخل العتمة.

الكلمات المفتاحية: قصيدة النثر، التسعينيات، الفقد، الجسد، الشعر النسوي، السردنة.

أولًا: الإطار النظري – تحولات قصيدة النثر العربية

1. من التأسيس إلى التحول

تأسست قصيدة النثر العربية نظريًا في خمسينيات القرن العشرين عبر مجلة مجلة شعر، التي دعت إلى التحرر من الوزن الخليلي، وتبنّت مفهوم الشعر بوصفه طاقة لغوية مكثفة.

في هذا السياق، قدّم أدونيس تصورًا للحداثة قائمًا على القطيعة مع البنية التقليدية، وعلى إعادة تعريف العلاقة بين الشعر والواقع.

غير أن قصيدة التسعينيات لم تنشغل بإعلان القطيعة بقدر انشغالها بتفكيك الذات داخل عالم متشظٍّ.

لقد انتقل مركز الثقل من «البيان الحداثي» إلى «الاعتراف الفردي»، ومن الخطاب الجماعي إلى التجربة الشخصية الهشة.

2. السمات الجمالية لقصيدة التسعينيات

يمكن إجمال أبرز خصائص هذه المرحلة في الآتي:

تراجع الأيديولوجيا المباشرة لصالح الحساسية الفردية.

حضور التفاصيل اليومية (الغرفة، المستشفى، المقهى).

سردنة القصيدة وتداخل الأجناس.

الاقتصاد البلاغي واللغة المقتصدة.

وقد أشار صلاح فضل إلى أن بلاغة الخطاب الحديث تقوم على الانزياح والسياق والتوتر الداخلي، لا على الإيقاع العروضي، وهو ما يتجلى بوضوح في نصوص مرسال.

ثانيًا: العتبة النصية واستعارة العتمة

يحمل عنوان الديوان بنية مفارِقة: «ممر» (عبور)، «معتم» (نقص رؤية)، «يصلح لتعلم الرقص» (حركة وتوازن).

وفق نظرية العتبات عند جيرار جنيت، يمثل العنوان جهازًا توجيهيًا يؤسس أفق التلقي.

هنا تتحول العتمة إلى شرط للتعلم، ويغدو الرقص استعارة للنجاة.

إنها كتابة لا تعد بالخلاص، بل بالتدريب على الاحتمال. ومن ثم يغدو العنوان اختزالًا مكثفًا لرؤية الديوان بأسره.

ثالثًا: الجسد بوصفه أرشيفًا للفقد

في قصائد مثل «يبدو أنني أرث الموتى» و«رسم القلب» و«خانات»، يتحول الجسد إلى نص ثقافي تتراكم فيه آثار الراحلين.

إنه ليس رمزًا جماليا مجردًا، بل كيان هشّ:

الجلطة حدث بيولوجي يتحول إلى استعارة لعطب العلاقة.

التنفس يصبح علامة على القلق الوجودي.

المستشفى فضاء لإعادة تعريف الكينونة.

بهذا المعنى، تندرج تجربة مرسال ضمن تيار شعري يعيد كتابة الجسد خارج الثنائية التقليدية (الرمز/المجاز)، ليصير جسدًا يوميًا، قابلاً للمرض، ومحمّلًا بذاكرة الفقد.

رابعًا: مساءلة الأبوة وتفكيك السلطة الرمزية

يشكّل قسم «الجَلطة» محورًا دلاليًا مهمًا في الديوان.

فالأب هنا ليس سلطة مطلقة، ولا رمزًا بطوليًا، بل إنسان يفقد حكمته أحيانًا. المرض يجرده من رمزيته، ويكشف هشاشته.

هذا التفكيك لا يتم عبر صدام خطابي، بل عبر حوار داخلي حميمي.

إنها كتابة تستبدل القطيعة بإعادة الأنسنة.

وفي ذلك تقاطع مع أطروحات الحداثة الشعرية حول انهيار البنى الأبوية، دون تبني خطاب ثوري صريح.

خامسًا: سردنة القصيدة وبناء المشهد

تميل نصوص الديوان إلى بناء مشاهد حياتية: مكالمة هاتفية، غرفة فندق، قطار شرق الدلتا، مقهى جانبي. هذا الحضور السردي يعكس تحولا في مفهوم الشعر:

لم تعد القصيدة نشيدًا جماعيًا.

صارت مونولوجًا داخليًا.

تداخلت الحدود بين الشعر والسرد.

إن «تمارين الوحدة» نموذج واضح لهذا التداخل؛ حيث تتوالى الاعترافات ضمن بناء مشهدي أقرب إلى القصة القصيرة، دون أن تفقد النصوص كثافتها الشعرية.

سادسًا: تفكيك الرموز الكبرى والسخرية الهادئة

في «احترام ماركس» يتحول الرمز الأيديولوجي إلى عنصر في علاقة جسدية. لا قداسة ولا شتم، بل إعادة إدماج في السياق اليومي.

هذا التفكيك يعكس تحولات ما بعد الحداثة، حيث تتراجع السرديات الكبرى لصالح التجارب الفردية.

اللغة هنا ساخرة، لكنها لا تهدم بقدر ما تكشف هشاشة الرموز حين تُنزع من سياقاتها المتعالية.

سابعًا: الفقد كأفق إنساني

الموت في الديوان ليس حدثًا استثنائيًا، بل تكرار يومي. تقول القصائد إن «كل شيء يتكرر»، وإن السكينة «لن تسقط».

الحداد لا يُختتم، بل يتحول إلى إقامة داخل الذاكرة.

الكتابة هنا ليست رثاءً تقليديًا، بل فعل نجاة.

غير أن هذه النجاة لا تدّعي خلاصًا نهائيًا؛ إنها مجرد توازن داخل ممر معتم.

وفي خاتمة رؤيتي النقدية أقول:

يمثل ديوان ممرٌّ معتمٌ يصلح لتعلّم الرقص علامة دالة في مسار قصيدة النثر العربية في التسعينيات.

فهو يجسد انتقال الشعر من البيان الحداثي إلى الاعتراف الفردي، ومن البلاغة العالية إلى الاقتصاد اللغوي، ومن البطولة الجماعية إلى هشاشة الذات.

تكمن أهميته في قدرته على تحويل الفقد الشخصي إلى أفق إنساني عام، وعلى جعل العتمة فضاءً للتعلّم لا للانطفاء.

وهكذا يصبح الرقص، في نهاية المطاف، استعارة للقدرة على الاستمرار.

قائمة المراجع

1-إيمان مرسال. ممرٌّ معتمٌ يصلح لتعلّم الرقص.

القاهرة: دار شرقيات، 1995/2004.

2-أدونيس. زمن الشعر. بيروت: دار العودة.

3-أنسي الحاج. لن. بيروت: دار النهار.

4-صلاح فضل. بلاغة الخطاب وعلم النص. القاهرة: دار الشروق.

5-جنيت، جيرار. عتبات (ترجمات عربية متعددة).

حسن غريب
ناقد روائي شاعر

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading