القصة القصيرة

غزة .. مهد القيامة – للقاص بختي ضيف الله – الجزائر

صورة لرجل يرتدي بدلة داكنة وقميص أزرق، يبدو مبتسمًا ويعد خلفه ستارة حمراء.

يبحث عن كل شيء ثمين عن الثورة الجزائرية؛ صور المجاهدين، أسلحتهم البدائية، لباسهم المرقع، أحذيتهم التي أتعبها الطريق الطويل، ترسم عليه أبجديةُ الصبر عربدة َ غزاة سرقوا أرضا أنبتتْ رجالا على ظهرها. زار متحف المجاهد بالجزائر العاصمة كثيرا، يتلمس كنوزه، عاشقا هذا الوطن الذي سكن قلبه منذ  أن كان طفلا في غزة، يرجو الله أن يزوره عندما يكبر.

يسأله أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة (ابن عكنون) إن كان سيبقى في الجزائر بعد أن يكمل دراسته كإعلامي تعلم كيف ينطقُ الصور الصامتة ويناغي العبارات المبهمة التي يعجز غيره عن تأويلها.

يقف عند نافذة غرفته المطلة على الحي الصاخب بضجيج السيارات والدراجات النارية، يفكر في جواب مقنع عن سؤال أستاذه، بنعم أو لا، يأخذ منه وقته الثمين، في أمس الحاجة إليه وهو يعدّ رسالة تخرجه، يبحث لها عن مصادر ومراجع بلغات عربية وأجنبية.

– لماذا أحرجه أستاذه بذلك السؤال؟ هل هو الفلسطيني الوحيد في الجامعة؟ لماذا هو تحديدا؟

إن للجزائريين رحلة طويلة في فلسطين، تحكيها الجدات للأحفاد، مكتوبة على كراسات التربية والتاريخ، يتبعون خيوطها كنسيج من هويتهم التي حاولت فرنسا طمس علاماتها؛ ألقت على صفائها الشبهات والأوهام  بحضارة مزعومة لم تجد مكانا في القلوب؛ فكانوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. ألم ينتبه إلى تشابه القلوب بين الأبطال؛ كأنهم في جيش واحد يحاربون عدوا واحدا: (صلاح الدين الأيوبي، الأمير عبد القادر،عز الدين القسام، الشيخ بوعمامة، عبد القادر الحسيني، الشيخ المقراني، العربي بن مهيدي..) يطلقون الطلقة الواحدة في صدر ذلك العدو المتحول عبر الزمن.

لا أدري سر غيابه، لم أجد له أثرا، لا في الحي الجامعي ولا في الجامعة، إلى  أي مدينة من مدن هذا الوطن الكبير رحل؟ لم يخرج رقم هاتفه يوما عن التغطية؛ هل أزعجه إلحاحي عليه بالبقاء في الجزائر؟ ألا يعجبه العمل فيها كصحفي في الشؤون العربية في إحدى القنوات الوطنية؛ فهو يبحث دائما في أعماق الأحداث ويحللها بكل اقتدار.

لم تتوقف رنات هاتفي؛ يسأل عنه كل الأصدقاء وعن غيابه المفاجئ. اتهمني بعضهم بأني أتعبت قلبه بأسئلتي المكررة؛ فأنا أقرب أصدقائه؛ عرضت عليه الزواج بإحدى أخواتي، لكنه أبى، لم أفهم سر رفضه رغم أنّ كل واحدة منهن تمنته زوجا لها، ليسكن معنا في بيتنا العائلي الكبير، أعطاه أبي أرضا في باديتنا ليزرعها تينا وزيتونا.

فكرت في  كلامه الذي استمعت وأنصت إليه باهتمام بالغ على كل جانب لعلي أجد إجابة واضحة. لم أنس حالته ونحن نشاهد (الجزيرة مباشر)، حين كان يخفي دموعه كلما سقطت قذيفة على مربع سكني في غزة، تخنق صوته؛ فيكلمني بصعوبة؛ فلا أفقه كلامه، بيد أنه يحاول أن يطلق ابتسامته ليخفي حزنه الشديد، ويضع بين يديّ مذكراته؛ يسليني بها؛ يصف القطاع  كأنك تراه؛ ذلك الشريط الضيق الجميل من أرض فلسطين المحتلة، المكتظ بسكانه، يحتضن النازحين الفارين من جرائم الاحتلال في رحلة بدأت سنة  1948، كانت شاقة لكنها مليئة بالذكريات، تعيد صور المخيمات الصامدة أمام الريح، تحكي الجدات أصل الحكاية.

ولكن حين تطلق الطائرات جحيمها على السكان يسرق منا الحزن ابتسامنا؛ فنبقى اليوم كله على تلك الحال، نلتحف بالسواد، حتى يطلع علينا (أبو عبيدة) بصور تشفي صدور قوم مؤمنين؛ فتسعدنا نشوة النصر. ولكن سرعان ما يعيد العدو لينتقم من المدنيين الآمنين..كما فعلت فرنسا بالجزائريين زهاء قرن وثلاثين سنة، إننا  نشبه بعضنا قي كل شيء حتى في المحن والشدائد.

– أتراه يتذكر هذا الآن؟ أين أنت يا أخي؟

لحظة.. رسالة على هاتفي..إنه هو..

” أخي العزيز..سامحني لأني لم أعلمك برحيلي عن الجزائر الحبيبة..أنا في غزة الجريحة..لا تسألني كيف دخلتها رغم الحصار..تعلمت من ثورة الجزائر العظيمة الصبر..هي رمز للجهاد ضد المحتل.. كم آلمني وأنا أرى أهلي وأحبابي يرحلون دوني..حتى بيتنا الجميل صار حطاما..تحولت غزة إلى مدينة أشباح.. رغم كل الجراح إلا أني سعيد..أنتظر لحظة الرحيل والنصر معا..ألتقط صورا لكل  شيء  بآلة التصوير التي أهديتها لي .. إنها مشاهد عظيمة  يا أخي ..لا يفهم معانيها إلا من آمن بها …آه يا عزيزي ..إنها غزة.. مهد القيامة..إننا تحت القصف الآن.. إنّي أنزف..إنّي أنزف..”

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading