مقالات نقدية

على حافة الخراب: حين يغنّي الشعر الأميركي وسط الرعب-حسن غريب

رجل يرتدي بدلة زرقاء، يبدو عليه الجدية أثناء حديثه.

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025 بين الدمار والموسيقى

تمهيد:

في عامٍ بدا كأنه يختبر قدرة الإنسان على الاحتمال، لم يكن الشعر الأميركي بعيداً عن العاصفة.

2025 لم يكن عاماً عابراً في الذاكرة الثقافية؛ كان عاماً مثقلاً بالحروب، بانكسارات السياسة، بقلق المناخ، وبشعورٍ كونيّ بأن الأرض تميد تحت أقدام ساكنيها.

وفي قلب هذا الاضطراب، نهضت القصيدة لا لتصف الخراب فقط، بل لتغنّيه، لتحوّله إلى موسيقى، لتبحث في الركام عن شرارة جمال.

الشعر الأميركي، الممتد من احتفال والت ويتمان بالجسد والكون، إلى عزلة إميلي ديكنسون وتأملها الداخلي، ومن اعترافات سيلفيا بلاث القاسية إلى صفاء لويز غلوك التأملي، لم يفقد يوماً صلته بالإنسان.

لكنه في 2025 بدا أكثر حدة، أكثر انكساراً، وأكثر صدقاً في مواجهة الأسئلة الكبرى: كيف نعيش في زمن الخوف؟ وكيف نكتب فيما العالم يتداعى؟

الكارثة من الخارج إلى الداخل

لم تعد الكارثة في قصائد هذا العام حدثاً بعيداً يُروى، بل تجربة شخصية تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية. صحيح أن خلفية النصوص مشبعة بأخبار الحروب والكوارث الطبيعية والعنف الاجتماعي، لكن القصيدة لا تقف عند حدود الحدث؛ إنها تنقل الرعب إلى الداخل.

الخوف لم يعد عنواناً عريضاً، بل صار ارتعاشة يد، أرقاً طويلاً، رسالة لم تصل، بيتاً بلا دفء.

الكارثة هنا ليست انفجاراً فقط، بل صمتاً طويلاً بعده.

لم يعد الشاعر شاهداً خارجياً، بل طرفاً متورطاً، جسداً يعيش التهديد، وروحاً تحاول أن تفهم معنى النجاة.

هذا التحوّل من العام إلى الخاص هو ما منح قصائد 2025 كثافتها الإنسانية.

نحن لا نقرأ بيانات، بل نقرأ اعترافات. لا نسمع خطباً، بل همسات مكتومة تتصاعد من عمق التجربة الفردية.

الموسيقى بوصفها فعل مقاومة

اللافت أن هذا الانغماس في الرعب لم يؤدِّ إلى جفاف اللغة أو قسوتها الباردة.

على العكس، شهدت القصيدة الأميركية عودة قوية إلى العناية بالموسيقى الداخلية: إيقاعات حرة لكنها منضبطة، تكرارات محسوبة، صور تتوالد من بعضها كأنها مقاطع لحنية.

كأن الشاعر يقول: إذا كان العالم يتداعى، فلنحافظ على انسجام الجملة.

إذا كان الخارج فوضى، فلنصنع من الداخل إيقاعاً. الموسيقى هنا ليست زينة شكلية، بل درعاً نفسياً.

إنها الطريقة التي تقاوم بها اللغة الانهيار.

في كثير من النصوص، يتجاور مشهد الدمار مع نغمة هادئة، صورة الخراب مع استعارة شفافة، وكأن القصيدة نفسها تحاول أن تثبت أن الجمال ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية.

الجسد بوصفه ساحة كتابة

برز حضور الجسد بقوة في قصائد هذا العام: الجسد المهدد، المختلف، المرهق، والمقاوم.

لم يعد الجسد رمزاً مجرّداً، بل مساحة صراع حقيقية. الجسد الذي يحمل ذاكرة عرقية، أو تاريخاً من التهميش، أو تجربة مرض، يتحول إلى نصّ حيّ.

لكن اللافت أن الكتابة عن الجسد لم تقع في فخ الفجاجة.

هناك حساسية واضحة في تحويل الألم الجسدي إلى سؤال فلسفي: ما معنى أن يكون الإنسان هشّاً؟

كيف نتصالح مع حدودنا البيولوجية؟

وكيف يصبح الجسد وثيقة زمن؟

هنا تتجلى قدرة الشعر الأميركي على الجمع بين الحميمي والسياسي، بين التجربة الفردية والسياق العام، دون أن يفقد صدقه أو توتره.

الطبيعة: من ملاذ رومانسي إلى كائن جريح

في ظل تصاعد القلق البيئي، لم تعد الطبيعة في قصائد 2025 مساحة هروب رومانسي، بل صارت شاهداً على الانهيار.

الغابات المحترقة، المحيطات المختنقة، الفصول المضطربة… كلها حضرت بوصفها علامات على اختلال التوازن.

لكن المفارقة أن الطبيعة لم تُختزل في صورة الضحية. كثير من القصائد منحتها صوتاً، حضوراً فاعلاً، بل طاقة أمل.

زهرة تنمو في أرض ملوثة، نهر يستعيد صفاءه بعد عاصفة، طائر يعود إلى عشه رغم كل شيء.

كأن الطبيعة تقول للشاعر: الخراب ليس قدراً أبدياً.

بهذا المعنى، يصبح الجمال في هذه النصوص فعلاً أخلاقياً، لا مجرد توصيف بصري.

إنه إصرار على رؤية الضوء، ولو كان خافتاً.

بين الرعب والجمال: جدلية الخلاص الإنساني

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025 لم تقدّم حلولاً جاهزة، ولم تدّعِ امتلاك اليقين لكنها أدارت بذكاء جدلية الرعب والجمال، الدمار والموسيقى.

لم تنكر العتمة، ولم تبتذل الأمل.

الرعب لم يُقدَّم بوصفه نهاية الحكاية، بل مادة أولية للمعنى.

والدمار لم يُختزل في صورة عبثية، بل تحوّل إلى اختبار لقدرة اللغة على الصمود.

في هذه القصائد، الإنسان ليس بطلاً خارقاً، بل كائن هشّ، ومع ذلك يكتب، يغنّي، ويحبّ.

وهنا تكمن إنسانية التجربة: الاعتراف بالضعف دون الاستسلام له.

تحويل الألم إلى نغمة، والخسارة إلى قصيدة.

الشعر كمساحة عزاء جماعي

في زمنٍ تتكاثر فيه الشاشات وتتصارع الخطابات، بدت القصيدة الأميركية في 2025 وكأنها تبحث عن دورها القديم: أن تكون مساحة عزاء. ليست عزاءً ساذجاً يُغلق الجرح سريعاً، بل عزاءً يضع اليد على الألم ويقول: أنا أراك.

القصيدة هنا ليست ترفاً ثقافياً، بل فعل حضور.

حضور إنساني في وجه الغياب، وصوت فردي في مواجهة ضجيج العالم.

إنها تقول لنا إن الخراب لا يُلغِي الحاجة إلى الجمال، بل يجعلها أكثر إلحاحاً.

خاتمة: الغناء فوق الحافة

إذا أردنا تلخيص المشهد، يمكن القول إن الشعر الأميركي في 2025 وقف على حافة الخراب… وغنّى.

لم يغنِّ لأن العالم بخير، بل لأنه مهدد.

لم يبحث عن جمال سطحي، بل عن موسيقى تنبع من قلب الألم.

هذه القصائد لا تُطمئننا تماماً، لكنها تمنحنا شيئاً أعمق: شعوراً بأن الإنسان، رغم كل شيء، ما زال قادراً على تحويل الرعب إلى لغة، والدمار إلى إيقاع، والخوف إلى معنى.

وهكذا، في عام التصادم الكبير، لم يكن الشعر الأميركي شاهداً فقط على الكارثة، بل شريكاً في مقاومة صمتها. على حافة الخراب، ظلّ الغناء ممكناً.

حسن غريب
ناقد روائي شاعر

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading