📰 آخر الأخبار
التشكيلية الدكتورة العراقية هالة كوسياك :حاورها / علي صحن عبد العزيزNon Philosophical Ideas By Salim Elias Madaloابتسامة جذلة/سنية عبد عون رشواشباح المشافي / جواني عبدالالتعليم في العراق: مشروع إنقاذ حضاري — رؤية تربوية لبناء الإنسان/ د.ياسين احمد خلفأصابعُ الفجر/عارف عبد الرحمن - حلبالحب لا يكفي أن يحصل، بل يجب أن يبنى / محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربعُزْلَةُ الخَيْطِ الأَحْمَر / أ.حسناوي سيلميالروح هزيمة الحرب الأخيرة/مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمنThe Long-Awaited Cloak By Mohammad KutubuddinDo Not Drive Away Those Flamingos /Soran Mohammedعودة المجهول / عبد الجبار الحمديمحاولة متعمدة للنسيان / لأمجد توفيق/حامد شهاب / باحث إعلاميالنظرة / ملفينا توفيق ابو مراد/ لبنانديانا ويب .. هوائي .. قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالعصافير الروح والجسد/سالم الياس مدالوAutumn Butterflies By Soran MohammedThe First People I Ever Met— Dad and Mom-Park Yong Seo-KoreaWho Am I ??Maria D. Reis/Portugalالفراغ / أمين الساطيمونودراما الأذن / بلعربي خالد الزوج  الخطأ /فلامينيا أوكامبو-ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيمانحناء / غارسيا ناصح«دمعة أخيرة» لمحمد بنطلحة:قراءة نقدية/عبد العزيز الخبشي- المغربأحلام لبنية/عائشة بريكات- دمشق
التشكيلية الدكتورة العراقية هالة كوسياك :حاورها / علي صحن عبد العزيزNon Philosophical Ideas By Salim Elias Madaloابتسامة جذلة/سنية عبد عون رشواشباح المشافي / جواني عبدالالتعليم في العراق: مشروع إنقاذ حضاري — رؤية تربوية لبناء الإنسان/ د.ياسين احمد خلفأصابعُ الفجر/عارف عبد الرحمن - حلبالحب لا يكفي أن يحصل، بل يجب أن يبنى / محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربعُزْلَةُ الخَيْطِ الأَحْمَر / أ.حسناوي سيلميالروح هزيمة الحرب الأخيرة/مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمنThe Long-Awaited Cloak By Mohammad KutubuddinDo Not Drive Away Those Flamingos /Soran Mohammedعودة المجهول / عبد الجبار الحمديمحاولة متعمدة للنسيان / لأمجد توفيق/حامد شهاب / باحث إعلاميالنظرة / ملفينا توفيق ابو مراد/ لبنانديانا ويب .. هوائي .. قصيدة هايبون معاصرة/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالعصافير الروح والجسد/سالم الياس مدالوAutumn Butterflies By Soran MohammedThe First People I Ever Met— Dad and Mom-Park Yong Seo-KoreaWho Am I ??Maria D. Reis/Portugalالفراغ / أمين الساطيمونودراما الأذن / بلعربي خالد الزوج  الخطأ /فلامينيا أوكامبو-ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيمانحناء / غارسيا ناصح«دمعة أخيرة» لمحمد بنطلحة:قراءة نقدية/عبد العزيز الخبشي- المغربأحلام لبنية/عائشة بريكات- دمشق

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
فنون تشكيلية

عالمي اشراق ونقاء:قراءة لـ (اللوحة الزرقاء) للفنان خالد المبارك

                 

   حاملاً ألوانه وفرشه ، متنقلاً من مدينته البصرة العراقية الى مدن ودول وأُخرى مقيمًا معارضه الشخصية أو مشاركاً في معارض ، يرسم وينحت بحضور الجمهور؛ ليمنح الفن روحًا حيّة مميزة ، حيث يتيح لمتلقيه فرصة معايشة اللوحة منذ أول لقاء بين فرشاته والقماشة البيضاء ، حتى اكتمال وجودها .

من معرضه الشخصي {تماثيلي تضيئ العتمة} الذي يمثّـل المعرض {15} ضمن سلسلة معارضه  الشخصية كان اختياري للوحته الموسومة بـ {اللوحة الزرقاء} التي اشتغلها بحجم 100 /80 سم ، مستعملاً مادة الاكريليك على قماشة الجنفاص ، وهي قماشة خشنة جدًا يستعملها الفنانون للرسم عليها بعد معالجتها ؛ لتكون طيّعة ومتقبلة للألوان والأشكال التي ستُرسم عليها .

   في طروحاته توقف الروائي تولستوي عند تعريف الفن ، حيث أشار إلى أنَّه ضرب من النشاط البشري ، يتمثّل بقيام الإنسان بتوصيل عواطفه إلى الآخرين بطريقة شعورية ارادية . وهذه الاشارة تؤكد أنَّ العلاقة بين الفن والوعي الإنساني علاقة جدلية ، تعكس شكل ومعنى علاقة الفنان بالعالم المحيط به ، كما أنّها تسهم في رسم خطوط موقفه من الواقع العياني ، وتخصيصًا صراعه ضد القيم السلبية التي يجدها تحاصره من كل اتجاه .

   إنَّ اللوحة لا يمكن أن تكون مجموعة أشكال نُثرت أو وزِّعت كيفما اتفق ، بل هي مجموعة أشكال ربما استطيع وصفها بالمتشابكة مع بعضها بعلاقات حميمة مترابطة تثير متلقيها ، مع ملاحظة أنَّ المتلقي قد يكون في حالة نفسية ربما تؤثر في تلقِّيه سلبًا أو ايجابًا .   

في محاولتي لتحليل أيّة لوحة اعتمد طريقة تفكيكها ، أي استنطاق عناصر تكوينها أولاً ، ثم أُحاول اعادة ربط هذه العناصر معًا ، فالتفكيك إجراء بحثيّ لا أكثر ؛ لأنَّ اللوحة كلّ متكامل لها حياتها ووجودها وعالمها الافتراضي الخاص ، وهي بهذا تلتقي مع الحياة بوصفها رمزًا لها .

   سأبدأ تحليلي لهذه اللوحة من خلال فرز عناصر التكوين التي اعتمدها الفنان خالد في هذه اللوحة ، وهي :

1/ البحر .

2/ الطيور .

3/ السمكتان .

4/ الأعشاب البحرية .

5/ هالات الضياء .

   يؤدي البحر أو المسطّح المائي في الواقع العياني مجموعة من الوظائف والدلالات ، فوظائفه النفعية تتحدد في :

  1. حياة : بدلالة قوله تعالى {وجعلنا من الماء كل شيء حي} .
  2. غذاء : الكثير من المخلوقات البحرية تصلح طعامًا للإنسان والحيوان .
  3. انتقال : واسطة الانتقال من مكان لآخر .

يقابل هذه الوظائف النفعية مجموعة من الدلالات التي خبرها الإنسان من خلال تعامله الطويل مع البحر ، حيث يشعر المتأمل له بقوته الهائلة التي تثير شعورًا بالتحدي ، تحدي البحر للإنسان ، وتحدي الإنسان للبحر ، كما يستشعر حركة الأمواج على سطحه مقارنة بأعماقه التي موقع هي العتمة والغموض والأسرار .

   إذًا البحر وجود متلازم مع الوجود الإنساني فكرًا وروحًا وطقوسًا ، وهذا بالتالي يشكِّل واحدًا من منطلقات فكرة الفنان خالد في اختياره للبحر مكانًا لموضعة عناصر تكوين لوحته ، بل تسمية هذه اللوحة بصفة البحر ولونه {اللوحة الزرقاء} . واتخذ البحر {ماءً وقاعًا} موقعته على امتداد مساحة اللوحة ، مؤشرًا حضورًا طاغيًا ، ومحتضنًا لعناصر التكوين بوصفه أرضية ينطلق منها سرد اللوحة وبؤرتها الحَدَثية ، التي ستكشف للمتلقي مشهدًا يحدث في جزء من البحر تكتنفه العتمة المحمّلة بدلالات الغموض والأسرار ألا وهو الأعماق المظلمة ، هنا سيطرح تساؤل وجوده :

لماذا أضاء الفنان منطقة معتمة هي قاع البحر ، ومنحها اللون الأزرق ؟

لزمان طويل ظنَّ الإنسان أنَّ زرقة البحار والمحيطات سببها انعكاس لون السماء الأزرق على صفحة المياه فقط ، لكنّ طروحات الباحثين في علم البحار ، تشير إلى أنَّ جزيئات الماء تمتصُّ موجات ضوء الشمس وألوانه بسرعة في الطبقات السطحية من ماء البحر التي لا يتعدّى عمقها الأمتار القليلة ، فلا يبقى من ضوء الشمس إلاّ اللون الأزرق الذي يتشتت ، ويغطي لونه ماء البحر ، لكنه لا يستطيع النفاذ أكثر من (100م) عمقًا ، ثم تسيطر العتمة .

من هذه المنطقة المعتمة انطلقت فرشاة الفنان في رسالتها للمتلقي التي تعلن له :

اترك سطح الماء فهو مكشوف لكل راءٍ ، وتفصيلاته مطروحة في ضوء الشمس ، وادخل إلى محراب العتمة ، واكتشف رمزيتها وأسرارها . فرسالته محاولة لنزع قشور الواقع العياني المُعبّق بالألم والقسوة ، للوصول إلى الجوهر الحيّ الأصيل الذي لم تدنّسه مساوئ البشر .

هنا أوقفني تساؤل آخر :

كيف رسم الفنان خالد مشهدية اللوحة ؟

اعتمد في تمثيل مشهديتها على أربعة طيور وسمكتين ، ومجموعة من الأعشاب البحرية وهالات الضياء ، وهي عناصر منتقاة بدقة بعيدًا عن أية مظهرية عشوائية لعيِّنة من عيّنات قاع البحر المليئة بالمخلوقات المتحركة والساكنة ، وهذا الانتقاء يؤشر رغبة الفنان في اختزال العناصر الساردة لحَدَث اللوحة ، مقابل منح المشهد حيويته وحركيته من خلال الأشكال المرسومة .     

   في أكثر من حديث صحفي أشار الفنان خالد الى طائر المهلهل رفيقه الدائم ، ورمزه المعلن للسلام ، وثروته الذاكراتية التي اختزنت صورة هذا الطائر مقرونة ببشائر الخير ، التي كثيرًا ما أعلنتها الذاكرة الجمعية عبر الأساطير والحكايات الشعبية والأمثال ، التي تناقلتها الأجيال شفاهياً وكتابة ، ويشير معجم المعاني الجامع الى أنَّ المهلهل طير من فصيلة المازوريات يألف مجاري المياه ، ويقتات على الأسماك الصغيرة والحشرات ، لماذا إذًا انتزع الفنان خالد هذه الصفات ، ومنحه صفة بعيدة تمامًا عن تكوينه الخلقي بجعله يخترق طبقات المياه ليحلَّ ضيفًا على مخلوقات قاع البحر ؟

   إنَّ انتقالة الطير من المُكوِّن البري الى المُكوِّن البحري كانت انتقالة مقصودة تمامًا ، فكّر بها الفنان خالد وتأمّلها مُحدِثًا تغييرًا على مستوى الوجود أولاً ، وعلى مستوى الدلالة ثانيًا ، منطلقًا من فكرة التغيير الذي يؤشر استكشافًا لعالم آخر يختلف كليّاً عن عالمه المألوف ، إنَّها الهجرة التي تمارسها الطيور بريًا قاطعة مسافات شاسعة ، لكنها غيّرت مسارها الأُفقي إلى مسارٍ عمودي ، لما يملكه هذا المسار من دلالة القوة المتنامية القادرة على الانجاز الفعلي للاختراق ، وبدلاً من اختراقها الهواء في رحلتها عمد الفنان إلى جعلها تخترق الماء ، ولا بُدَّ لي من التوقف عند الكيفية التي تمظهرت بها رحلة الاختراق لطائر المهلهل ، حيث بدأت حركته من سطح الماء إلى عمقه ، ولتأشير هذه الحركة فإنَّ الفنان تعمد تظهير الطائرين اللذين تموقعا في يمين اللوحة باتجاه النزول العمودي ، ورغم هذا النزول إلاّ أنّه أظهرهما وكأنهما يتحاوران بحديث لم ينتهِ بعد ، أمّا الطائر الثالث والذي يتموقع في وسط الجزء الأسفل من اللوحة فقد استقرَّ بجسده على أرضية القاع في البُعد الثالث ، فيما بدا الطائر الرابع أقرب وجودًا إلى مقدمة اللوحة ، وهو الآخر تموقع على أرضية اللوحة ، وبدا أنَّ الطائر الثالث يشارك السمكتين في حديث ما ، فيما اتخذ الطائر الرابع وضع المتابع للحديث ، إذًا علامات الأُلفة واضحة ومقصودة تمامًا . هنا سيلفت نظر المتلقي أحجام الطيور ، فالطير الأول المتموقع في أقصى اليمين يبدو أصغر جسمًا من الطير المجاور له ، كما أنّ تعمّد الفنان إظهار أحد الجناحين مفروشًا يحمل إشارته الدلالية على كون الطير الأكبر حجمًا ذكر أولاً ، ووالد ثانيًا ، فيما يبدو الطيران الثالث والرابع أصغر حجمًا مما يؤشِّر أنّهما يمكن أن يكونا أولادهما ، فهي عائلة وليست مجرد أفراد ، مما يدلل على الترابط الأُسري ، وهذه الرحلة ليست رحلة بحرية فقط  ، بل هي رحلة عائلة مُرحّب بها في القاع .

طائر البشائر بالخير ، هكذا ينظر الفنان خالد إلى طائر المهلهل ، فهل استطاع أن يجسّد هذه النظرة في لوحته ؟

   للإجابة على هذا التساؤل سنتابع الكيفية التي تمظهر بها الطيران الذكر والانثى ، ولنبدأ متابعتنا مع حركتهما ، حيث عمد الفنان إلى إظهار نزولهما من خلال شعاعات الضوء التي أثارها هذا النزول ، حيث لم يكتفِ الفنان بنشر الضياء ضمن حدود حركة الطائرين بل نشرها في وسط الجزء العلوي وجانبيه ، وامتدَّ الضياء ليغطي جسم الطائر الأُنثى عدا الرأس ، أمّا الطير الذكر فيظهر منه الرأس وجزء من الصدر مع أحد الأجنحة ، والطير الثالث يتمظهر رأسه وجزء من الصدر أيضًا ، فيما يتمظهر رأس الطائر الرابع ونصف جسمه تقريبًا .

إذًا تأكيد الفنان على إظهار الرأس وتفاصيله مقصود تمامًا ، مما يدلل على وعيه الدقيق في مسألة الانتقاء ، لأنَّ الرأس هو حامل الأفكار ، والجزء المتحكم بباقي الجسم .

   ويكشف المسح البصري الدقيق لهذه اللوحة شفافية أجسام هذه الطيور والسمكتين أيضًا ، فما المقصود بالشفافية ؟

في الواقع العياني تُعدُّ أجسام الطيور من الأجسام المعتمة ، أي التي تحجب ضوء الشمس فلا يتخللها ، ويمنحها ظلاً كذلك ، لكن في الواقع التشكيلي الافتراضي يمكن للفنان أن يمنح صفة الشفافية لأي شكل ، سواء أكان معتمًا أم غير معتم ، فكل تمظهر لشكلٍ ما بحيث يحجب ما خلفه بشكل تام يُدعى شفافية تامة ، أما إذا كان الحجب لجزء من الشكل فقط فيسمّى شفافية ناقصة أو جزئية ، سأُحاول متابعة صفة الشفافية التي منحها الفنان خالد للطيور، حيث بدا الطير {الأُنثى} غارقًا في موجة ضياء شعاعية بيضاء وزرقاء ، أمّا الطير {الذكر} فإنَّ جسمه الشفاف كاد أن يتماهى مع مكونات القاع من نباتات فلا يحجبها ، وهذا أيضاً ما تمظهر به جسمي الطائرين الآخرين ، وهذا التمظهر إنَّما يحمل دلالات مقصودة تمامًا ، فالطائر الذكر هو رمز للأب .. القائد .. المفكِّر ، والطائر الأُنثى هي رمز المرأة الشفافة النقية المساندة ، والطائران الآخران هما رمز الأولاد المؤمنين بما يبثّه الأب من رسالة خير ونقاء وصفاء وتسامح ، فهي رسالة تواصلية لا يمكن لفرد أن يحققها لوحده ، بل نواتها العائلة التي تؤدي وظيفتها الإنسانية في بثِّ القيم النبيلة .

   يعلن الواقع البحري الذي خبرته ذاكرة العلماء عن احتواء البحر على أسماك معتمة ، وأُخرى شفافة يشفُّ ظاهرها عن تكوينات أجسامها الداخلية ، لكنَّ تعمد الفنان اختيار سمكتين شفافتين كان مقصودًا تمامًا لما يحققه من جمالية التوازن في صفة الشفافية أولاً ، وفي ايجاد عالم تحكمه الشفافية ثانيًا ، وفي تآزر الأسماك مع الطيور في ايجاد هذا العالم ثالثًا ، وبهذا رسّم الفنان خطوط عالم آخر تتحوّل فيه العلاقة بين الطيور والأسماك من علاقة افتراسية {آكل ومأكول} إلى علاقة تعاون وتآزر لنشر السلام.

   تمثّل الأعشاب جزءاً من مكوِّن قاع البحر ، وقد منحها الفنان خالد وجودًا كثيفًا ؛ لتكون مؤشرًا على قاع حيوي يمتلئ بعلامات الحياة ، ولهذا منحها توزيعًا تناثريًا مؤثرًا جماليًا .

هناك تساؤل شغلني أثناء قراءتي لهذه اللوحة هو :

هل نجح الفنان خالد في تحقيق خاصية تعادل القوى داخل هذا المشهد الافتراضي ؟

يؤشر المسح البصري لهذه اللوحة عن الحضور الطاغي للبحر قاعًا ومياهًا ، لكنَّ هذا الحضور تعادله أجسام الطيور والأسماك والأعشاب والضوء ، هذا فيما يخصُّ النظرة الكليّة ، أمّا على مستوى النظرة الجزئية فإنَّ أشكال الطيور وهي كائنات بريّة ، تتعادل مع الأسماك والأعشاب بوصفها كائنات بحرية ، فيما يُشكّل الضوء قوّة محيطة فاعلة في تظهير الحدث .

   يؤشر المسح البصري للمنظومة اللونية ، التي فرشها الفنان خالد على قماشة اللوحة عن حضور طاغٍ للون الأزرق المتدرِّج ، الذي تمظهر بخاصية التشبُّع {الكروما} في قاع البحر ، ثم يبدأ بالتدرج المتداخل الفاتح كلّما ابتعد عن عمقها صاعدًا إلى أعلى أعلاها ، وهذا الافتراش يؤشر مسألة مهمة تعارف عليها الفنانون ، تشير إلى أنَّ صفة التشبّع إذا تحققت في الدرجة اللونية تأكدت دلالات اللون تماماً ، والتشبّع اللوني له تأثيره الواضح في إثارة المتلقي ، ليس من حيث دلالاته فقط بل من حيث إثارته للإحساس بالبُعد الثالث الوهمي {العمق} وهذا ما نكتشفه عند النظر إلى الطبيعة المفتوحة في مداها البعيد ، حيث تتكاثف طبقات الهواء والغبار منتجة ضبابية عالية ، ودرجة تشبُّع لوني قليلة ، يقابلها تمظهر واضح للأشكال وتفصيلاتها إن كانت الألوان مشبّعة بحكم قربها من مقدمة اللوحة . 

 هنا سيطرح تساؤل نفسه : ما هي دلالات اللون الأزرق ؟

الازرق من الالوان الاساسية وهو لون بارد ، وتشير الدراسات العلمية الى أنَّه يشتغل باتجاه اطلاق هرمونات تهدئ الجسم وتساعده على الاسترخاء ، واسترجاع حيويته أيضًا . كما طرح الباحثون في مجال الالوان معتمدين على الذاكرة الجمعية ، مجموعة من دلالات اللون الازرق وهي : القوة والثقة والشفافية والعطاء والطاقة والعمق والحكمة ، وهذه الدلالات منحتني فرصة لتأشير الوعي العميق الذي يمتلكه الفنان خالد ، والذي دعاه الى استعماله تحقيقًا لرؤيته التشكيلية والفكرية معًا .

   إنَّ اختيار الفنان للون الازرق المتدرج الفاتح االقريب من لون السماء ، وتداخله مع اللون الأبيض أكسب اللوحة قيمة جمالية عالية ، وشفافية واضحة ، وقيمًا دلالية نبيلة ، فاللون الأبيض هو لون النور ، يحمل في حضوره دلالات السلام والنقاء والصفاء والخير ، ولهذا اتخذه الفنان مؤشرًا على حضور النور لإضاءة العتمة الكامنة في القاع ، وهو في الوقت ذاته دليل انتصار الخير على الشر في صراعهما ، كما أنّه اشتغل باتجاه توكيد كينونة الطيور بوصفها رمزًا لقيم الخير .

   واعتمد الفنان اللون الابيض النقي في تلوين بعض أجزاء أعشاب البحر ، مما أكسبها قدرة على الظهور بمظهر الدهشة ، حيث فرشت أوراقها فرشًا انتشاريًا ؛ لتأكيد صفتي الاندهاش والجمال معًا من خلال تآزرها وتفاعلها الايجابي مع الموقف .           

    تعارفت الذاكرة الجمعية على أنَّ اللون الأصفر يحمل دلالات ايجابية وسلبية معًا ، لكنَّ اختيار الفنان كان يسير باتجاه تأكيد دلالاته الايجابية مثل : الاشراق والأمانة والوضوح ، وهذه الدلالات كانت دافعًا للفنان خالد لوضع لمسات منه على جسم الطائر الذكر ، وفي الزاوية اليسرى ، وقريبًا من الزاوية العليا ، وكان لحضوره بهذه التدرجات الجميلة دوره في اضفاء حيوية جمالية ودلالية على المشهد .

   وحضر اللون الأحمر متدرجًا ما بين الأحمر النقي والوردي الشاحب ، وبالمقابل الأحمر الغامق وصولاً الى البني المحمر تقريبًا ، وكان اختيار الفنان لهذه التدرجات فرصة لإظهار مجموعة من الدلالات الايجابية التي يحملها هذا اللون وهي : الحياة والعنفوان والدفء والحيوية والنشاط والمغامرة والكرم .   

   وكان اللون الأسود السلبي – لون الموت والحزن والفناء – هو اللون الأقل حضورًا ؛ بسبب تناسب دلالاته عكسيًا مع الدلالات والقيم النبيلة التي بثّها الفنان خالد في لوحته ، ولهذا اكتفى باستعماله حدودًا للسطوح الخارجية للأشكال ، وبفرشاة دقيقة جدًا ، مؤكدًا ما تعارف عليه الفنانون التشكيليون من أنَّ الخطوط الرفيعة تضيف شفافية على الأجسام التي تحددها ، بعكس الخطوط العريضة التي تمنح الأشكال ثقلا مضافًا .

   قد يقول البعض أنّ اللوحة عالم ولد ميتًا ، منطلقين من حقيقة أنَّ الأشكال تبدو قارّة على قماشة اللوحة ، واللوحة أيضًا تستقر على حائط العرض ، فأين الحياة ؟

يُشكِّل هذا الرأي حقيقة لا جدال فيها ، ولكنّ الفن عبر مسيرته الطويلة تمكنَّ من إخراج هذا العالم الافتراضي من موته ، من خلال الايحاء أو الايهام بالحركة واتجاهها ، وهذا وجدناه في حركة الطائرين العمودية المخترقة للماء ، والوجود الحقيقي للشكل يتحقق بمقدار ما يمنحه الفنان من وهم بالحركة ؛ لأنّها تُرسِّم وجودها عبر مغايرة الأشكال المتشابهة لبعضها البعض ، وهذا ما فعله الفنان خالد حيث اعتمد خاصية التكرار للطيور لكنّه تكرار مرن ، فالذكر يختلف عن الأُنثى ، وهما يختلفان عن الطائرين الصغيرين في التموقع وشكل الجسم وكيفية الظهور ، وكذلك فيما يخصُّ السمكتين والأعشاب ، أمّا المياه فقد أخرجها الفنان من ركودها بإضافة حركة موجية متكررة .

   والحركة تتجسد كذلك في الانتقالات اللونية من لون إلى آخر ، وفي التدرج اللوني الذي يعدُّ واحدًا من طرق الايهام بالحركة ، كما أنَّ وجود الظلال بين لون وآخر يمثّل انتقالة حركية ، بوصف الظلال مناطق معتمة ، فيما تمنح الانتقالة بينها وبين مناطق الإضاءة شعورًا بالحركة ، وهذا ما فعله الفنان خالد حين منح هذه اللوحة مشهدًا نهاريًا بدلالة الضياء التي تنهال وتضيئ الأعماق المعتمة .  

   إنَّ علاقة الفن بالمعطى المجتمعي الذي يعيش الفنان في إطاره علاقة تحمل سماتها الجدلية ؛ لكونها تسير مسيرة محايثة لواقعه الاجتماعي ، ولهذا يتحوّل الفنان من شخص عادي يعيش على هامش الحياة إلى متأمل ، باحث ، مفكّر في صياغة كيفية يُنتج بها لوحاته ، معتمدًا على رؤيته بمحمولها التجاوزي ؛ ليفتح أُفقًا كان يتسم بالانغلاق والتقوقع والظلمة ؛ ولهذا تتحوّل لوحاته إلى حوار داخلي يرفض أن يظلّ قابعاً في عتمة ذاكرة قلقة ، فيعلن انفتاحه على متلقيه ليدخلا في حوار يفعِّل تقريب المسافات والأفكار والرؤى من أجل اكتشاف وجه آخر للجمال ، لا وجود فيه للعنف أو الظلام ، وهذا ما اشتغل الفنان خالد في اتجاهه ، حيث حوّل قاع البحر إلى مكان أليف تمارس فيه الكائنات حريتها ، وبذلك تحوّلت اللوحة بعالمها الافتراضي إلى مكان جمالي يثير ويثري ذاكرة المتلقي ويسعده .

   وبهذا يكون الفنان خالد قد حقق فكرته عن الوظيفة التطهيرية للفن ، وقدرة الفن اللا محدودة على التعبير عن رغبة ، بل وامكانية التغيير نحو ايجاد عالم بديل يكتنفه الحب والتسامح والنقاء ، بعيدًا عن قشور الواقع المتسم بالعنف والكراهية ، قريبًا من جوهر الوجود الحي المشرق .

   وأخيراً يبدو لي أنّه آن الأوان لأُشير إلى الرمز الذي أراد الفنان خالد تأشيره ، فما كينونة هذا الرمز في هذه اللوحة ، أو الأصح أن أقول في العديد من لوحاته ، التي يُشكِّل الطائر فيها عنصرًا أساسًا من عناصر تكوينها ؟

كإنّه الفنان خالد ورحلته الثرية مع التشكيل ، إنّها رغبة التماهي مع الطير المهاجر حاملاً بشارات الخير ، زارعًا الأمل في نفوس اليائسين ، داعيًا اياهم إلى الخروج من عتمة الواقع إلى ما هو أعمق من الواقع ، إنه الجوهر الحي المسكون بروح النقاء والخير والشفافية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة