فنون تشكيلية

عالمي اشراق ونقاء:قراءة لـ (اللوحة الزرقاء) للفنان خالد المبارك

                 

   حاملاً ألوانه وفرشه ، متنقلاً من مدينته البصرة العراقية الى مدن ودول وأُخرى مقيمًا معارضه الشخصية أو مشاركاً في معارض ، يرسم وينحت بحضور الجمهور؛ ليمنح الفن روحًا حيّة مميزة ، حيث يتيح لمتلقيه فرصة معايشة اللوحة منذ أول لقاء بين فرشاته والقماشة البيضاء ، حتى اكتمال وجودها .

من معرضه الشخصي {تماثيلي تضيئ العتمة} الذي يمثّـل المعرض {15} ضمن سلسلة معارضه  الشخصية كان اختياري للوحته الموسومة بـ {اللوحة الزرقاء} التي اشتغلها بحجم 100 /80 سم ، مستعملاً مادة الاكريليك على قماشة الجنفاص ، وهي قماشة خشنة جدًا يستعملها الفنانون للرسم عليها بعد معالجتها ؛ لتكون طيّعة ومتقبلة للألوان والأشكال التي ستُرسم عليها .

   في طروحاته توقف الروائي تولستوي عند تعريف الفن ، حيث أشار إلى أنَّه ضرب من النشاط البشري ، يتمثّل بقيام الإنسان بتوصيل عواطفه إلى الآخرين بطريقة شعورية ارادية . وهذه الاشارة تؤكد أنَّ العلاقة بين الفن والوعي الإنساني علاقة جدلية ، تعكس شكل ومعنى علاقة الفنان بالعالم المحيط به ، كما أنّها تسهم في رسم خطوط موقفه من الواقع العياني ، وتخصيصًا صراعه ضد القيم السلبية التي يجدها تحاصره من كل اتجاه .

   إنَّ اللوحة لا يمكن أن تكون مجموعة أشكال نُثرت أو وزِّعت كيفما اتفق ، بل هي مجموعة أشكال ربما استطيع وصفها بالمتشابكة مع بعضها بعلاقات حميمة مترابطة تثير متلقيها ، مع ملاحظة أنَّ المتلقي قد يكون في حالة نفسية ربما تؤثر في تلقِّيه سلبًا أو ايجابًا .   

في محاولتي لتحليل أيّة لوحة اعتمد طريقة تفكيكها ، أي استنطاق عناصر تكوينها أولاً ، ثم أُحاول اعادة ربط هذه العناصر معًا ، فالتفكيك إجراء بحثيّ لا أكثر ؛ لأنَّ اللوحة كلّ متكامل لها حياتها ووجودها وعالمها الافتراضي الخاص ، وهي بهذا تلتقي مع الحياة بوصفها رمزًا لها .

   سأبدأ تحليلي لهذه اللوحة من خلال فرز عناصر التكوين التي اعتمدها الفنان خالد في هذه اللوحة ، وهي :

1/ البحر .

2/ الطيور .

3/ السمكتان .

4/ الأعشاب البحرية .

5/ هالات الضياء .

   يؤدي البحر أو المسطّح المائي في الواقع العياني مجموعة من الوظائف والدلالات ، فوظائفه النفعية تتحدد في :

  1. حياة : بدلالة قوله تعالى {وجعلنا من الماء كل شيء حي} .
  2. غذاء : الكثير من المخلوقات البحرية تصلح طعامًا للإنسان والحيوان .
  3. انتقال : واسطة الانتقال من مكان لآخر .

يقابل هذه الوظائف النفعية مجموعة من الدلالات التي خبرها الإنسان من خلال تعامله الطويل مع البحر ، حيث يشعر المتأمل له بقوته الهائلة التي تثير شعورًا بالتحدي ، تحدي البحر للإنسان ، وتحدي الإنسان للبحر ، كما يستشعر حركة الأمواج على سطحه مقارنة بأعماقه التي موقع هي العتمة والغموض والأسرار .

   إذًا البحر وجود متلازم مع الوجود الإنساني فكرًا وروحًا وطقوسًا ، وهذا بالتالي يشكِّل واحدًا من منطلقات فكرة الفنان خالد في اختياره للبحر مكانًا لموضعة عناصر تكوين لوحته ، بل تسمية هذه اللوحة بصفة البحر ولونه {اللوحة الزرقاء} . واتخذ البحر {ماءً وقاعًا} موقعته على امتداد مساحة اللوحة ، مؤشرًا حضورًا طاغيًا ، ومحتضنًا لعناصر التكوين بوصفه أرضية ينطلق منها سرد اللوحة وبؤرتها الحَدَثية ، التي ستكشف للمتلقي مشهدًا يحدث في جزء من البحر تكتنفه العتمة المحمّلة بدلالات الغموض والأسرار ألا وهو الأعماق المظلمة ، هنا سيطرح تساؤل وجوده :

لماذا أضاء الفنان منطقة معتمة هي قاع البحر ، ومنحها اللون الأزرق ؟

لزمان طويل ظنَّ الإنسان أنَّ زرقة البحار والمحيطات سببها انعكاس لون السماء الأزرق على صفحة المياه فقط ، لكنّ طروحات الباحثين في علم البحار ، تشير إلى أنَّ جزيئات الماء تمتصُّ موجات ضوء الشمس وألوانه بسرعة في الطبقات السطحية من ماء البحر التي لا يتعدّى عمقها الأمتار القليلة ، فلا يبقى من ضوء الشمس إلاّ اللون الأزرق الذي يتشتت ، ويغطي لونه ماء البحر ، لكنه لا يستطيع النفاذ أكثر من (100م) عمقًا ، ثم تسيطر العتمة .

من هذه المنطقة المعتمة انطلقت فرشاة الفنان في رسالتها للمتلقي التي تعلن له :

اترك سطح الماء فهو مكشوف لكل راءٍ ، وتفصيلاته مطروحة في ضوء الشمس ، وادخل إلى محراب العتمة ، واكتشف رمزيتها وأسرارها . فرسالته محاولة لنزع قشور الواقع العياني المُعبّق بالألم والقسوة ، للوصول إلى الجوهر الحيّ الأصيل الذي لم تدنّسه مساوئ البشر .

هنا أوقفني تساؤل آخر :

كيف رسم الفنان خالد مشهدية اللوحة ؟

اعتمد في تمثيل مشهديتها على أربعة طيور وسمكتين ، ومجموعة من الأعشاب البحرية وهالات الضياء ، وهي عناصر منتقاة بدقة بعيدًا عن أية مظهرية عشوائية لعيِّنة من عيّنات قاع البحر المليئة بالمخلوقات المتحركة والساكنة ، وهذا الانتقاء يؤشر رغبة الفنان في اختزال العناصر الساردة لحَدَث اللوحة ، مقابل منح المشهد حيويته وحركيته من خلال الأشكال المرسومة .     

   في أكثر من حديث صحفي أشار الفنان خالد الى طائر المهلهل رفيقه الدائم ، ورمزه المعلن للسلام ، وثروته الذاكراتية التي اختزنت صورة هذا الطائر مقرونة ببشائر الخير ، التي كثيرًا ما أعلنتها الذاكرة الجمعية عبر الأساطير والحكايات الشعبية والأمثال ، التي تناقلتها الأجيال شفاهياً وكتابة ، ويشير معجم المعاني الجامع الى أنَّ المهلهل طير من فصيلة المازوريات يألف مجاري المياه ، ويقتات على الأسماك الصغيرة والحشرات ، لماذا إذًا انتزع الفنان خالد هذه الصفات ، ومنحه صفة بعيدة تمامًا عن تكوينه الخلقي بجعله يخترق طبقات المياه ليحلَّ ضيفًا على مخلوقات قاع البحر ؟

   إنَّ انتقالة الطير من المُكوِّن البري الى المُكوِّن البحري كانت انتقالة مقصودة تمامًا ، فكّر بها الفنان خالد وتأمّلها مُحدِثًا تغييرًا على مستوى الوجود أولاً ، وعلى مستوى الدلالة ثانيًا ، منطلقًا من فكرة التغيير الذي يؤشر استكشافًا لعالم آخر يختلف كليّاً عن عالمه المألوف ، إنَّها الهجرة التي تمارسها الطيور بريًا قاطعة مسافات شاسعة ، لكنها غيّرت مسارها الأُفقي إلى مسارٍ عمودي ، لما يملكه هذا المسار من دلالة القوة المتنامية القادرة على الانجاز الفعلي للاختراق ، وبدلاً من اختراقها الهواء في رحلتها عمد الفنان إلى جعلها تخترق الماء ، ولا بُدَّ لي من التوقف عند الكيفية التي تمظهرت بها رحلة الاختراق لطائر المهلهل ، حيث بدأت حركته من سطح الماء إلى عمقه ، ولتأشير هذه الحركة فإنَّ الفنان تعمد تظهير الطائرين اللذين تموقعا في يمين اللوحة باتجاه النزول العمودي ، ورغم هذا النزول إلاّ أنّه أظهرهما وكأنهما يتحاوران بحديث لم ينتهِ بعد ، أمّا الطائر الثالث والذي يتموقع في وسط الجزء الأسفل من اللوحة فقد استقرَّ بجسده على أرضية القاع في البُعد الثالث ، فيما بدا الطائر الرابع أقرب وجودًا إلى مقدمة اللوحة ، وهو الآخر تموقع على أرضية اللوحة ، وبدا أنَّ الطائر الثالث يشارك السمكتين في حديث ما ، فيما اتخذ الطائر الرابع وضع المتابع للحديث ، إذًا علامات الأُلفة واضحة ومقصودة تمامًا . هنا سيلفت نظر المتلقي أحجام الطيور ، فالطير الأول المتموقع في أقصى اليمين يبدو أصغر جسمًا من الطير المجاور له ، كما أنّ تعمّد الفنان إظهار أحد الجناحين مفروشًا يحمل إشارته الدلالية على كون الطير الأكبر حجمًا ذكر أولاً ، ووالد ثانيًا ، فيما يبدو الطيران الثالث والرابع أصغر حجمًا مما يؤشِّر أنّهما يمكن أن يكونا أولادهما ، فهي عائلة وليست مجرد أفراد ، مما يدلل على الترابط الأُسري ، وهذه الرحلة ليست رحلة بحرية فقط  ، بل هي رحلة عائلة مُرحّب بها في القاع .

طائر البشائر بالخير ، هكذا ينظر الفنان خالد إلى طائر المهلهل ، فهل استطاع أن يجسّد هذه النظرة في لوحته ؟

   للإجابة على هذا التساؤل سنتابع الكيفية التي تمظهر بها الطيران الذكر والانثى ، ولنبدأ متابعتنا مع حركتهما ، حيث عمد الفنان إلى إظهار نزولهما من خلال شعاعات الضوء التي أثارها هذا النزول ، حيث لم يكتفِ الفنان بنشر الضياء ضمن حدود حركة الطائرين بل نشرها في وسط الجزء العلوي وجانبيه ، وامتدَّ الضياء ليغطي جسم الطائر الأُنثى عدا الرأس ، أمّا الطير الذكر فيظهر منه الرأس وجزء من الصدر مع أحد الأجنحة ، والطير الثالث يتمظهر رأسه وجزء من الصدر أيضًا ، فيما يتمظهر رأس الطائر الرابع ونصف جسمه تقريبًا .

إذًا تأكيد الفنان على إظهار الرأس وتفاصيله مقصود تمامًا ، مما يدلل على وعيه الدقيق في مسألة الانتقاء ، لأنَّ الرأس هو حامل الأفكار ، والجزء المتحكم بباقي الجسم .

   ويكشف المسح البصري الدقيق لهذه اللوحة شفافية أجسام هذه الطيور والسمكتين أيضًا ، فما المقصود بالشفافية ؟

في الواقع العياني تُعدُّ أجسام الطيور من الأجسام المعتمة ، أي التي تحجب ضوء الشمس فلا يتخللها ، ويمنحها ظلاً كذلك ، لكن في الواقع التشكيلي الافتراضي يمكن للفنان أن يمنح صفة الشفافية لأي شكل ، سواء أكان معتمًا أم غير معتم ، فكل تمظهر لشكلٍ ما بحيث يحجب ما خلفه بشكل تام يُدعى شفافية تامة ، أما إذا كان الحجب لجزء من الشكل فقط فيسمّى شفافية ناقصة أو جزئية ، سأُحاول متابعة صفة الشفافية التي منحها الفنان خالد للطيور، حيث بدا الطير {الأُنثى} غارقًا في موجة ضياء شعاعية بيضاء وزرقاء ، أمّا الطير {الذكر} فإنَّ جسمه الشفاف كاد أن يتماهى مع مكونات القاع من نباتات فلا يحجبها ، وهذا أيضاً ما تمظهر به جسمي الطائرين الآخرين ، وهذا التمظهر إنَّما يحمل دلالات مقصودة تمامًا ، فالطائر الذكر هو رمز للأب .. القائد .. المفكِّر ، والطائر الأُنثى هي رمز المرأة الشفافة النقية المساندة ، والطائران الآخران هما رمز الأولاد المؤمنين بما يبثّه الأب من رسالة خير ونقاء وصفاء وتسامح ، فهي رسالة تواصلية لا يمكن لفرد أن يحققها لوحده ، بل نواتها العائلة التي تؤدي وظيفتها الإنسانية في بثِّ القيم النبيلة .

   يعلن الواقع البحري الذي خبرته ذاكرة العلماء عن احتواء البحر على أسماك معتمة ، وأُخرى شفافة يشفُّ ظاهرها عن تكوينات أجسامها الداخلية ، لكنَّ تعمد الفنان اختيار سمكتين شفافتين كان مقصودًا تمامًا لما يحققه من جمالية التوازن في صفة الشفافية أولاً ، وفي ايجاد عالم تحكمه الشفافية ثانيًا ، وفي تآزر الأسماك مع الطيور في ايجاد هذا العالم ثالثًا ، وبهذا رسّم الفنان خطوط عالم آخر تتحوّل فيه العلاقة بين الطيور والأسماك من علاقة افتراسية {آكل ومأكول} إلى علاقة تعاون وتآزر لنشر السلام.

   تمثّل الأعشاب جزءاً من مكوِّن قاع البحر ، وقد منحها الفنان خالد وجودًا كثيفًا ؛ لتكون مؤشرًا على قاع حيوي يمتلئ بعلامات الحياة ، ولهذا منحها توزيعًا تناثريًا مؤثرًا جماليًا .

هناك تساؤل شغلني أثناء قراءتي لهذه اللوحة هو :

هل نجح الفنان خالد في تحقيق خاصية تعادل القوى داخل هذا المشهد الافتراضي ؟

يؤشر المسح البصري لهذه اللوحة عن الحضور الطاغي للبحر قاعًا ومياهًا ، لكنَّ هذا الحضور تعادله أجسام الطيور والأسماك والأعشاب والضوء ، هذا فيما يخصُّ النظرة الكليّة ، أمّا على مستوى النظرة الجزئية فإنَّ أشكال الطيور وهي كائنات بريّة ، تتعادل مع الأسماك والأعشاب بوصفها كائنات بحرية ، فيما يُشكّل الضوء قوّة محيطة فاعلة في تظهير الحدث .

   يؤشر المسح البصري للمنظومة اللونية ، التي فرشها الفنان خالد على قماشة اللوحة عن حضور طاغٍ للون الأزرق المتدرِّج ، الذي تمظهر بخاصية التشبُّع {الكروما} في قاع البحر ، ثم يبدأ بالتدرج المتداخل الفاتح كلّما ابتعد عن عمقها صاعدًا إلى أعلى أعلاها ، وهذا الافتراش يؤشر مسألة مهمة تعارف عليها الفنانون ، تشير إلى أنَّ صفة التشبّع إذا تحققت في الدرجة اللونية تأكدت دلالات اللون تماماً ، والتشبّع اللوني له تأثيره الواضح في إثارة المتلقي ، ليس من حيث دلالاته فقط بل من حيث إثارته للإحساس بالبُعد الثالث الوهمي {العمق} وهذا ما نكتشفه عند النظر إلى الطبيعة المفتوحة في مداها البعيد ، حيث تتكاثف طبقات الهواء والغبار منتجة ضبابية عالية ، ودرجة تشبُّع لوني قليلة ، يقابلها تمظهر واضح للأشكال وتفصيلاتها إن كانت الألوان مشبّعة بحكم قربها من مقدمة اللوحة . 

 هنا سيطرح تساؤل نفسه : ما هي دلالات اللون الأزرق ؟

الازرق من الالوان الاساسية وهو لون بارد ، وتشير الدراسات العلمية الى أنَّه يشتغل باتجاه اطلاق هرمونات تهدئ الجسم وتساعده على الاسترخاء ، واسترجاع حيويته أيضًا . كما طرح الباحثون في مجال الالوان معتمدين على الذاكرة الجمعية ، مجموعة من دلالات اللون الازرق وهي : القوة والثقة والشفافية والعطاء والطاقة والعمق والحكمة ، وهذه الدلالات منحتني فرصة لتأشير الوعي العميق الذي يمتلكه الفنان خالد ، والذي دعاه الى استعماله تحقيقًا لرؤيته التشكيلية والفكرية معًا .

   إنَّ اختيار الفنان للون الازرق المتدرج الفاتح االقريب من لون السماء ، وتداخله مع اللون الأبيض أكسب اللوحة قيمة جمالية عالية ، وشفافية واضحة ، وقيمًا دلالية نبيلة ، فاللون الأبيض هو لون النور ، يحمل في حضوره دلالات السلام والنقاء والصفاء والخير ، ولهذا اتخذه الفنان مؤشرًا على حضور النور لإضاءة العتمة الكامنة في القاع ، وهو في الوقت ذاته دليل انتصار الخير على الشر في صراعهما ، كما أنّه اشتغل باتجاه توكيد كينونة الطيور بوصفها رمزًا لقيم الخير .

   واعتمد الفنان اللون الابيض النقي في تلوين بعض أجزاء أعشاب البحر ، مما أكسبها قدرة على الظهور بمظهر الدهشة ، حيث فرشت أوراقها فرشًا انتشاريًا ؛ لتأكيد صفتي الاندهاش والجمال معًا من خلال تآزرها وتفاعلها الايجابي مع الموقف .           

    تعارفت الذاكرة الجمعية على أنَّ اللون الأصفر يحمل دلالات ايجابية وسلبية معًا ، لكنَّ اختيار الفنان كان يسير باتجاه تأكيد دلالاته الايجابية مثل : الاشراق والأمانة والوضوح ، وهذه الدلالات كانت دافعًا للفنان خالد لوضع لمسات منه على جسم الطائر الذكر ، وفي الزاوية اليسرى ، وقريبًا من الزاوية العليا ، وكان لحضوره بهذه التدرجات الجميلة دوره في اضفاء حيوية جمالية ودلالية على المشهد .

   وحضر اللون الأحمر متدرجًا ما بين الأحمر النقي والوردي الشاحب ، وبالمقابل الأحمر الغامق وصولاً الى البني المحمر تقريبًا ، وكان اختيار الفنان لهذه التدرجات فرصة لإظهار مجموعة من الدلالات الايجابية التي يحملها هذا اللون وهي : الحياة والعنفوان والدفء والحيوية والنشاط والمغامرة والكرم .   

   وكان اللون الأسود السلبي – لون الموت والحزن والفناء – هو اللون الأقل حضورًا ؛ بسبب تناسب دلالاته عكسيًا مع الدلالات والقيم النبيلة التي بثّها الفنان خالد في لوحته ، ولهذا اكتفى باستعماله حدودًا للسطوح الخارجية للأشكال ، وبفرشاة دقيقة جدًا ، مؤكدًا ما تعارف عليه الفنانون التشكيليون من أنَّ الخطوط الرفيعة تضيف شفافية على الأجسام التي تحددها ، بعكس الخطوط العريضة التي تمنح الأشكال ثقلا مضافًا .

   قد يقول البعض أنّ اللوحة عالم ولد ميتًا ، منطلقين من حقيقة أنَّ الأشكال تبدو قارّة على قماشة اللوحة ، واللوحة أيضًا تستقر على حائط العرض ، فأين الحياة ؟

يُشكِّل هذا الرأي حقيقة لا جدال فيها ، ولكنّ الفن عبر مسيرته الطويلة تمكنَّ من إخراج هذا العالم الافتراضي من موته ، من خلال الايحاء أو الايهام بالحركة واتجاهها ، وهذا وجدناه في حركة الطائرين العمودية المخترقة للماء ، والوجود الحقيقي للشكل يتحقق بمقدار ما يمنحه الفنان من وهم بالحركة ؛ لأنّها تُرسِّم وجودها عبر مغايرة الأشكال المتشابهة لبعضها البعض ، وهذا ما فعله الفنان خالد حيث اعتمد خاصية التكرار للطيور لكنّه تكرار مرن ، فالذكر يختلف عن الأُنثى ، وهما يختلفان عن الطائرين الصغيرين في التموقع وشكل الجسم وكيفية الظهور ، وكذلك فيما يخصُّ السمكتين والأعشاب ، أمّا المياه فقد أخرجها الفنان من ركودها بإضافة حركة موجية متكررة .

   والحركة تتجسد كذلك في الانتقالات اللونية من لون إلى آخر ، وفي التدرج اللوني الذي يعدُّ واحدًا من طرق الايهام بالحركة ، كما أنَّ وجود الظلال بين لون وآخر يمثّل انتقالة حركية ، بوصف الظلال مناطق معتمة ، فيما تمنح الانتقالة بينها وبين مناطق الإضاءة شعورًا بالحركة ، وهذا ما فعله الفنان خالد حين منح هذه اللوحة مشهدًا نهاريًا بدلالة الضياء التي تنهال وتضيئ الأعماق المعتمة .  

   إنَّ علاقة الفن بالمعطى المجتمعي الذي يعيش الفنان في إطاره علاقة تحمل سماتها الجدلية ؛ لكونها تسير مسيرة محايثة لواقعه الاجتماعي ، ولهذا يتحوّل الفنان من شخص عادي يعيش على هامش الحياة إلى متأمل ، باحث ، مفكّر في صياغة كيفية يُنتج بها لوحاته ، معتمدًا على رؤيته بمحمولها التجاوزي ؛ ليفتح أُفقًا كان يتسم بالانغلاق والتقوقع والظلمة ؛ ولهذا تتحوّل لوحاته إلى حوار داخلي يرفض أن يظلّ قابعاً في عتمة ذاكرة قلقة ، فيعلن انفتاحه على متلقيه ليدخلا في حوار يفعِّل تقريب المسافات والأفكار والرؤى من أجل اكتشاف وجه آخر للجمال ، لا وجود فيه للعنف أو الظلام ، وهذا ما اشتغل الفنان خالد في اتجاهه ، حيث حوّل قاع البحر إلى مكان أليف تمارس فيه الكائنات حريتها ، وبذلك تحوّلت اللوحة بعالمها الافتراضي إلى مكان جمالي يثير ويثري ذاكرة المتلقي ويسعده .

   وبهذا يكون الفنان خالد قد حقق فكرته عن الوظيفة التطهيرية للفن ، وقدرة الفن اللا محدودة على التعبير عن رغبة ، بل وامكانية التغيير نحو ايجاد عالم بديل يكتنفه الحب والتسامح والنقاء ، بعيدًا عن قشور الواقع المتسم بالعنف والكراهية ، قريبًا من جوهر الوجود الحي المشرق .

   وأخيراً يبدو لي أنّه آن الأوان لأُشير إلى الرمز الذي أراد الفنان خالد تأشيره ، فما كينونة هذا الرمز في هذه اللوحة ، أو الأصح أن أقول في العديد من لوحاته ، التي يُشكِّل الطائر فيها عنصرًا أساسًا من عناصر تكوينها ؟

كإنّه الفنان خالد ورحلته الثرية مع التشكيل ، إنّها رغبة التماهي مع الطير المهاجر حاملاً بشارات الخير ، زارعًا الأمل في نفوس اليائسين ، داعيًا اياهم إلى الخروج من عتمة الواقع إلى ما هو أعمق من الواقع ، إنه الجوهر الحي المسكون بروح النقاء والخير والشفافية .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading