القصة القصيرة

عائد من الجنّة ! أيمن عبد الحميد الوريدات- الأردن 

رجل يجلس على طاولة يرتدي بدلة رسمية، يبدو مبتسمًا ومهتمًا بالحديث.

وصلتُ مكان الّدعوة مُتأخّرًا مئتي ثانية أو ما يزيد قليلاً ، وقعت عيني عليه متوسّطًا الجلسة ، لابسًا بنطال ( جينز ، وتي شيرت ) من ماركة معروفة تناسقت ألوانهما إلى درجة كبيرة ، فأدركتُ أنّه الشّخص الّذي أقيمت الدّعوة على شرفه ،وانتابني شعوربأنّي خسرتُ المنسف ، وأنّ الدّعوة لا تتعدّى وجبة على الطريقة الأمريكيّة ،وبدأت رائح ( البرجر ) تتسلّل إلى أنفي طاردة روائح الجميد البلديّ وغاب عن مخيّلتي صورة هبرات اللحمة المزيّنة للمنسف،  فقد أخبرني مستضيفي أنّ قريبًا له كان طيرًا مهاجرًا في أمريكا، فهدم عشّه المؤقت هناك وعاد ليلتحق بسربه الّذي جنح عنه منذ فترة ، فقد ملّ الغربة وما فيها بالرّغم مّما أتيح له في السنوات العشر الّتي قضاها هناك ، فها هو يعود ليستقرّ في وطنه ، لا أدري لماذا داخلني شعور بأنّه كاذب ، فلا أحد يعود من الغربة إلاّ بعد أن يكون قد ملأ شواله مالاً ، أو أنّه مطرود ، وبدأت أكيل له في نفسي من الأوصاف الجاهزة؛ متكبّر ومتعالٍ ، متأمرك، متفذلك ، هذا هو سيل الأوصاف الّتي أطلقتها عليه تمامًا ، وبناء عليه سقط من عيني ، بالرّغم من أنّها حاولتْ إقناعي بأن أبقيه متعربشًا بها ولو برمش واحد لكنّي رفضتُ فأسقطته. كان محطّ أنظار المدعوّين وهو يتكلّم عن بلاد الغربة ، وأنّ فيها ما فيها ؛ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ؛ فيها النّظام الّذي نفتقده ، فيها المال الّذي نلهث خلفه في بلادنا فنجده دائمًا سرابًا ، فيها قيمٌ قرأنا عنها في كرّاساتنا ولمّا بحثنا عنها في الشّارع تُهنا ولم نجدها ، شعرت للحظة أنّي في حضن جدّتي تقصّ عليّ قصّة ، فلازمني التّثاؤب ، شيئًا فشيئًا بدأ كلامه يجذبني إليه عنوة ، خاطبت نفسي أن تتماسك فأنا سآكل لقمتي وما قسم لي وأمشي ، لماذا التّدخّل ؟ ولكنّ طبعي أبى ظلّ يلحُّ عليّ حتى شفقتُ عليه وانفجرت قائلاً ساخرًا : ولماذا يا أستاذ تركت الجنّة وعدت إلى الجحيم ؟ أجاب : ببساطة أنت لم تمهلني حتّى أكمل ، ولو صبرتَ ما سألتَ سؤالك هذا ؛ أنا ما كنت في الجنّة ، لفظ جنّة أطلقناه ونحن هنا ، عندما كنّا نقف طوابير أمام السّفارة ليمنح لنا صكّ تأشيرة  لدخول جنتهم ، ولمّا صرنا هناك عشنا في الجنّة أيامًا تُعدّ على أصابع اليد ،وبدأ ما في الجنة من نعيم يتكشّف شيئًا شيئًا ، حتّى يجعلك تفكّر في اليوم والليلة بالعودة مئات المرّات ، لكنّك لا بدّ أن تكون عقلانيًا ، وتحسبها بالضبط ، لأنّك أصبحت مثل ( الّلي رقصت عالسلم )) وأصبحت عودتك دربًا من الجنون ، فلا بدّ من شيء تعود به ، وهذا ليس حالي بل حال الكلّ هناك ،نعيش بين نارين نارغربة حارقة تكويك ليل نهار، لكنّك جيبك فيه مملوءة بعدما كانت تُرى دائمًا  منكوشة  تَئِنُ وتشتكي الطفر ، ونار جيب فارغ وفشل وعتاب إن عدت إلى جنّتك الّتي طردتَ نفسك منها خالي الوفاض ، نعم هذا سيدي ما نعانيه هناك ، ناهيك عن فقدانك لذاتك وللتواصل بينك وبين الآخرين من الأهل والأصدقاء ، فلا مجتمعهم يقبلك واحدًا منهم فأنت غريب غريب ،ولا مجتمعك يقبلك فأنت الأمريكيّ أو العربي المتأمرك ، وفكّرتُ هل انتظر اللحظة الّتي أرى أبنائي ليسوا أبنائي، أراهم تائهين بين هذا وذاك ، أو أرى ابنتي آخر الليل وقد عادت وبيدها صديقها ؟ أم أراها في بلادها إلى جانب ابن عمّها وخالها أو حتّى ابن جيرانها ؟ هل أنتظر اللحظة الّتي أفارق فيها الحياة ، وأنعى بعبارة ((ويدفن حين عودة الجثمان ؟ )) لا سيدي لن أنتظر أكثر من ذلك ، أمّا الآن فقد عدت وفي محفظتي ما أبدأ به مشروعًا أعيش فيه بكرامة في وطني ، في جنتي الحقيقيّة بين أهلي ، فأنا هاجرتُ مُرغمًا وأعود بإرادتي لأبدأ حياة طالما حلمتُ بها هنا في جنتي .

كان أشدّ ما أعجبني فيه : كلامه بلهجته الفلاّحيّة الّتي سمعها من جدّته وأمّه ،بساطته في الحديث، تواضعه وتلمسه الواقع وصدقه الواضح ، انتماؤه لمبادئه ووطنه وأمّته ، هو حقًّا رائع رائع !!     

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading