القصة القصيرة

ضحى أحمد الباسوسي – أنا أراكِ

A smiling young woman wearing a hijab and a patterned scarf, sitting indoors with modern decor in the background.

هناك أشخاص، حين يعبرون الحياة، لا يتركون خلفهم ضجيجاً، بل آثاراً صامتة تشبه بصمات الأصابع على الزجاج، لا تُرى إلا في الضوء، هؤلاء هم البناؤون في الخفاء، من يضعون الطوب فوق بعضه لبناء جدار الحياة، دون أن يطلبوا شكراً أو ينتظروا تصفيقاً، وأنتِ أحدهم..

كنتِ أنتِ الأرض الثابتة حين اهتز تحت أقدامنا كل شيء، اليد التي أمسكت بنا جميعاً، حتى وإن كانت ترتجف في الظلال، لم يعرف أحد عدد التنازلات التي أكلت من روحك، ولا كمّ الليالي التي نمتِ فيها بأحلام مقطّعة، تشبه قماشاً مُمزقاً لا يكفي لستر قلبٍ عارٍ من الأمان، تعلمتَ مبكراً أن تُخَفِّضين سقف التوقعات، حتى لا يسقط عليك حين يخيب الظن في من حولك، لكن المفارقة أن الخذلان لا يحتاج إلى إذن، يعرف كيف يجد طريقه إليك، حتى من أولئك الذين تحبهم أكثر من نفسك.

لم تضطري يوماً لأن تتحملي هذا الثقل، لكنك فعلت، لا لأنكِ قادرة، بل لأنه لم يكن هناك من يفعل ذلك سواك، كنت الدعامة التي أتكىء عليها الجميع بينما تتآكل أضلاعك في صمت، ولأنك دائماً هناك، نسوا أن يلتفتوا، نسوا أن يشكروا لكنني… أنا أراك.

أراك حين ينهار في داخلك كل شيء ثم تنهضين لتكملي اليوم، وكأن شيئًا لم يكن، أراكِ وأنت تجمعين شظايا من حولك، بينما تتناثر شظاياكِ بصمت، أراك في تلك الليالي الطويلة، حيث تستعرض ذاكرتك ما لم تختر الاحتفاظ به، كبرتَ قبل الأوان، وحُرِمتَ من أمانكِ لتمنح غيرك الاستقرار.

أراك وأنتِ آخر من يغادر، وأول من يأتي…
أراك وأنتِ تُصلحين ما لم تُكسرين، وتلملمين ما لم تُبَعثريه يوماً…
أراكِ، حين لا يراكِ أحد…
أراك، حين يعتاد الآخرون وجودكِ كأنك هواء…

اسمحِ لي أن أكون صوت الامتنان الوحيد في زحام صمت الأيام، اسمحِ لي أن أقولها لكِ أمي:

لم يكن من المفترض أن تمُرِ بكل تلك الليالِ المظلمة، لم يكن من المفترض أن تتحملي كل هذا وحدك، أنت أكثر مما يظنون ومما نحن نظن
ِوأنا… أراكِ
ِجميعنا يراكِِ

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading