صخب بلا وجوه – رضا بوقفة – الجزائر

في شارع مزدحم بمدينة تعج بالأضواء والإعلانات، جلس رجل بمفرده على الرصيف، يتأمل المشهد من حوله. السيارات تمر مسرعة، والناس يتحركون بلا توقف، وأصواتهم تتداخل بين الضحك، والحديث، والصراخ. شعر وكأنه في عالم لا ينتمي إليه.
اقترب منه بعض المارة وسألوه:
“لماذا تجلس وحدك؟ تعال وكن معنا، نحن جزء من هذه الحياة!”
أجاب بهدوء:
“أسمعكم، لكنني لا أشعر بكم. تبدون كأنكم في كل مكان، لكن أين أنتم حقًا؟”
ردوا عليه بحماس:
“نحن في الشوارع، في الأسواق، في أماكن العمل والاحتفالات. نحن الحياة!”
سألهم:
“لكن ماذا وراء هذا الوجود؟ هل تعرفون أنفسكم كما تعرفون أماكنكم؟”
ضحكوا وقالوا بصوت واحد:
“ليس هذا مهمًا! المهم أن نستمر، أن نستمتع، أن نعيش كما يفعل الجميع!”
نظر إليهم بصمت، لكنه كان يفكر في شيء آخر: هل هذه هي الحياة حقًا؟ هل مجرد الركض خلف اللحظات العابرة كافٍ؟ لماذا يشعر أن هناك شيئًا مفقودًا، شيئًا لا يستطيع لمسه وسط هذا الزحام؟
تذكر وجوهًا من الماضي، لحظات صادقة، مشاعر نقية لم تكن بحاجة إلى إثبات. تلك الذكريات كانت واضحة، عكس الوجوه التي يراها الآن، حيث كل شيء سريع ومتغير.
ثم سأل بصوت مسموع:
“هل أنتم سعداء حقًا؟ أم أنكم تتهربون من التفكير في ذلك؟”
ساد الصمت للحظة، كأن السؤال أوقفهم عن الحركة. لكن سرعان ما عاد الضجيج من جديد، كأنهم أرادوا تغطيته.
قال أحدهم بصوت مرتفع، وكأنه يطرد الفكرة من ذهنه:
“لا وقت لهذه الأسئلة! نحن نعيش، ونتحرك، ونستمتع، وهذا هو المهم!”
ابتسم الرجل بأسى وقال:
“ربما لهذا أنتم كثيرون، لكنكم لا تعرفون أنفسكم.”
سألوه باستغراب:
“وأنت، ماذا تفعل هنا وحدك؟”
أجاب بهدوء:
“أبحث عن نفسي… وأتساءل إن كنت لا أزال موجودًا بينكم.”
تلاشى الحشد وسط الزحام، وذابت أصواتهم في صخب المدينة. بقي الرجل وحده، لكن هذه الوحدة لم تكن فراغًا، بل كانت لحظة صدق مع نفسه. أغلق عينيه للحظة، ووسط كل الضوضاء، سمع شيئًا مختلفًا… صوتًا خافتًا، ربما كان صوته الحقيقي، الذي كاد ينساه وسط هذا العالم الصاخب.





