صالح – مجد حبيب – سوريا
لم يبقَ الا القليل، استعينوا بالصبر.
جاءت كلمات صالح متقطعة من أنفاسه المتهدجة، وهو يمتطي حصانه المنهوك، وامرأته الضارعة تحيط خصره بذراعين متشنجين حتى أنه أحسّ بحركة الجنين في أحشائها وقد التصق بطنها بظهره.
بين كل بضعة أمتار يدير وجهه الى الوراء مصوبا نظرة خاطفة ليطمئن من بعد المسافة التي تفصله عن قطاعي الطرق الذين يبتغون إزهاق أرواحهم بعد أن أفلت منهم بأعجوبة، فمثلهم يعتاش على سلب الأموال و ان لم يتواجد المال يسلبون الشرف و يقتلون الضحايا بعد استهلاكهم، ولم يفته كل حين أن يتفحص عائلته المتمسكة بمتنه الذي رأت فيه خلاصا من موت قادم، كانت ابنتاه روزالين و مادلين تتمسكان ببعضهما وقد اغلقتا اعينهما بذعر ورهبة.
اجتاز بحصانه الغابة الضبابية كالبرق الخاطف، فلا يزال هؤلاء المجرمون بعيدين متوارين، وارتأى أن يخفف من سرعته ليتسنى أن يجول بنظرة اطمئنان على ابنتيه المذعورتين، فشدة انقباض ذراعي زوجته تنبؤه بسلامتها، اما ابنتيه فهو بحاجة للتأكد من ذلك.
أدار رأسه فهدأ روعه لرؤية أصابع روزالين الصغيرة القابضة على خصر أمها، مد رأسه و أمال رقبته ليرى مادلين، إنها مفقودة، ليست وراء أختها.
شدّ لجام الحصان بغتة فتردد صدى صهيله في الفلاة، وصرخ صالح من أعماقه صرخة يأس قاتل لفقد ابنته.
ليس أمامه وقت ليفتش عنها، فإن هدر دقائق قليلة يوديهم الى الذبح على أيد مجرمين لا يفهمون منطق الرحمة والشفقة.
احتقنت ملامحه وتضاعف شحوبه وتسارعت ضربات قلبه، وكذلك الأم انبرت تلطم وجهها نادبة ضياع مادلين.
إنهم على بعد أمتار، فإما أن يلوذوا فرارا و ينجوا من الهلاك أو يجثموا مكانهم منتظرين حتفهم الأسود..
ليس أمام صالح الا لحظات ليختار الموت للجميع أو التضحية بنفس واحدة ليسلم الجميع..
انه امام خيارين أحلاهما أمر من علقم، صرخت الزوجة بمرارة:
– أصوات حوافر خيولهم اقتربت يا صالح، لا تدعنا نموت، من المؤكد أن مادلين قد لقيت حتفها إن لم يكن بيديهم فحتما من جراء سقوطها عن متن الحصان.
انتفخت أوداجه و عجز عن ملء رئتيه بالهواء، إنه يكاد يموت كمدا، وينفجر غماً.
قفز بسرعة عن ظهر الحصان و أمرها أن تفر مع روزالين و الطفل الذي في أحشائها.
تيبست المرأة وقد علمت ما نوى عليه صالح، لكن صوته أجفلها:
– هيا اذهبي واسرعي بأقصى ما لديك، لن أترك مادلين تموت، ولا أريد لكم الموت، إن نجونا سنلحق بكم.
تعالى الغبار من الخلف، فأمسكت الزوجة لجام الحصان وانطلقت مخلفة وراءها صالح وسط زوبعة غبار ومادلين مجهولة المصير.
جثا صالح على ركبتيه ينتظر قدره المجهول برضا وقبول، إنه سيموت ويتخلص من ضميره الذي لن يدعه يوما يعيش بسلام لو مضى مؤثرا عيشه وعيش عائلته وقد ضحى بمادلين، إذن ليموتا معا فداء للآخرين.
لحظات والتفّت الجياد حوله، وغمرت وجهه الأتربة التي أثارتها حوافر الخيول.
بدا معفرا.. مصفرا.. فاقدا الشعور، غارقا في سكونه العميق، مستسلما لقدر قد قرأ عناوينه قبل سيطرته عليه، لكن صوتا محببا تناهى اليه، كانت مادلين حية انها تئن كاتمة بكاءها، أمعن نظره ليحدد مكانها وسط ضبابية الجو، لكن بصره عاد حسيرا وقد عجز عن رؤيتها.
سبعة سيوف لامعة تحلقت حول رقبته، وقد تعالت قهقهة الرجال تهكما من مظهره الخانع المستسلم، وبعد هنيهة توضحت الرؤيا وانقشعت سحب الغبار الكثيف فرأى مادلين مذعورة منكمشة تئن بصوت خافت وترمقه برعب وقد ذابت هلعا تحت قبضة رجل ضخم البنية بهيئة مخيفة.
جأر أحدهم ولامس بحد سيفه عظم حنكه:
– ما الذي دعاك للاستسلام أيها الوغد و أنت تعلم أن ابنتك لامحالة هالكة؟
رفع صالح رأسه بوجه مهان وقال برجاء ميؤوس منه:
– اقتلوني كيفما شئتم، لكن دعوها تعيش.
مما حدا بالرجل ذو الرأس المدور ككرة الى لكزه بحد سيفه وصاح:
– هل كنت تظن بأنك ستقنعنا بهذه المساومة الرخيصة؟
رد صالح بقنوط:
– لا لم أفكر بمساومتكم، إنه رجاء أب كان بمقدوره النجاة بحياته، لكنه سيقضي عمره مفجوع مرزوء ولن يعيش هانئ البال لو استبدل سلامته بموت فتاته الصغيرة.
بصق الرجل بوقاحة وقال لاتباعه الذين لم تهدأ قهقهاتهم:
– تبا له و من عواطفه البالية التي تثير غثياني.
ووجه سؤاله لرجاله كوقع زلزال :
– هل نبدأ بقتله أم بقتلها؟
قاطعهم صالح مختنقا بدموعه:
– أريد معانقتها للمرة الأخيرة أرجوكم.
أومأ الرجل الذي يتزعمهم برأسه استجابة لطلبه، فامتثل ضخم البنية وأفلت الصغيرة التي ركضت الى أبيها تعانقه باكية، وبعد أن أوسعها تقبيلا، قال لهم بلوعة:
– اقتلوني أولا أرجوكم، لا أريد رؤية ابنتي وهي تموت.
صرخ الزعيم مستشيطا غضبا:
– تبا لك ولابنتك.
و سحب الفتاة من كتفها قازفا جسدها الصغير الذي ترامى لمسافة امتار يرافقه صراخها و ضرب عنق صالح بحد سيفه، فطار رأسه و سقط أمام قدميه مفتوح العينين، بحلق بتلك العينين الدامعتين اللتين تنظران اليه و تراءى له بأن شعاعا ينبعث من بين مقلتيه فيكبل جبروته ويحرق قلبه الذي قدّ من صخر لا يلين، أحس بقشعريرة ورغبة شديدة للهرب ، فصاح بصوت عال:
– هيا لنذهب حالا من هنا.
سأله أحدهم :
وماذا عن الفتاة هل نقتلها ؟
امتطى جواده و قال :
– لا دعوها تعيش ألم فقد أب كهذا.
بعد رحيلهم زحفت مادلين واقتربت من رأس أبيها تحيطه بذراعيها وتبكيه بقلب منفطر و حرقة تذيب أصلاد الصخر القاسي، وبعد أن أفرغت كل دموعها بدأت تحفر بيديها الناعمتين في التراب بمحاذاة جثة والدها، و أمضت ساعات وساعات وهي تجرف حفنات التراب الجاف وتقتلع الاحجار المغمورة وقد تشققت أصابعها ونزفت كثيرا، لقد صممت أن تدفن أباها، ولن تدعه لقمة سائغة لوحوش الغابة القريبة.
لم تتوقف مادلين عن الحفر، لم يثنها تعبها ولا قلبها الخافق أو عيناها المتورمتين من بكائه.
وظلت على حالها حتى ظهر اليوم الثاني تجرف بيديها وقد توصلت أن تحفر حفرة تتسع لمواراة ذلك الجسد الحبيب.
جرت قدميها المكدودتين وحملت الرأس لتضعه في اعلى الحفرة وبعد أن ركزته خرجت و بدأت تدفع جثة أبيها لتسقط في الحفرة وهي تئن من ثقلها.
لم يبق لديها قوة اضافية لردم الحفرة وملأها بالتراب الذي كومته على الجانب الآخر، فقررت أن تنام الى جانب أبيها للمرة الأخيرة، وغفت على صدر باذخ بالحنان، طافح بالعطايا.
كان النهار يخبو نوره تاركا وراءه غسقاً يفيض ألما عندما مرّ شاب بصحبة كلب صيد، وقد لفت نظره عن بعد التراب المكوم، فتقدم مستطلعا أمره، وما إن اقترب ووقع نظره على الحفرة ورأى الفتاة المتوسدة رجل مقطوع الرأس حتى جفت عروقه وتملكه الخوف.
كان وجه الفتاة مضيئا يشع بابتسامة، لم يرَ لها مثيل، ابتسامة مفعمة بالطمأنينة و الامتنان وكأنها تغفو على سرير من ذهب ووسائد من حرير في قصر كبير آمن.
أمسكها الشاب من كتفها يهزها، لكنها كانت عبارة عن جثة هامدة يابسة وباردة، و رغم اغتيال الموت لها ما غاض رونق جمالها، ولا بهت بريق ابتسامتها.
تأثر الشاب بالغ الأثر حتى كادت تطفر دموع عينيه، وانكب يهيل التراب على الجثتين.
بعد انتهائه مسّد التراب بكلتا يديه، ورحل يربت على رأس كلبه في غمرة ظلامٍ أطفأ كل جذوة نور وأوقد لهيب مشاعر حزن على حياة تغلب فيها الخطاة على الأبرياء، وتسلط الطغاة والبغاة على النفوس النقية.






