في تجربته التشكيلية الثرية، ترك الفنان الراحل لوثر ايشو بصمته الفنية التي من المؤكد أنّها ستتجاوز محنة غيابه عن الساحة الفنية؛ لتعلن خلودها عبر الزمن… هذا الزمن الكوني الذي ستدخل في حوار متجدد معه، فأُسلوبه المتميز يحيل الى ذاكرة ثرية تختزن مصفوفاتها أفكاراً ورؤى ظلت تشغل الفنان في حياته، حتى إذا دخل عالم الفرشاة والباليت والقماشة تناثرت هذه المصفوفات ، لكنّ فرشاته كانت ذكية بما يكفي لتفيد من تقنية الانتقاء… الانتقاء الذي يحيل من خلال الرمز الى دلالات لا متناهية، فالشخصيات الإنسانية والأرقام والأبواب والشبابيك والأشجار كلها رموز تدخل من خلال المنظومة اللونية الى عالم اللوحة؛ لتؤشر عبر موقعتها وحركتها وتآزرها عالمًا آخر يقف إزاءه المتلقي حائرًا في لحظات تلقيه الأُولى ليقرر: هل يدخل أم ينسحب؟ هكذا اشتغل الفنان الراحل لوثر.. هكذا أراد أن يحاور متلقيه بلوحة تثير مكنونات الذاكرة، وتفرز ما احتوته ذاكرته الجمعية، فإذا كانت ذاكرة هذا المتلقي حيّة سيسمح لها الفنان لوثر بالمثول بين يدي الدلالة ومحاورتها، أمّا إن كانت جامدة .. مغلقة فليس لها – من وجهة نظر لوثر – أي نوع من الحوار التواصلي مع اللوحة.
يمكنني القول إنَّ تجربة لوثر التشكيلية كشفت عن اعتماده أساليب متعددة في لوحاته، ما بين لوحات ضاجّة بالألوان الحارة تخصيصًا في الفترة التي انتقل فيها إلى قرة قوش بعد مغادرته لمدينة الموصل إلى لوحات تؤشر حزنًا طاغيًا ، لكنَّ الفترة الأخيرة من حياته كانت لوحاتها أقرب الى قمة التجريب ، بل خلاصة هذه الرحلة الطويلة والتي لمستُها من خلال تسميته لآخر معرضٍ له باسم {المعرض الأخير} والذي أثار الدهشة عند افتتاحه، حيث فوجئ الحاضرون بأكياس سوداء – تُستعمل للقمامة – تُغلِّف اللوحات المعروضة على جدران قاعة العرض ، كما فاجأ الفنان لوثر الحاضرين حين طلب منهم أن يساعدوه في تمزيق هذه الأكفان السوداء؛ ليدخلوا الى عالم لوحاته.
هذه الطريقة في العرض أحالتني الى عدة مؤشرات، أولها: هو اعتماد الفنان لوثر لفكرة المفاهيمية التي أصبحت معروفة الآن في العالم بعد أن اعتمدها الفنانون في عروضهم.
وثانيها: دعوة للمتلقي تعلن له:
انزع عنك أكفان واقعك اليومي، وادخل نقيًا الى هذا العالم.. عالم اللوحات.
وثالثها: الاحساس الذاتي الاستباقي {التنبؤي} الذي أحسّ به الفنان لوثر في أنّ رحيله عن عالمنا قريب جدًا.. بل كان أقرب مما يتصور أحدنا.
عرفتُ الفنان لوثر عن قرب حين كان مُدرِّسًا معي في معهد الفنون الجميلة / نينوى، كنّا نتحاور حين تتاح لنا الفرصة، وأتذكر أنّه كان قارئا متميزًا، وكانت موضوعات نقاشاتنا لا تتوقف عند الفن بل تعدتها الى مواضيع مختلفة أهمها الفنون والتاريخ والفلسفة والأُسطورة.
هل أستطيع القول إنَّ لوثر الانسان الفنان هو لوحة تشكيلية؟
شغلني هذا السؤال وأنا أكتب هذه المقالة، ولكني الآن أستطيع القول: نعم، الراحل لوثر لوحة تشكيلية عاش بصمت.. وأبدع بصمت.. ورحل بصمت تمامًا والصمت يكشف عن واحد من أمرين:
الأول: صمت الجاهل.. التائه.. الفارغ، وهذه أبعد الصفات عن تكوين شخصية لوثر.
الثاني: صمت العارف بعمق المتلمس لجوهر الوجود الانساني.. الباحث عن الأمل في كل تفصيلة من تفاصيل التجربة اليومية والتشكيلية.. المسكون بهاجس القهر والظلم والمعاناة.. المتمرد على كل ما هو تقليدي.. المتجدد المغامر الذي يسكنه التجريب بحثًا عن مفتوح يشرد فيه علّه يتحرر من قسوة الواقع وعتمة الانفعالات، ليبني عالمًا آخر يعيد فيه بناء هذا الواقع علّنا نراه بعيون وذاكرات أخرى مغايرة.. وهذا هو الراحل لوثر ايشو.
ترك الفنان لوثر عددًا كبيرًا من اللوحات التشكيلية، إلاّ أنني آثرت اشتغال لوحة واحدة منها؛ لمنحها حقها من البحث والتحليل والتدليل، وهذه اللوحة أسميتُها {شناشيل}. وتعتمد في تكوينها على عنصرين أساسين هما: الأشكال والأرضية، ولهذا سأتوقف أولاً عند الأشكال التي تموضعت في هذه اللوحة، حيث اتخذت بقايا بيت بؤرة سردها ونقطة سيادتها، فتموقع الجزء الشاخص منه في الجزء الأيسر العلوي منها تقريبًا، وتوزعت الأجزاء المتهدمة منه في المساحتين اليمنى العلوية واليسرى السفلية، وبهذا يكون الفنان لوثر قد اعتمد محور 1/3 أي تقسيم اللوحة إلى (3) أجزاء متساوية طولا وعرضًا، ثم موقعة نقطة السيادة في واحدة أو أكثر من النقاط الأربع الناتجة عن هذا التقاطع.
اللوحة عالم افتراضي يكتسب وجوده من خامة وألوان تمنح هي الأُخرى للأشكال وجودها، إذًا البيت في هذه اللوحة هو بيت افتراضي أيضًا، رغم أنّه منقول عن بيت واقعي وحقيقي، وهذا الوجود الواقعي كان أقرب ما يكون إلى الطاقة الحيوية التي حرّكت خيال الفنان وخبرته الحرفية العالية؛ لإنتاج لوحة تسرد قصة لمتلقيها، إنّها قصة بيت، فما هو البيت؟
يشير غاستون باشلار إلى أنَّ البيت هو أهم مكان في حياتنا؛ لأننا نعدّه مكاننا الأول، مكاننا الطفولي ، إذًا ما يربط الإنسان بالبيت ليس شعورًا بسيطًا أو عاديًا، بل هو ارتباط روحي وحسي وشعوري يربطه به، ويربط الفنان لوثر بهذا البيت تخصيصًا، ويبدو لي أنَّ هذا السبب هو الذي حفّزه ليجعل منه موضوعًا للوحته التشكيلية موضوع هذا المقال، رغم وجود الكثير من البيوت المهدمة التي يمكن لها أن تشكّل مادة مناسبة لإنشاء لوحة .
من المؤكد أنَّ الفنان لوثر دار حول هذا البيت، وتأمّله بحثًا عن أفضل زوايا إظهاره قبل أن يتخذ قراره برسمه من موقع يمين البيت وفي بُعد مناسب عنه ، ولم يتخذ موقعه في مواجهة البيت التي سيكون نتاجها رسم واجهته فقط؛ لأنَّ المواجهة فعل قصدي يستحضر ما تلتقطه العين وما تبثّه الذاكرة في الوقت نفسه، لكنّ اتخاذ جهة جانبية ستمكّن الفنان من عرض رؤية مزدوجة لواجهة البيت وجانبه أيضًا، كما أنّها ستوحي للمتلقي بأنَّ الفنان لوثر أراد أن يمرّ من أمام البيت لكنه توقف مأخوذًا بفعل الزمن والاهمال به، إذًا يبدو أنَّ اختيار الفنان لوثر لمنظوره كان مؤكِّدًا لخبرته التشكيلية ، فبدا شكل البيت الخارجي وتكوينه وعلاقات أجزئه المرسومة مع بعضها واضحة؛ لأنَّ الهدف الأساس من تطبيق المنظور أثناء أداء فعل الرسم هو تظهير الأشكال، وتبيان أبعادها كما تبدو في واقعها العياني وضعًا وبُعدًا؛ لتكتسب اقناع متلقيه وتفاعله معها.
يؤشر المسح البصري لهذه اللوحة أنَّ الشناشيل هي الجزء المتبقي شاخصًا من البيت، وهو الجزء الذي اهتمّ برسمه وإبرازه، فما هي الشناشيل؟
يطرح المهندس المعماري د. رؤوف محمد الانصاري تعريفه بالشناشيل حيث يقول إنَّها الشرفات الخشبية المزخرفة والمعلّقة التي تطلُّ على الطريق، وأنَّ تسميتها ليست عربية بل فارسية، وهي كلمة مركّبة من {شاه نشين} بمعنى محل جلوس الشاه {الملك}.
انطلاقًا مما سبق يمكنني تحديد وظائفية الشناشيل في الواقع العياني بـ:
1/ وظيفة قيمية تؤشر العَظمة والقوة والسلطة والعلو، بدليل أنّها تتموقع في الطابق الأول والثاني وليس على الارض.
2/ وظيفة اتصالية حيث أنّها تطلُّ على ما حولها، فتربط داخل البيت بخارجه بشكل مباشر.
3/ وظيفة جمالية تتحقق بالأخشاب المزخرفة والاضافات التزيينية.
وهذه الوظائف – بتصوري – كانت حافزًا للفنان لإبرازها، وربما كانت أحد أسباب اختيار الفنان لهذا البيت دون غيره.
في الوقت الذي نؤشر فيه أنَّ الفنان لوثر فنان موصلي، لا بُدَّ لنا أن نؤشر أيضًا أنَّ الشناشيل منتشرة بكثرة في مختلف المدن العراقية والعربية أيضًا، لكنّ انتشارها في مدينة البصرة خلّدها من خلال رائعة الشاعر بدر شاكر السياب {شناشيل ابنة الجلبي} فأصبح للشناشيل في البصرة مذاقها وروحها الخاصّة.
اتخذت الشناشيل في هذه اللوحة شكل مستطيلين أُفقيين متراكبين بحكم تموقعهما في واجهتي الطابقين الأول والثاني، واشتغل الفنان لوثر باتجاه تظهير ما تبقى من شكلهما الخارجي، حيث تتصدر الشنشولة الأُولى متخذة شكل الأقواس مظهرًا، يليها حيّز للجلوس، ثم حاجز أمامي، كما بدا أنَّ الجهة المواجهة للفنان مغلقة، فيما تظهر الجهة الأُخرى مفتوحة جزئيًا، أمّا الشنشولة العلوية فبدت معالمها أقل تمظهرًا، وتتخذ الطابع ذاته الذي تمظهرت الشنشولة الأُولى.
إنَّ الشناشيل وهي الجزء الخشبي المضاف إلى البيت، أثبتت حضورًا في هذه اللوحة أقوى من البيت ذاته المبني من خامات مختلفة تحمل قوتها وقدرتها على الاستمرار الوجودي، لكنَّ انهيار أجزاء منه وضياع معالمه _ فلا باب ولا شباك ولا جدران قائمة- يؤشر ضياعًا آخر افتقده الفنان لوثر ألا وهو البشر.. الأصوات، الروائح، لحظات الفرح والحزن، الطابع الخاص لمعماريته، وبالتالي الحركة التي تعلن الحياة، إذًا ماذا أراد الفنان لوثر أن يعلن؟
إنهّ اعلان للأنسنة – بتصوري – ولهذا سأُعرِّف بها أولا، ثم أقف عند محاولة الفنان أنسنة هذا البيت.
الأنسنة: إلصاق سمات الإنسان بكائنات غيره مثل الحيوان والنبات والجماد، وخير أمثلتها ما نجده في الحكايات الخرافية والشعبية والأساطير والأفلام الكرتونية.
إذًا ما أراده الفنان لوثر في عملية الأنسنة هو إظهار الاسقاطات النفسية لكل ما يعتمل داخله من مشاعر وانفعالات ومواقف، فيتماهى الإنسان بالبيت والبيت بالإنسان، ولا زلنا في مدينة الموصل بل وفي عموم الوطن العربي نشير إلى عائلة ما بلقب {بيت فلان} مما يؤشر الترابط الصميمي بين الإنسان والبيت بوصفه مكانًا تحقق فيه العائلة وجودها واستمراريتها.
إنَّ تأشير الفنان لوثر للضياع الداخلي لهذا البيت وسقوط حواجزه ومداخله المتينة إزاء القوى التي فرضت قدرتها عليه، كشف عن أنَّه لم يسقط سقوطًا كاملاً بل بقيت شناشيله التي ستأخذ دور الواجهة للبيت والمظهر الخارجي للإنسان في الوقت ذاته، وهي تصارع عوامل فنائها في محاولة منها للبقاء والاستمرار رغم عوامل التآكل والتعرية الواضحة عليها.
وهذا ما سيحيلنا إلى تأشير مفهوم آخر ألا وهو الاغتراب، فمن المعروف أنَّ البيوت تطلّ على أزقّة أو شوارع، وتجاورها بيوت أُخرى أو أسواق أو…..، وتميّزها الحركة والأصوات، وهذه بمجموعها تُشكّل المدينة ومعالمها الحيّة، لكنَّ هدف الفنان المعلن هو تغريب هذا البيت بدلالة تضييع معالمه أولاً، وتضييع معالم مكان وجوده ثانيًا، واستبدالها ببقع لونية ثالثًا، وهذا ما سأقف عنده حين قراءتي للمنظومة اللونية.
تُشكّل الأرضية قاعدة تساعد الأشكال على التمظهر والثبات من خلال تحمّلها لثقلها، لكنَّ الفنان لوثر عمد إلى دمج الأرضية والأشكال التي كان يُفترض بها التمظهر مثل الأجزاء التكميلية للبيت والشارع والسيارات وربما بعض المارّة، وبدا هذا الدمج واضحًا من خلال إخفائه لهذه التفاصيل معتمدًا على لمسات فرشاة عريضة وخطوط هلامية متشابكة، أسهمت في الإيحاء بتضييع المعالم. أما شكل السماء فبدا مختزلاً بسبب ارتفاع بقايا المنزل، فلم يظهر منها سوى مساحتين صغيرتين في الزاويتين العلويتين اليسرى واليمنى.
ينتج اللون من صبغات ملونة تعتمد على النباتات وبعض الشحوم الحيوانية، وكذلك بعض المواد المأخوذة من التربة بعد إعادة انتاجها كيمياويًا، ويؤدي اللون وظيفته في اللوحة من خلال تظهير الأشكال المرسومة، ومنحها صفة الواقعية – رغم كونها افتراضية – وكذلك منحها صفة الجمالية، وللّون أيضًا قدرته على إظهار مدى التشابه والاختلاف بين ملامس الأشكال المرسومة، فضلا عن دلالاته القيمية دلالاته القيمية.
يؤشر المسح البصري للمنظومة اللونية التي اعتمدها الفنان لوثر، اعتماده اللون البُنّي المتدرج ما بين الغامق والبرتقالي المطفأ، وهو لون الأرض والتراب، إضافة إلى اللون الأسود المتدرج والرمادي المتدرج، وكلها ألوان تحيل إلى تراكم طبقات الغبار على البيت، وهي في الوقت ذاته تحيل إلى ملمس السطوح التي عانت من التآكل والتعرية بسبب الاهمال، كما أنَّ الخطوط المنحنية المتشابكة التي اشتغلها الفنان لوثر بفرش ذات أحجام متباينة ما بين الرفيعة والمتوسطة والعريضة، منحت المتلقي إحساسًا بالضياع والاغتراب الذي يعانيه البيت، وفي الوقت ذاته الإنسان بوصف البيت رمزًا للإنسان المقهور والمظلوم والضائع في ازدحام الظروف وتشابكها ضده، وهذا ما يؤشر صراعًا مأزومًا تقابله مقاومة لنتائج هذا الصراع، تلك النتائج التي ستكون مؤشرًا للفناء والانمحاء.
أمّا الأرضية فقد اختار لها الفنان تدرجات من الأخضر الشاحب والأصفر الشاحب أيضًا، ليشير إلى فقدان هذه الألوان دلالاتها القيمية؛ لأنَّ الألوان إذا اتصفت بالشحوب والضبابية تقلّ بالمقابل دلالاتها.
ومنح السماء اللون الأزرق الشاحب في الزاوية اليمنى العليا؛ لوقوعها ضمن منطقة الإضاءة، فيما اتخذ الجزء الواقع في الزاوية اليسرى العليا لونًا أزرق بدرجة الجويتي المتوسط، ولم يستعمل الأزرق الصافي لونًا للسماء، فبدت {دلاليًا} وكأنها تؤازر البيت في حزنه.
ويأتي تأكيد الفنان لوثر دلاليًا على ضياع هوية البيت أيضًا من خلال استعماله للّونين الأسود المتدرج والرمادي المتدرج ، فاللون الأسود يمتص الألوان كلها، ويحيل دلاليًا إلى الموت والفناء والرهبة والمجهول، كما أنّه يثير الشعور بضيق المكان عاكسًا هذا الضيق على الإنسان أيضًا، واللون الرمادي لون حيادي؛ ولهذا كان لهما حضورهما في تحقيق هدف الفنان في إخفاء واجهة البيت السفلى، وتخصيصًا الباب لما له من وظيفة الدخول والخروج، وهما وظيفتان تحيلان إلى مسكونية البيت، وبهذا نفى صفة السكن عنه، وحقق التوازن اللوني والدلالي.
هناك بعض التساؤلات تطرح نفسها عند الاشتغال بتحليل اللوحة التشكيلية، ومنها:
هل نجح الفنان لوثر بتحقيق صفة التوازن بوصفها واحدة من أُسس التكوين التي تحيل إلى قيم جمالية؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بُدَّ لنا أنَّ التوازن هو أساس تنظيم فضاء اللوحة عند توضيع الأشكال على قماشتها، وتحقيقه يكون من خلال التوزيع المتعادل للكُتل، سواء أكانت كتلاً تشكيلية أو توضيعًا لونيًا، يؤدي بالتالي إلى منح المتلقي احساسًا بالتوافق والانسجام بين هذه العناصر التي قامت على وجودها اللوحة، انطلاقًا مما سبق يمكنني القول أنَّ الفنان لوثر نجح في تحقيق التوازن من خلال رسم الشناشيل بشكلها الهندسي {المستطيل الأُفقي} ولكنه ليس المستطيل الصارم الخطوط، بل ظهرت خطوطه وتكويناته متعرجة وغير منتظمة؛ بسبب التكسرات والتشققات، مما منحها فرصة التوازن مع شكل باقي أجزاء البيت التي تمظهرت بالتعرج والتكسر هي الأُخرى.
في الواقع العياني يكتسب البيت ثباته واستقراره ليصبح مكانًا صالحًا للعيش، واللوحة التشكيلية تقدم مشهدًا محددًا بزمن ومكان، ولهذا تبدو للمتلقي في أُولى لحظات تلقّيه أنّها قارّة ساكنة، إلاّ إنَّ التأمل فيها وامتلاك معرفية تشكيلية دقيقة ستكشف له الحركة الكامنة في هذا المشهد المرسوم، هنا سيطرح تساؤل نفسه: كيف تجسّدت الحركة في مشهد هذا البيت الساكن؟
لنستعرض أولا تعريفا بالحركة ودورها الوظائفي في اللوحة، من خلال ما طرحه الناقد الفرنسي كلود روشان حيث يشير إلى أنَّها أهم وشائج الفكرة التشكيلية هي الحركة؛ لأنَّها بكل بساطة علّة التكوين والتصوير، ومن ثم نواة الفن التشكيلي، وبهذا تصبح الميزة المتفردة لكل فنان هي اعتماده لفكرة الحركة في مشروعه التشكيلي، فهي أحيانًا تتفوق على كل مقومات الفنان بل وتصبح هي القيمة الكبيرة في عمله الابداعي.
تجسّدت الحركة شكلاً في هذه اللوحة في الانتقال ما بين شكل الشناشيل الذي أشرنا إلى أنّه شكل مستطيل غير منتظم، وشكل باقي أجزاء البيت الضائعة، وكذلك الأشكال الهلامية المحيطة بالبيت. وتجسّدت لونًا في التدرّج اللوني للبنّي والأسود والرمادي، فكل انتقالة لونية يؤديها الفنان تؤشر حركة داخلية، وكذلك موقعة مناطق النور والظل، فكل منهما يؤدي حركة مضافة، وأخيرًا حركة دلالية تمظهرت من خلال الثبوت والاستقرار الذي يتصف به البيت في الواقع العياني، يقابله الضياع الذي سيقود إلى السقوط والانهيار لاحقًا؛ لأنَّ مشهدية اللوحة أمسكت به قبل أن يؤول إلى الانهيار.
إذًا هي انتقالات حركية يبثها الفنان في عناصر تكوينه، ويستشعرها المتلقي حين يعمد البحث في تفصيلات اللوحة، ولكن المعرفية العلمية تؤكد أنّ لا حركة تحدث إلاّ في زمان ومكان، فكيف تجلّى الزمان في هذه اللوحة بعد أن عرفنا المكان من خلال ما طرحناه سابقًا؟
لنؤشر أولاً الفرق بين الزمن والزمان حسب طروحات الباحثين في هذا المجال الحيوي، حيث أشاروا إلى أنَّ الزمن هو الوقت الذي يقاس بالساعات وتفريعاتها، أمّا الزمان فهو ما حددوه بالفصول والسنين ، والآن لنستكشف أيهما هو الحاضر في هذه اللوحة ؟
إذا حاولتُ احتساب الوقت الذي أنفقه الفنان لوثر ما بين البدء باللوحة واكتمالها، سأكون بالتأكيد متحدثة عن الزمن أي الساعات التي كانت فيها فرشاته تتحرك على قماشة اللوحة، بتآزر مع ذاكرته وأفكاره وعينيه ويديه، وهذه حركة خارجية أنتجت لوحة. وبالمقابل إذا تأملتُ البيت في واقعه العياني المعاش سأكون متحدثة عن زمان أي سنوات طوال من الوجود الحقيقي، أي البيت المسكون من قِبل أصحابه والعامر بالحركة والحياة، وسنوات من هجره وإهماله رغم شخوص شناشيله، فحركته متجسدة عبر انتقالته ما بين صلاحيته للسكن وانعدامها.
أمّا الزمن الداخلي للّوحة فيتجسد عبر محددات أهمها:
1/ أنّ اللوحة تجسِّد زمنًا نهاريًا، حيث تشير الإضاءة إلى أنّها إضاءة شمسية طبيعية، وهذا ما أكّدته معرفتي الشخصية بالفنان لوثر حيث كان غالبًا ما يخرج إلى الطبيعة، وينتقي ما يريد رسمه من موجوداتها، فيرسمه بشكل مباشر وبالإضاءة الطبيعية لا الصناعية.
2/ يُشكِّل اقتناص الفنان لهذا المشهد قبضًا على زمنه الخاص، وتحويله إلى زمان مفتوح يؤشر خلودًا لهذا المشهد، ويتمثل بمدى بقاء اللوحة متداولة ومنظورة من قِبل المتلقين.