سوريا يا حبيبتي – محمد سعيد حسين – سوريا
قالت والدتي:
هذه خمسمئة ليرة من آمنة، هي مساعدة.. رد جميل.
هي لم تقل رد جميل، أنا فهمتها هكذا
أخرَجَت من جيبها (وربما من محفظتها) رزمة أوراقٍ نقدية من فئة الخمسمئة ليرة، تناولتُها، فرحتُ كثيراً، وكان عليّ أن أذهب إلى أبي لؤي لإعطائه مبلغ عشرين ألف ليرة، أعطاني اثنتين وعشرين ألف ليرة وقال لي: لم يبقَ معي غيرها، ها قد برّأت ذمّتي لديك، وإذا بي في السّوق، وأبو علي هيثم يطالبني بمبلغ اثنتين وعشرين ألف ليرة، وأبو علي هيثم لا أعرفه، وإذا بي أقول له بأسى: والله لا أملك قرشاً واحداً، وكنت أنوي أن أطلب منك مبلغاً مماثلاً، ثم أخرجتُ من جيبي مبلغ خمسةٍ وعشرين ألف ليرة لأعطيها لسهيل الّذي يقف معه، وسهيل هذا لا أعرفه أيضاً، ولم يسبق لي أن رأيته، لكنّني قلت له: خذ يا سهيل، هذا ما تبقى معي من المبلغ..!!
وكأنّما نظر إليّ أبو علي هيثم بعتبٍ كبير، وكأنّما تجاهلتُ نظرتَه وأدرتُ له ظهري لأرى مجموعةً من الرّجال والشباب يضربون أحداً ما، وكأنّما اقتربتُ ـ غير مبالٍ ـ من مكان المعركة، لأرى إلياس وقد صبغ الدّمُ جانباً من وجهه وكتفه الأيسر، ومجموعةً من الرّجال المضرجين بدمائهم يئنّون وضحكات رقيعة تخرج من أنينهم، وكأنّما من ضربَهم رجلان ضئيلا الحجم، حتى أنّ أحدَهم يساوي حجمه حجم فردة حذاء نمرة 45، وكأنّما لم أكترث للأمر، ولكنّ الرجال المصابين انتصبوا فجأةً أمامي وهم يمسحون دماءَهم بباطن أكفّهم، وكأنّما راعني أن أرى ناصراً بينهم، وناصر هذا لا أعرفه مطلقاً، وهممتُ بسؤاله عمّن فعل به هذا، لكنّه سبقني بالقول: سامحونا يا شباب، وترنّح وهو يردف: أصبحتُ المرحوم ناصر..!
ركضتُ إليه بلهفة وتلقفتُه عن الأرض، وإذا به يئنّ ويضحك مقهقهاً قائلاً لي: لا عليك، سأموتُ بخير، لا تقلق..!
وكأنما التفتُّ للجمع صارخاً: هاتوا سيارة إسعاف بسرعة..!!
وعندما جاءت السيارة بسرعة، قلت لهم اسندوه حتى أحضر سيارتي، وبدأتُ أركضُ لاهثاً في شارعٍ صاعدٍ إلى مكانٍ ما، وعلى جانبيه بيوتٌ وحوانيتُ، ولا بشر..!
وفجأةً تهاجمني دجاجةٌ عندما أَزحتُ أحدَ فراخها عن طريقي، ونقرَت بنطالي واقتطَعتْ منه قطعةً بحجم راحة اليد، وما إن تخلّصتُ منها حتّى تتالت الدّجاجات، وبدأن ينقرنني بوحشيّةٍ، وكلّما ضربتُ إحداهنّ تأتي الأخرى لتقطع من جسدي ما يعادل أوقية من اللحم، لكنّ أفجرهنّ وأصغرهنّ حجماً، تلك الدّجاجة الحمراء، انقضّت على ما بين فخذيّ واقتلعته بسهولة ويسر، ودون ألمٍ، وبدأَتْ تركض وهي تجرّ خلفها خصيتين مخضّبتين، وبدأت الخصيتان بالضحك، وبدأت أنا بالبكاء، وتذكّرت آمنة، وما ستفعله بي بعد الّذي حصل، ثم نسيت آمنة، وتذكّرت أنني لا أملك سيارةً، وقلتُ لناصر أن يذهب بمفرده إلى المخفر، وأن يقولَ للطّبيب كلّ شيء حتّى لا يُتّهم بتأييده للمخطّطات الخارجية، وضلوعه في المؤامرة، ولكن المساعد أوّل نهرني قائلاً: أعطني مشرطاً وقطناً وشاشاً وزجاجة المعقّم، غداً عندما أفرغ من هذه العملية أتفرّغ لك أيها الحقير..! لكنّني لم أعطه شيئاً، وأقبلتُ على يده أقبّلها وكأنّما أضاجع لارا، ولكنّني تذكّرتُ ما فعلَتْه بي الدجاجة الصغيرة الفاجرة الحمراء، فقرّرت أن أستعيد ما فقدت، وأعود إلى آمنة..!! ولكن الدجاجةُ تصرخ بي: وما حاجتك إلى العشرين ألف ليرة؟!! أعطها لأخيك، هكذا أفضل، ولكنني أتذكّر أنّني لا أحب الدّجاج، والجميع يصرّ عليّ أن أتزوّجها، أحاول الهرب فلا أستطيع، وتنظر الدجاجة إليّ بأسىً، والدّمع يملأ عينيها، ثمّ أرى نفسي أجلس في مكان العريس، ولكن من غير ثياب، وكأنّما الأمرَ طبيعيّ لا يلفت نظر أحدٍ، ثمّ تأتي عروستي الدّجاجة، وتجفل من عريي، وتطلب إليّ أن أرتدي ثياباً كشرط لإتمام العرس، وكأنّما أصبحتُ بثيابٍ رثّة عريساً وبجانبه عروسته لارا، وكأنما لارا تكره الدجاج مثلي، وكأنّها تخبرني أن أباها حوّلها إلى دجاجة كي تبيض له كل يومٍ بيضةً ذهبية، لكنّ لارا لم تبض، فقط مدّت يدها إلى فرجها لتُخرِج صبيّاً بحجم الخنصر، وكان صوتُه جميلاً عندما بدأ يغني آن خروجه:
ناءٍ عن الأوطان يفصلني
عمّا أحب البرّ والبحرُ
وكأنّما هذا الصبي هو أنا، وكأنّما أصبحتُ في البرازيل، وسط حقولٍ لامتناهيةٍ من “بن نجّار” بأغلفتها الخضراء والزرقاء، ومن حولي بيليه وسقراط، وزيكو، وروبيرتو كارلوس، وأنا أبحث عن رونالدو، ولكن رونالدو الصغير لم يظهر، وكأنّما فشلتُ في مهمّتي وبدأتُ البكاء، وكأنّما كان روبيرتو كارلوس يواسيني ويبكي معي لاعناً الزّمنَ والظّروفَ التي جعلته يستدين منّي مبلغ خمسةٍ وعشرين ألف ليرة، ويتساءل كيف سيردّها إليّ وقد منعوه من دخول القطر، وكأنّما قلتُ له إنّهم الآن يسمحون له، فالوضع قد تغيّر بفعل المظاهرات، وأصبح المخابرات جميعُهم رعاةَ غنم القبيلة، وفرح فرحاً عظيماً وبدأ ينشد بفخر:
سوريا يا حبيبتي
أعدتِ لي كرامتي
أعدتِ لي هويتي
وكأنّما سوريا تبتهج لهذا، وتدخل مع كلينا غابةً قريبةً حتّى لا يرانا أحد، ثمّ تبدأ بالتعرّي أمامنا، فأبدأ بالبكاء وقد اشتدّ قهري وأنا أرى ديفيد بيكهام، الّذي كان منذ قليل روبيرتو كارلوس، يداعب ثدييها وينظر إليّ بطرف عينه نظرةً خبيثة، وابدأ بالصراخ عالياً، ولكنّ صوتي لا يخرج، أصرخ وأصرخ وأصرخ حتى أكاد أختنق، ولارا تنظر إليّ بتشفّ، وقد أفردَتْ عريَها أمام الجميع، فاستيقظتُ مرعوباً وأنا أصرخ:
سوريا يا حبيبتي ….!!!
قصة حقيقية بكل تفاصيلها وأحداثها، حدثت فصولها معي شخصياً، أثناء غفوةٍ استمرّت خمسَ دقائقَ فقط.!






