الفنان محمود من مواليد بابل / العراق عام (1962م) ، حصل على عدة شهادات منها: دبلوم في هندسة البناء والانشاءات من المعهد التكنولوجي في بابل ، دبلوم بدرجة ماجستير في الفنون الجميلة من معهد خاركوف في أوكرانيا عام (1991م).
تخصص في الرسم الاكاديمي الانطباعي حسب الاصول المنهجية للمدرسة الروسية الواقعية ، درس على يد كبار الفنانين الاوكرانيين من أساتذة المدرسة السوفيتية منهم: أُستاذ الفن مارك قسطنطينولسكي ، وفلاديمير جردنسكي ، وفكتور جاوس. أنتج الكثير من الرسومات لكتب الاطفال ، وأقام معارض شخصية وشارك في معارض جماعية منذ (عام1982) ، وحاز على الكثير من الجوائز ، واُقتنيت الكثير من لوحاته ، يقيم في كندا منذ (عام 2013 )، هذا موجز لسيرته الثريّة التي تكشف عن فنان اعتمد المسيرة العلمية الرصينة والتدريب الحيّ الفاعل لبناء شخصيته التشكيلية ، فكانت لوحاته أُنموذجًا في تفعيل العلم والقدرة الذاتية معًا؛ لإنتاج لوحات تميّزت بنكهتها وسماتها ودلالاتها الخاصة بها.
تعتمد مشهدية اللوحة على ما ينتقيه الفنان من عناصر التكوين؛ ليوزعها في أرجائها بكيفية يعتمدها لإنشاء عالمه الخاص من خلالها ، فيما يقف المتلقي بين حالتين ، فإمّا يعتمد {النظر} أي البحث عن وصف لمكونات اللوحة ، وامّا يعتمد {الرؤية} محاولاً ايجاد دلالات تطرحها هذه المكونات بوصفها رموزًا تحتاج الى تفسير ، ولهذا لن أكتفِ بالنظر الى لوحة {عودة اللقالق} بل سأراها رؤية نقدية تحاول أن تقدم للمتلقي ما يعينه على فهمها والاستمتاع بها.
يكشف عن مجموعة من العناصر التكوينية لها وهي:
اختيار الجانب الايسر من اللوحة لموضعة بيت بجزء من بنائه وزهوره وعش اللقالق.
اختيار الجزء المواجه للمتلقي؛ ليموضع فيه أجزاء متعددة من مدينة بغداد وفتاتها النائمة.
اختيار الجزء الأيمن من اللوحة؛ لموضعة جزء من الفسحة أمام البيت والسيارة التي تركن فيها.
سرب اللقالق وهو يشغل فضاء اللوحة.
إذًا الجزء الأيسر يكتسب صفتي الحيوية والجمال معًا ، حيث اعتمد الفنان تظهير جزء من البيت واجهةً وسطحًا ، متخذًا أغصان متكاثفة من الزهور تفرش وجودها بدءاً من جدار المنزل وصعودًا إلى سطحه ، ويكتمل المشهد بوجود عصفورين صغيرين يتخذان من التعريشة الزهرية مكانًا للمرح.
وبما أنَّ الزهور تؤدي وظيفة جمالية وروحية على أي مكان تكون فيه ، فإنّ الفنان محمود أكسبها اللون الزهري المتدرج والمتداخل مع لمسات من اللون الأخضر المتدرج والمتداخل أيضًا؛ للأوراق ليمنحها حيوية وحركية ربيعية تشتغل باتجاه كسر جمود مظهر البيت. كما أنّ حضور العصفورين منح مظهر الزهور حيوية مضافة.
العشّ مكان لمشهد عائلي بامتياز ، فأٌنثى اللقلق مع أفراخها تنتظر اللقلق الذكر {الأب} قادمًا مع غذاء يحمله بمنقاره ، فهي عائلة سبّاقة في العودة الى عشّها ، فيما ينتشر سرب اللقالق في الفضاء {في البُعد الثالث} قادمًا باتجاه مقدمة اللوحة ، إنّها العودة الى الأعشاش التي تركها السرب عند هجرته.
في الواقع العياني المعاش تتخذ اللقالق أمكنة عالية لبناء أعشاشها مثل المنائر والكنائس بعيدًا عن ضجيج المدينة ، فتبدو وكأنّها تطلُّ عليها من علٍ ، لكنَّ الفنان محمود اختار لها مكانًا لا تبني فيها أعشاشها عادةً ، وهو سطح منزل ؛ لتؤدي وظيفة الشاهد المتفاعل والمراقب لهذا المشهد ، حيث عمد الفنان إلى منح اللقلق الكبير فرصة تأمّلٍ عن قرب لمشهد الفتاة النائمة ، فبدا وكأنّه يشاركها غفوتها وأحلامها ، وبهذا تحوّل اللقلق من كونه جزءاً من المشهد إلى جزء من روح المشهد.
هنا سيطرح تساؤل نفسه: كيف مظهر هذا التحوّل؟
يمكنني أن أطرح جوابًا افتراضيًا لهذا التساؤل من خلال عنونة اللوحة {عودة اللقالق} ، حيث تؤشِّر هذه العنونة مفردتين هما {عودة} و{اللقالق} فهذه الحيوانات من الطيور التي تهاجر؛ لتقضي فصل الشتاء في أماكن بعيدة عن أعشاشها ، وتعود مع انتهاء الفصل إلى أعشاشها ذاتها دون أن تُخطئ ، إذًا هي هجرة موسمية تؤديها اللقالق ، ولكن هل هذه العودة هي العودة الروتينية ذاتها التي تمارسها اللقالق في مختلف بقاع الارض؟
سأحاول تأجيل الإجابة لأقف عندها لاحقًا.
يلفت نظر المتلقي الدقة المتناهية التي رسم بها عشّ اللقلق، حيث عمد الفنان محمود الى اعادة نسج شبكة العش من أغصان الأشجار اليابسة؛ ليرسمها بفرشاة متوسطة الحجم ، كما أنّ المنظومة اللونية هي الأُخرى لافتة للنظر ، حيث اتخذ اللون البني المتدرج والمتداخل موقعته على الأغصان، لكنّ الفنان لم يكتفِ بهذا اللون بل منح العشّ حيوية التمظهر من خلال اضافة لمسات من الالوان الزرقاء والوردية والبنية الفاتحة؛ لتؤدي هذه الاضافة مجموعة من الوظائف على أكثر من مستوى ، فعلى مستوى الجمال أكسبته جمالاً وحيوية لا يملكهما في الواقع العياني ، وعلى مستوى الحجم أكسبته اتساعًا وامتدادًا الى الأعلى ، وعلى مستوى التلوين بدت مناطق الاضاءة والظل واضحة.
اختار الفنان محمود في هذه اللوحة تكوينًا أُفقيًا ، أي تنظيم عناصر التكوين بشكل أُفقي ، وهذا ما نجده عند المسح البصري للجزء المواجه للمتلقي ، حيث عمد إلى موضعة بيت بغدادي الملامح في هذا الجزء؛ ليكون واجهة للّوحة من جهة ، وليهيئ مكانًا مناسبًا لفتاته من جهة ثانية.
وتكشف واجهة البيت عن تصميم لبيت بغدادي الملامح ،يمكن تحديده من خلال ملاحظة طراز البناء والباب والشبابيك الخشبية ، وكذلك الفانوسين المعلقين على جانبي الباب ، وهذا الطراز يؤشر زمنًا ماضيًا يكاد ينقرض؛ لتغيّر طُرز البناء في بغداد حاليًا.
يلفت نظر المتلقي الدقة التي رسم بها البيت، فبدا وكأنّه ينحته جزءاً جزءاً مستعملا فرش تلوين بأحجام متباينة ، وينطبق الوصف ذاته على أشكال البيوت الأُخرى التي تفرش وجودها في البُعد الثالث ، حيث أفاد الفنان من خاصية الامتداد الأُفقي للأشكال ولكنّه امتداد نحو البُعد الثالث ، حيث تمظهرت البيوت بجزء من واجهاتها مع تظهير بعض الاشارات التي تدل على أنّ البيت مسكون وليس مهجورًا بدليل الحبل المدود والملابس المنشورة عليه ، وكذلك ظهور جزء من أشجار يبدو أنّها مزروعة في باحة أحد البيوت.
ويتخذ الجامع موقعته على حافة النهر ، بسكون وسلام يكشف عنه اللون الأزرق الترابط دلاليًا بالهدوء والاستقرار ، وبدا نهر دجلة هو الآخر منسابًا بهدوء ، ويكاد يتماهى مع فضاء بغداد المفتوح ، ويتخذ الجسر موقعته في عمق اللوحة متشحًا بزرقة هادئة. ويلاحظ المتلقي اختفاء الشوارع؛ لأنّها مصدر للحركة الضّاجة. إذًا هو مشهد مفتوح تتآزر عناصر تكوينه؛ لتعلن عن كينونة المكان ليس بوصفه إطارًا لمشهد اللوحة، بل بوصفه عنصرًا مشاركًا بفاعلية عالية يشتغل؛ ليكشف عن التفاعل الحيوي لصورةٍ مجتمعية حميمية تؤشر سلامًا واطمئنانًا.
يتسم الواقع الإنساني بعيانية تمكّننا من تحديد ملامحه ومتابعة تغيّراته؛ بسبب كينونته المادية والمكانية والزمانية ، إذًا هل يمكن أن أُصنّف هذه اللوحة ضمن اللوحات الواقعية اعتمادًا على ما سبق ؟
للإجابة على هذا التساؤل لا بُدَّ لي قراءة الكيفية التي تمظهرت بها الفتاة أولا ، وربط ملامح الواقع المعروض في هذه اللوحة مع نقيضه تمامًا، ألا وهو الخيال الذي أثبت حضوره في اللوحة نفسها أيضًا.
حددت طروحات الباحثين في مجال الدراسات الإنسانية فرقًا أساسًا بين الشخص والشخصية ، فالشخص هو الإنسان ، أي الكائن الحيّ الذي يتكوّن جسمه من اللحم والدم ، أمّا الشخصية في اللوحة التشكيلية فهي كائن لوني أبدعه الفنان؛ ليؤدي وظائف محددة في العالم الذي أوجدته اللوحة ، من هنا يمكنني القول أنَّ الفتاة شخصية وهي في الوقت ذاته رمز لكل فتاة بغدادية تحلم أن تغفو على سطح دارها. سأدعوها إذًا (فتاة بغداد) لأنّها تكتسب حضورها من خلال انتمائها لبيئة هذه المدينة، التي هي في الوقت ذاته بيئة الفنان محمود قبل هجرته منها ، وتعلن الكيفية التي تغفو بها عن سلام عميق يفرض وجوده ، وتؤازره جملة معطيات ، منها: ملامح وجهها المنبسطة والبعيدة تمامًا عن أي مظهر من مظاهر التشنج أو الخوف ، وضعية الكفين تحت الرأس ، فستانها المصنوع من قماشة الساتان بملمسها الناعم ، وهي من الأقمشة غالية الثمن ، مما يؤشّر انتماء الفتاة لطبقة اجتماعية ثريّة نوعًا ما ، ويؤكد مظهر البيت نفسه ووجود السيارة هذا الثراء.
وبما أنّ اللون إحساس يحسّه الإنسان ، ولا وجود له خارج جهازه العصبي ، فإنَّ اختياره لألوانه سيتبع هذا الإحساس الذي سيحيل في الوقت ذاته إلى المحمول الدلالي الذي وجِدت الأشكال لتأديته ، من هنا كان اختيار الفنان محمود لألوان فستان الفتاة التي جمعت بين اللونين الأبيض والوردي ، حيث شكّل اللون الأبيض بدلالته على النقاء والصفاء أرضية للقماشة؛ وبسبب موقعة مناطق الإضاءة والظل ظهر اللون الأبيض في مناطق التظليل باللون الرمادي الفاتح جدًا ، فيما اتخذت الزهور لونًا ورديًا متدرجًا نحو الزهري، فكانت تكرارًا شكليًا ولونيًا للزهور التي تموقعت في الزاوية اليسرى من اللوحة ، كما كانت تكرارًا دلاليًا لها في الوقت ذاته.
إنّ عناية الفنان محمود بالتفصيلات الدقيقة التي تمنح الأشكال مقاربة محايثة للواقع العياني، تتجلّى بأكثر من علامة في هذه اللوحة ، منها المفرش الذي اختاره الفنان محمود لتغفو عليه الفتاة ، حيث انتقاه ومنحه مظهرًا دقيقًا للغاية من خلال ابراز أجزاء من حافاته وزخارفها وألوانها ، وهو نوع من المفارش كان مستعملا في البيوتات البغدادية قبل سنوات ، وبما أنّ الفتاة تنتمي لعائلة ثريّة وهي في الوقت ذاته الفتاة – الحلم – بالنسبة للفنان محمود فكان لا بُدَّ من تأثيث مكان نومها ، وعدم تركها تنام على أرضية السطح العارية.
فضلا عن أنَّ الوسادة هي الأُخرى اتخذت من قماشة الساتان مظهرًا ، فبدا ملمسها الناعم واضحًا ، واعتمدت ألوانها خاصية التكرار ، فمن حيث النوع هي تكرار لقماشة فستان الفتاة ، ومن حيث الألوان فهي تكرارية للأزرق المتدرج والتبني الذي تمظهر به البيت.
يمنح الوجود الحقيقي للإنسان في المكان فرصة كشف بيئته وعلاقاتها والكيفية التي رُتّبت بها هذه العلاقات ، لكنّ الإنسان {الفتاة} في هذه اللوحة كانت تحمل قصدية عالية للفنان في تشكيل علاقة من نوع مغاير لما اعتادت عليه بيئة بغداد ، فالفتاة لا تنتمي لفئة العمالقة ، ولا تغفو على بيت من ورق ، لماذا إذًا عمد الفنان إلى تظهيرها بحجم أكبر من حجم بيتها رغم أنّهما يتخذان الموقع نفسه على أرضية اللوحة؟
لوضع إجابة احتمالية لهذا التساؤل لا بُدَّ من الإفادة من مصطلح الانحراف كما حدده الناقد التشكيلي هربرت ريد ، حيث يشير إلى أنّه شكل من أشكال الابتعاد عن التوافق الهندسي المنتظم ، ويعني بوجه عام الابتعاد عن النسب المألوفة في الطبيعة ، وهذا ما منحني فرصة التفكير في وجهة نظر الفنان محمود وهو يشتغل الانحراف بهذه الكيفية ، فرأيت أنَّ ذاكرة الفنان كانت مشغولة بتحقيق نوعٍ من الترابط العميق بين بغداد التي يمكن تمثيلها بقاعدة المثلث ، وبين ضلعيه {الفتاة ، البيت} وصولا إلى قمة المثلث الذي سيتربّع عليه هدف قيمي عالٍ هو السلام ، ذلك السلام الذي كانت تنعم به بغداد قبل أن تعصف بها الأحداث المأساوية.
يحثّ المسح البصري المتأمل لهذه اللوحة على اشتغال الذاكرة بطرح تساؤلاتها ، وها هو تساؤل آخر يحوّم في ثنايا ذاكرتي معلنًا عن وجوده ، وباحثًا عن إجابة:
إذا كان جوّ العراق في فصل الصيف حارًا مُغبرًا جافًا ، فكيف تنام فتاة شابة في نهار صيفي شمسه ساطعة على سطح دارها؟
بما أنَّ البيت مكان مغلق هندسيًا، فإنّه غالبًا ما يتسم بالحميمية والاطمئنان والترابط الأُسري ، وبالمقابل قد يفتقد المكان المفتوح هندسيًا هذه الصفات ، لكنّ السطح – وهو مكان مفتوح – يعلن في هذه اللوحة عن كونه مكانًا أليفًا مُطمئِنًا رغم أنّه يعلو بيتًا مقفل الأبواب والشبابيك إقفالا كاملا، حتى أنّه يكاد يوحى بعدم السكن فيه ، وفتاة اللوحة تنام بهدوء شديد على سطحه ، إذًا لا بُدَّ من وجود دافع جمالي يؤشّر قدرة خيال الفنان على الاشتغال في حدود إطار لوحةٍ واحدةٍ بثنائية متضادة هي: الواقع والخيال.
وقد طرح الباحثون تعريفات متعددة للخيال تتفق مع توجهاتهم الفكرية ، لكني سأعرض تعريف برونوفسكي له، حيث يشير إلى أنَّ الخيال هو تكوين الصور وتحريكها داخل عقل المرء للوصول إلى تنظيمات جديدة ، ويطرح الفيلسوف لالاند تصوّره عن الخيال الخلاّق بأنّه توليف جديد من الأفكار ، يعتمد على الدافع الذاتي للمبدع ورغبته في تحقيق هذا الدافع الذي يتجلّى في اشباع حاجةٍ فردية كانت أم جماعية ، فما هي هذه الحاجة التي كشفت عنها لوحة {عودة اللقالق} وهل هي حاجة فردية أم جماعية؟
إنَّ بؤس الواقع ولا إنسانيته وسوداوية وقائعه التي تتخذ مظاهرها من خلال انتشار مظاهر القسوة والرعب والاستغلال والضياع، شكّلت دوافع ثريّة للفنان محمود دفعت به إلى ايجاد عوالم توازي هذا الواقع السلبي ولا تلتقي معه ، فلجأ إلى رفض القيود والسلبيات أيّا كان مصدرها وشكلها ومعطياتها ، واشتغل باتجاه اكساب الواقع والمكان أُلفة وتوازنًا مفقودًا ، وبما أنَّ التوازن ينتج عن تعادل القوى المتضادّة ، فإنّ انتقاء الفنان محمود للتوازن المستتر كان مميزًا تمامًا ، فهذا النوع من التوازن لا تحكمه قوانين ثابتة تميّزه ، والفنان بالتالي سيمتلك حريته في اعتماده ، وفي هذه اللوحة يمكنني الكشف عن تمظهرات عدّة للتوازن المستتر منها:
اختيار التكوين الأُفقي لتظهير البيوت والجامع والفتاة والفسحة أمام الدار والسيارة والنهر والجسر ، يقابلها التظهير العمودي للعش واللقالق ومجموعة الأشجار ، وتخصيصًا أشجار النخيل التي توزعت في أكثر من مكان من اللوحة؛ لتمنحها جمالا روحيًا، وهذه القيمة الجمالية العالية التي أكّدتها هذه اللوحة، تؤشّر ملاحظة لافتة للنظر حيث تعمّد الفنان محمود إبعاد الآخر المُعادي والسلبي مهما كان نوعه كائنًا حيّا أم من غير الاحياء ، فلا رقيب ولا ضجيج ولا حركة يمكنها أن تقوّض هذه السكينة الطاغية على مشهدية اللوحة.
تؤدي الألوان وظائف متعددة في اشتغال اللوحة التشكيلية منها تظهير الأشكال ، ولهذا كانت فكرة أنّ اللوحة كلّها لون فكرة صحيحة تمامًا ، كما تلعب الألوان دورها في بثّ قيــمٍ يشتغل الفنان باتجاه تكثيف حضورها ، من هنا كان اختيار الفنان محمود للون الازرق الذي يحيل دلاليًا الى القيم الروحية العالية مثل السكينة والسلام والهدوء، فكانت لمساته تفرض وجودها في أكثر من مكان ، وتخصيصًا الجامع والجسر وبعض أجزاء البيوت والعشّ ، فمن المتعارف عليه في الواقع العياني أنّ الأشجار كلما ابتعدت في موقعتها عن الرائي، تحوّل لونها الأخضر الى أخضر غامق جدًا يقترب من السواد ، لكنّ الفنان محمود أضاف الى خضرتها – رغم وقوعها بعيدًا عن مقدمة اللوحة أي في البُعد الثالث – لمسات من اللون الأزرق؛ لتؤدي هذه اللمسات أكثر من وظيفة:
1) تحقيق التوازن بين اللونين: الاخضر لون الطبيعة والحياة والتجدد والاستمرار ، والازرق: لون الهدوء والسكينة.
2) تخفيف حدة تمظهر هذه الأشجار الذي يتسم بكونه عموديًا وصُلبًا وملمسًا خشنًا، وعشوائية في توزيع أغصانها ، ولكن إضافة لمسات من اللون الأزرق منحها اتساقًا مع سكينة المشهد.
3) تظهير جماليات هذه الأجزاء من اللوحة.
إذًا هو الخيال الخلّاق الذي كان دافعه اشباع حاجة تلحُّ على روح الفنان، وهو يحاول الامساك بصورة بغداد السلام التي بدأت تضيع سواء على مستوى واقعها هي، أم على مستوى ما تختزنه ذاكرته عنها ، فكان لا بُدَّ له من الهروب الى الخيال لرسم الصورة – الحلم لبغداد، فمنح فتاته حرية لا حدود تحجزها تجلّت في نوم هادىء على السطح أولا ، وحجمًا أكبر من حجم البيت نفسه ، ومدينة تستلقي بهدوء شديد تحت شمس نهارية ساطعة ، واللقالق تستشعر الأمان والسلام فتعود الى أعشاشها لتنعم بجمالية الاستقرار.
وهذا كله ترجمة لموقف الفنان محمود من واقع بغداد التي { كانت } و{ لم تعُد } دار السلام ، فاتجه الى الحلم بوصفه تخيلا يأخذ من الواقع ويتخطاه؛ ليشكّل واقعًا مغايرًا تمامًا لواقعها ، بل ليعيد تشكيل واقعها كما يرغب وليس كما هو ذلك الواقع ، وبذلك حقق الفن التشكيلي واحدة من وظائفه، التي تتجسد في محاولته اعادة التوازن النفسي للفنان بعد أن اختلّ بسبب ما يحمله من مشاعر وانفعالات ومكبوتات تؤرّقه حيال حبه لبغداد، بعد أن فقدت صورتها الجميلة التي رافقته دائمًا ، ولهذا اختار اللقالق وعودتها اختيارًا رمزيًا يشي بدافعه وحاجته العميقة، بل بأمله في أن تعود {بغداد السلام} كما تعود اللقالق من هجرتها ، ويبدو لي أنَّ هذه اللوحة واللوحات الأُخريات التي رسمها ضمن هذه المرحلة وطرحت الدلالات ذاتها، تمثّل مصارحة للمتلقي تكشف عن رغبته في أن يعود هو أيضً من اغترابه وهجراته المتكررة الى حضن بغداد الأمن والسلام.