زغرودة الوجع– بين انكسار الذّات وانبعاثها-امحمد علي بن منصورة

قراءة نقدية في قصيدة “زغرودة وجع” للشّاعرة روضة بوسليمي
تندرج تجربة الشّاعرة روضة بوسليمي ضمن الكتابة الوجدانية الحديثة التي تمزج بين الاعتراف الذّاتي والتّأمّل الإنساني، فتتّخذ القصيدة لديها هيئة فضاء باطنيّ تتجاور فيه الحساسية الأنثوية مع النّزعة الصّوفية والإيحاء الرّمزي. وتكشف قصيدتها “زغرودة وجع” عن هذا المنحى بوضوح، إذ تتأسّس على مفارقة دلالية عميقة تجمع بين “الزّغرودة” كعلامة فرح جماعي، و”الوجع” كانكسار داخلي وندبة وجودية. ومنذ العنوان، تضعنا الشّاعرة أمام شعريّة التّضادّ، حيث يتحوّل الفرح إلى قناع للحزن، وتصبح الزّغرودة صوتا مبحوحا يخرج من رحم القهر لا من لحظة الابتهاج.
تقوم البنية العامّة للنّصّ على حركة نفسية متدرّجة تبدأ بالاعتراف الجماعي بالمحنة: “كلّنا ولدنا ليلا / جميعنا نمضي غرباء”، ثمّ تنفتح على البوح الفردي الذي تتكثّف فيه معاناة الذّات الشّاعرة. فاللّيل هنا ليس زمنا طبيعيا بقدر ما هو رمز وجودي يحيل إلى العتمة الأولى التي وُلد فيها الإنسان محكوما بالغربة والفقد. وبذلك تستهلّ الشّاعرة نصّها بمنظور كونيّ يجعل التّجربة الشّخصية جزءا من مأساة إنسانية عامة.
تتّخذ القصيدة شكل المونولوغ الدّاخلي، حين تتكلّم الذّات بضمير المتكلّم المتكرّر: “أنا لا ابتسامة لي”، “أنا التي ضربت مدينتي زلازل الوحشة”، “أنا التي جاء في أقدارها…”. وهذا لا يؤدّي وظيفة بلاغية أو تركيبية فحسب، بل يرسّخ مركزية الذّات الجريحة ويمنح النّصّ إيقاعا اعترافيا متدفّقا. غير أنّ هذه الذّات لا تستسلم لانغلاقها، بل تنفتح على مخاطبات متعدّدة: البحر والصّبر والله واللّيل، والذّكريات… وهذا يخلق شبكة حوارية داخلية تجعل القصيدة نابضة بالحركة رغم هيمنة الحزن.
أمّا المعجم الشّعري فيقوم على حقلين دلاليين متقابلين: حقل الألم والانكسار من جهة، وحقل الرّجاء والانبعاث من جهة أخرى. ففي الحقل الأول نجد ألفاظا مثل: “الذّبول” و”الجرح”، و”الدّمع”، و”الوحشة” و”السّنين العجاف”، و”الغربة”، وهي مفردات تمنح النّص كثافة شعورية عالية. وفي المقابل، يبرز معجم النّور والبعث عبر كلمات: “الشّمس”، و”الأقمار”، و”النّجمة”، و”سنابله”، و”الأماني”، بما يوحي بأن الذّات الشّاعرة، رغم انكسارها، ما تزال تؤمن بإمكانية الخلاص.
ويلاحظ أيضا أنّ الشّاعرة تستثمر الرّمز الطبيعي بكثافة لتمثيل حالاتها النٌفسية. فالبحر يصبح مرآة للجرح: “سلي البحر / ينبئك بما يفعله الملح بالجرح”، والملح هنا صورة مزدوجة الدّلالة، إذ هو مادّة تحفظ الحياة لكنّه في الآن نفسه يزيد الألم اشتعالا. كما أن “المدائن البعيدة” ليست مجرد أمكنة جغرافية، بل استعارة لعلاقات روحية تعوّض خراب الدّاخل. أمّا رسم الأحبّة على سقف البيت، فهو فعل تخييلي مقاوم للغياب، يشي بحاجة الذّات إلى إعادة بناء عالمها عبر المخيّلة.
على المستوى الإيقاعي، تنتمي القصيدة إلى شعر التّفعيلة الحرّة أو ما يقترب من قصيدة النّثر ذات النّفس الإيقاعي. فهي لا تقوم على وزن خليلي منتظم، لكنّها تعتمد إيقاعا داخليا متولّدا من التّكرار والتّنغيم والتّوازي التّركيبي. ويتجلّى ذلك خاصّة في تكرار عبارة “أنا التي”، وفي توالي الأفعال الإنشائية: “سلي البحر”، “سلي الصّبر”، “سلي الله”، بما يخلق نسقا صوتيا متناميا أشبه بالتّراتيل. كما تؤدي علامات الحذف والتّعجب دورا إيقاعيا ونفسيا، إذ تعكس التّردّد والانفعال والانكسار الوجداني.
إنّ من أبرز مظاهر الجمال في النص تلك القدرة على تحويل التجربة الشخصية إلى مشهد كونيّ ذي بعد إنساني. فالشاعرة لا تكتفي بسرد الحزن، بل تصوغه في صور شعرية شفافة ذات طاقة إيحائية عالية، مثل قولها: “فتولد قصيدة / جديرة بأن تعلّق على غصن نجمة”. ففي هذه الصورة يتجاوز الشعر وظيفته التعبيرية ليصبح كائنا مضيئا معلقا بين الأرض والسماء، بين الألم والأمل.
وكما تتجلى فرادة النص في مزجه بين اللغة الصوفية والوجدان الأنثوي. فالتعبيرات من قبيل: “ابتهلت طويلا لرب المستضعفين” و”خشوعا مقدسا في محاريب الأماني” تمنح القصيدة بُعدا روحيا واضحا، حيث يتحول الألم إلى شكل من أشكال التطهر الداخلي. وتلك سمة بارزة في كثير من الكتابات النسوية الحديثة التي تجعل البوح معراجا نفسيا لا مجرد شكوى.
غير أنّ النص، رغم ثرائه التصويري والعاطفي، يكاد أحيانا يقترب من الاسترسال الوجداني على حساب التكثيف الشعري، خاصة في بعض المقاطع التي تطغى فيها المباشرة التعبيرية. إلا أنّ هذا الامتداد نفسه يخدم في مواضع كثيرة طبيعة التجربة الاعترافية التي تقوم على التدفق النفسي الحر. بما يراكم البعد الروحي الصوفي بامتياز.
تكشف قصيدة “زغرودة وجع” عن صوت شعري يكتب من منطقة حساسة بين الانكسار والأمل، ويحوّل الجرح إلى طاقة تخييلية وروحية. لقد استطاعت روضة بوسليمي أن تشيّد نصا مشبعا بالرمز والبوح، تتجاور فيه هشاشة الأنثى مع قوة اللغة، ليغدو الشعر لديها محاولة دائمة لتضميد الوجود بالكلمات.





