مقالات نقدية

“رائحة البئر” تشكيلات سردية لشخصيات هزمتها الحياة والحرب – سلوى عباس

كما كثير من الأدباء كان البوح الأول للكاتبة سوسن الحجة عبر الشعر، ففي رصيدها ثلاث مجموعات شعرية هي: “عشبة الأزرق، هذيان الفضة، امرأة تسرق الآلهة” الصادرة عام 2023 عن الهيئة العامة السورية للكتاب، لكن على ما يبدو أن الحكاية أغوتها أكثر فاتجهت إلى القصة القصيرة متأثرة ربما بألف ليلة وليلة القائمة على الحكاية، فكانت مجموعتها القصصية “السقوط إلى أعلى”، ثم كانت روايتها الأولى “رائحة البئر”، الصادرة عن دار دلمون الجديدة عام 2023، وفيها تنساب المفردات على صفحة روحها ترسم بحروفها حالات إنسانية بكل قلقها وارتياحها، حزنها وفرحها، أحلامها وانطلاقتها، فكان الورق رفيقها تبوح له ما يختلج في داخلها من مشاعر وأفكار.

تمثل الرواية إحدى مدونات الحرب من خلال غوصها في النسيج الاجتماعي وتداعيات الحرب عليه، فجاءت مرآة لهموم حياتية ونفسية تتقارب مع القارئ بصدقيتها، حيث أن الذاكرة كفعل محرّض على الاسترجاع والاستحضار تبدو الركن الأهم الذي تتكئ عليه التشكيلات السردية، ويقصد منها إشعال الذاكرة أيضا كي تخزّن الأشياء الحميمية والغالية والتي نخاف أن يهمشها النسيان، وضمن هذا المنطق تبني أحداثها وتراكماتها على قصص مستمدة من ذاكرة وتاريخ شخصيات الرواية التي أحكمت العناية بتحولاتها الزمنية ومتغيرها النفسي والدرامي، وانطلاقاً من العنوان المثير “رائحة البئر” الذي يجذب القارئ لمعرفة ماهيته تؤكد الكاتبة أن ما مر على السوريين شيء يفوق الخيال، ومهمة وواجب السوري أن يقاوم وأن يصمد وينتصر وقد انتصر، لأن هذه البلاد لا يليق بها إلا الموسيقى والحضارة والتمدن.

في روايتها التي نحن بصدد الحديث عنها “رائحة البئر” ترصد الكاتبة سوسن الحجة الأحداث المفجعة والتفجيرات التي حصلت في مدينتها “جبلة” تلك المدينة الوادعة الحالمة بالحب والسلام، وتسبر أغوار نفوس الناس والتغيرات التي طرأت عليها، وهنا يتوضح لنا اختيارها لعنوان “رائحة البئر” الذي ترمز به إلى آبار نفوسنا وما يصدر عنها من تصرفات وآراء للأسف كان أغلبها مفاجئاً برائحته العفنة التي مثلت جزءاً من الحرب سواء عبر السلاح أم عبر الحرب النفسية  والاقتصادية والجشع واستغلال ظروف الحرب لاستغلال الناس، وربما الذين استشهدوا في هذه الحرب ظلت رائحة آبارهم غامضة غير مدركة، لذلك وجدت الكاتبة نفسها أمام مسؤولية وضرورة أن تكتب عنهم، لأن هؤلاء البسطاء الذين استشهدوا بطريقة خاصة ومؤلمة جداً هم الأبطال في الظل، ولم يكن هناك أي إضاءة عليهم، وشعرت أديبتنا بضرورة الكتابة عنهم حتى لا ينساهم أحد يوماً ما، ونبقى جميعنا نتذكرهم.

تأخذنا الرواية إلى عالم الواقعية السحرية حيث الواقع يتاخم الخيال في أكثر من حادثة في الرواية وقد عبّرت الكاتبة عن هواجس وأفكار ربما عاشتها هي وربما عاشتها شخصيات أخرى عايشتها الكاتبة وكانت على تماس مباشر معها، فدوّنتها في نسيج حكائي سلس وممتع بلغة بسيطة واضحة قدّمت من خلالها خلاصة تجارب تشبه كثيراً ما نعيشه من تفاصيل، وتؤكد أن ما يكتب من أدب ما هو إلا تعبير عن أفكار ورؤى تخالج أرواحنا لكننا لا نعيرها اهتماماً أو لا نستطيع الإفصاح عنها.

استمدت الكاتبة أحداث روايتها وأفكارها من واقعها وبيئتها التي تعيش فيها، بوجدانية وروحانية قدّمت فيها عبر ذاكرتها الحية وخيالها النشط حالات إنسانية تنشد الحياة بكل خياراتها وانفعالاتها، حيث تكشف لنا بعض الأحداث عن شخصيات تفكر بقضايا إنسانية بالغة الأهمية في حياتنا باعتبار البشر كائنات تحب التواصل، بينما نعيش في عالم أخذنا في زحمته وجرجرنا في متاهاته وانشغل كل واحد بحياته الخاصة بعيداً عن الناس والمجتمع مما رسخ سلبية العلاقات الإنسانية.

اتخذت الأديبة سوسن الحجة أسلوباً مختلفاً في تناول موضوعاتها، فنلحظ التمايز في رؤيتها للفن الحكائي، مما يوحي بالهاجس الذي تدور في فلكه أحداث الرواية، وقد أتت شخصياتها كلها نابضة بالحياة تعبّر عن هواجسها وأحلامها بصدق وعفوية، والمتأمل في أسلوب الرواية، يتحسس فيه البساطة والإيحاء والتكثيف والتركيز والوصف والقدرة على تسلسل الأحداث وترابطها، مشتغلة على التوازي بشكل كلي راسمة الفجوة الهائلة لتسليط الضوء على المفارقات التي تعيشها شخصياتها، كما أن حضور صوت الكاتبة الذي يروي تجارب أشخاص مختلفين بنوازعهم وأفكارهم وما تقع حواسها عليه، مع مخاطبتها الصورة التخيلية لذاتها في لغة تجسد أزمتها في زمن نفسي يمتد للكشف عن الدوافع التي حركت شخوصها وأحاسيسها لتقمص الأدوار على التوالي، جعل رواية “رائحة البئر” تتسم بالواقعية الوصفية التي تنقل الواقع راسمة الخط الواصل بين الظاهر والأعماق.

إن الكاتبة في مزاوجتها بين الواقع والخيال في معالجة موضوعات روايتها تلتقط صوراً من الواقع الذي نعيشه ونعايشه في ثقافتنا ومجتمعنا، لتضعها بين يدي القارئ بغية تأملها وتحديد موقفه منها، فنبدو ونحن نتصفح أحداث الرواية كأننا نشاهد فيلماً قصيراً، أو نتأمل لوحة تشكيلية في غاية الإبداع، فأديبتنا استطاعت إيصال الرسالة للمتلقي من خلال حكاية تعتمد على التكثيف والفنية وجمالية اللغة وبلاغتها، وقد كانت دقيقة في استخدام تقنيات السرد إذ تحتفي بالحكاية وبسردها بشكل متواز من البداية إلى النهاية.

لا نرى في الرواية انحياز من الكاتبة لشخصية محددة من شخصياتها بل يمكننا أن نقول أنها تتقاسم معهم الحياة بكل تفاصيلها، لذلك الروائي يرى ذاته في شخوص هو اخترعها ويسكبها في أي عمل إبداعي ويعطيها الذي لا يستطيع أن يعطيه لنفسه، ويعيّشيها الذي لا يستطيع أن يعيشه.

تؤكد الكاتبة عبر صفحات روايتها أننا شعب نحبّ الحياة رغم كلّ البشاعة التي نعيشها، وسنبقى نساند بعضنا حتى نتجاوز هذه المحنة ونبدأ حياة جديدة مزهرة بالأمل، فبعد هذه الكوارث المتتالية على مدى سنوات من الخراب، سورية بحاجة للحبّ لأن الحبّ وحده يليق بها وهو الذي يوحّد الجميع، ومن هنا يقع على عاتق الرواية كل هذا الشيء، لأن مجالها أوسع ومداها أكبر وتفاصيلها أكثر، وتستطيع أن تؤرخ لمرحلة أطول، فالقارئ عندما يقرأ الرواية يتمكن من الإحاطة بالأحداث ويقرأ تاريخ مخالف لما يكتبه المؤرخون، بحكم ما تتضمنه الرواية من أحاسيس وبشر، ومكان وزمان وكل شيء.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading