رؤى البازركان واختزال التكوين – د. وجدان الخشاب / العراق


إحدى لوحات مجموعة {المرأة الحالمة} للفنانة رؤى البازركان
رحلتها في الحياة مُلوَّنة، ورحلتها في التشكيل حافلة ومُلوَّنة أكثر، ما بين الإعلام المرئي والمسموع والمقروء تعيش الفنانة العراقية رؤى البازركان، وفي جمال التشكيل تسكب رؤاها ليعيش الجمال في ذاكراتنا بعد أن تلتقي أبصارنا بلوحاتها.
بعد أن شاهدتُ الكثير من لوحاتها كان اختياري للوحتها هذه، وهي واحدة من مجموعة حملت عنوان {المرأة الحالمة}، أنجزتها الفنانة على خامة الجنفاص، وألوان الاكريليك سنة2012.
تعتمد الفنانة رؤى في كثير من لوحاتها على اختزال الجسد الإنساني؛ لترسم رأس المرأة فقط، فتحوِّله من رأس الى رمز للجسد أولا، وللنساء ثانيًا، في محاولة منها للتخلص من التفاصيل، فالاختزال يغني ويكثّـف المشهد التشكيلي المعروض في اللوحة من جهة، ومن جهة ثانية يثير إشكالية التعددية، وقد تكون التعددية أحيانًا في غير صالح الفنان عندما يكرر لوحاته، لكنَّ الفنانة رؤى لها وجهة نظر في هذا حيث تشير الى أنَّ {الرأس هو مكمن الفكر والعقل}، وهذه معلومة أكيدة، كما هو بيت الابداع والانتاج والأحلام، منه تنطلق الأفكار، وفيه تخزّن كميات هائلة من المعلومات والانفعالات والمشاعر، يستدعيها الإنسان أحيانًا؛ ليركن اليها في مواجهة واقعه العياني، والعودة الى الموضوع ذاته ورسمه يشير الى أنَّ الاكتفاء لم يتحقق، والفنانة رؤى لم تحقق هذا الاكتفاء بعد؛ ولهذا تعود الى رسم رأس المرأة مع التنويع علّها تجد فيه ما لم تعد تجده في الواقع العياني.
في محاولتي لقراءة هذه اللوحة سأبدأ من تكوينها الذي اعتمد على موضعة في جزء من رأس امرأة يشتمل على الأشكال التالية:
- الشعر.
- الوجه، وفيه: حاجب واحد، جفن واحد، فم.
- الرقبة.
- أرضية اللوحة.
يشير خبراء التجميل الى الشعر بوصفه تاج المرأة، كما يشير خبراء الصحة الى أنَّ الشعر يؤشِّر علامات صحية للشخص، لكنَّ الفنانة رؤى _ بتصوري_ حاولت تظهيره ليكون تعبيرًا عما يكمن في هذا الرأس من أفكار، فهو مرتبط به بشكل صميمي، لكنَّ الرأس مقفل بجمجمة متينة، فليكن الشعر إذًا مساحة للتعبير عن هذ المكنون، وهذا ما سأُحاول قراءته، حيث يكشف التأمّل في شعر هذه المرأة عن اتخاذه اتجاهات متعددة، تبدأ من مفرقه لكنَّ الفنانة رؤى تعمّدت تظهير الجانب الأيسر منه بحيث أخذ تموضعه ثلثي حجم اللوحة، وبدا وكأنه نهر منساب من رأسها بتموجات متعددة متوالية، ويبدو لي أنَّ هذا الانسياب هو ردّ الفعل الذي أرادت الفنانة رؤى تظهيره؛ لتكشف من خلاله عما يدور في هذا الرأس من أفكار، ففيه من الأفكار ما هو جميل يشعُّ حياةً ونموًا وتجددًا، بدلالة اللون الأخضر الذي اتخذ موقعته في الزاوية اليسرى العليا من اللوحة، وهو أخضر متدرِّج ومتداخل مع لمسات من اللون الأبيض – دلالة النقاء والانطلاق والاشعاع – والبرتقالي المصفر، ورغم أنَّ اللون البرتقالي يحيل دلاليًا الى الطاقة والحماس والخريف، والأصفر يشير دلاليًا الى الشحوب والمرض إلاّ إنَّه في الوقت ذاته لون الشمس والضوء، لكنَّ هذه الدلالات تنحرف وتتغير حسب تمظهر درجة اللون في اللوحة، حيث تؤشِّر اللمسات المتكررة للبرتقالي المصفر والمحمر الى حيوية وحركية في هذه المساحة من اللوحة، كما تؤشِّر حيوية الأفكار التي حاولت الفنانة تظهيرها على الشعر بوصفه مساحة للتعبير.
أشرتُ الى أنَّ الفنانة رؤى اتخذت من الشعر مساحة تعبيرية؛ ولهذا سأُشير الى اللون البُنيّ الذي بدا لي بديلا عن اللون الأسود الذي تتخذه الظلال في الواقع العياني، لأنَّ الفنانة لا تحب اللون الأسود لما فيه من دلالات الحزن، ولهذا استبدلته باللون البُنيّ الذي يحيل الى دلالات الصمود والمتانة والفردية.
إنَّ النظرة المتفحصة في مظهرية الشَعر في هذه اللوحة تكشف عن انسيابية حركية واشراق لوني في الجزء القريب من الزاوية اليسرى منه، ويكاد يتماهى مع تلك الزاوية دلاليًا ولونيًا، مما يؤشِّر رغبة الفنانة رؤى في الانطلاق والسعادة والتجدد، ولكنها رغبة غير حرّة بل يقيدها اللون البُنيّ المتدرِّج بوجوده الثقيل، إذًا رغبة الانطلاق والاشراق لا تكتمل لوجود الكثير الألم.
تعارفت الذاكرة التشكيلية للفنانين على رسم وجه المرأة من خلال محددات أهمها:
أن تكون الجبهة أصغر مساحة من مساحة جبهة الرجل، وأن يُرسم الذقن والفك باستعمال منحنيات رقيقة وحواف مدوّرة، والابتعاد عن رسم الزوايا والخطوط المستقيمة الحادة، مع ملاحظة أنَّ هذه المحددات ليست دائمة الاستعمال، فقد تتغير واحدة منها أو أكثر حسب فكرة الفنان، وحسب المدرسة أو التيار الذي يعتمده لكنَّ الفنانة رؤى اعتمدت بشكل كامل على هذه المحددات من حيث صغر مساحة الجبهة، والمنحنيات والحواف المدوَّرة الرقيقة للوجه والذقن، ولهذا لم تعتمد على الخطوط الخارجية الثقيلة لنقاط التقاء منابت الشعر مع الرأس بل اعتمدت على لمسات لونية من البرتقالي والقهوائي بشكل متدرّج ومتداخل، فأضفت بذلك مسحة من الرقّة على الوجه.
تُشكِّل حواسنا وسيلة من وسائل الاتصال مع العالم الخارجي، وكل منها له وظيفته الخاصة به، لكنَّ غالبية وجوه النساء في لوحات الفنانة رؤى لا تملك انوفًا ولا آذانًا، بل اكتفت الفنانة هنا برسم خط رقيق منحنٍ للحاجب الوحيد، يقابله خط منحنٍ آخر أقصر طولا وأنحف شكلا للعين، واختفت الانحناءات التي تُشكِّل جزءاً من تقاطيع وجه أي امرأة، بل تحوّل الى مساحة باردة رغم لمسات الظلال الخفيفة جدًا التي حاولت الفنانة نشرها عليه، أمّا الفم فهو صغير، كامل، مُلوَّن بالأحمر الحار، وشفتاه منطبقتان بشكل كامل، ويستند على جيد طويل قياسًا الى طول الجيد في الواقع العياني.
إذًا شخصية اللوحة لا تريد أن تسمع بدليل أنَّ شعرها يغطي الأذن بل يلغيها، ولا تريد أن ترى بدليل انطباق العين الوحيدة، ولا تشمّ بدليل اختفاء الأنف، ولا تريد الكلام بدليل انطباق الشفتين، وبهذا تكون الفنانة قد اشتغلت باتجاه تعطيل الحواس والتي تعمل بوصفها أدوات تواصل مع البيئة أو الواقع العياني، ولا بُدَّ للمتلقي من أن يسأل: لماذا هذه القطيعة؟
أشارت الفنانة رؤى في أكثر من حديث صحفي الى أنَّ المرأة في لوحاتها {تغمض عينيها لعدم استطاعتها النظر الى الوجوه القاسية بسبب الحروب}، فالواقع العياني مؤلم، والحياة أصبحت صعبة جدًا، فلا أمان ولا عدالة ولا حقوق، بل هي جمرة تحرق كل ما هو جميل، فماذا تفعل فنانة رقيقة مثل رؤى في هذه الحالة؟
على مستوى الواقع العياني تواجهه وتكشف عن سلبياته سواء بما تكتبه من مقالات تنشرها في الصحف، أو ما تقدِّمه من برامج تلفزيونية، أما على مستوى التشكيل فإنَّها تهرب منه هروبًا جماليًا، فتختار المرأة – عنوان الجمال – موضوعًا ورمزًا في الوقت ذاته، فالمرأة ستظل في الذاكرة الجمعية رمزًا للوطن والأرض والحياة والانتماء، وهذه واقعة جمالية، وامرأة اللوحة هي في الوقت ذاته الفنانة رؤى، والمرأة العراقية التي تحاول الانسحاب من هذا الواقع الى واقع أجمل وأنقى هو الحلم، حلم يعيش في الذاكرة باحثًا عن أفقٍ مفتوح من خلال التأمّل والأمل، فالانسحاب هنا انسحاب ايجابي لصالح الجمال أولا، ولصالح الحلم بحياة حرّة كريمة، بعيدة عن العنف والقهر، قريبة من التفاؤل والأمل.





