ذات مساء – ابراهيم الديب

احد نصوص كتابي”على مرمى البصر “
حوالي الساعة الثانية صباحا وثاني يوم لوصولنا للمدينة وأثناء غلقي لباب غرفتي بالفندق متجه للحرم لصلاة الفجر، كان يخرج في نفس اللحظة من غرفته المقابلة علاء المحامي : يعرج مستندا على الحائط فاستوضحته عن السبب وكأنه يتنظر سؤالي فقال وهو يشير عليهما، لعل تورم قدمي لجلوسي فترة طويلة في الأتوبيس ،منذ انطلاقه من ميناء العقبة للمدينة لمسافة تزيد عن ألف وخمسمائة كليو متر فقلت : والى أين ذاهب وأنت في هذه الحالة؟ قال: لا أعرف بعد مغادرة زملاء غرفتي للحرم فنزلت به على الفور ،وكنا بداخل أول تاكسي طالبا من سائقه الذهاب بنا لمستشفى: فلم يتأخر بالرد أننا :في وقت السحور وأن فرصة وجود أطباء الآن غير مضمونة، وبعد فترة صمت لم تطل طلب منا؛ ركوب السيارة المرسيدس قائلاً: سنقوم بمحاولة وانطلق بنا وبعد دخولنا بعلاء الذي يتحامل على من ناحية و على السائق من جهة أخرى والذي أصر على مرافقتنا الدخول على مدير مستشفى تقع على أطراف المدينة : كان على وشك المغادرة مع مجموعة الأطباء لتناول وجبة السحور فقال له السائق بلغة ودودة: معلهش بعد اذنك معنا حالة تعاني أي دواء بسيط يخفف الم الرجل فكر المدير لحظة قبل أن يقول: ورائي ونادي على طبيب بعينه.
ودخل لمكتبه الوثير وطلب منه الكشف على قدمي علاء وأخذنا بالاعتذار عن حضورنا في وقت متأخر بينما الطبيب ينصت لشكوى علاء ،ولكن المدير أخبرنا أنه لا داعي للأسف فهذا واجبه ،وسرعان ما دار بيننا حديث هو من بدأه ليتشعب ويتخذ مسارات عدة اغلبه يدور عن مصر وكتابها ومسلسلاتها وناسها وافلامها ،وعن رأيهم في عملية تدمير برجي التجارة العالمي الذي لم يمر عليه من ثلاثة أشهر وطال النقاش أسامة بن لادن فقلت: رأي الناس فيه بأن الرجل من صنع أمريكا التي غررت به وقامت بتوظيفه إنجاز مهمة محددة ، تنحصر في جهاده ضد الاتحاد السوفيتي الملحد لنصرة دينه ،واعطوه بندقيه، وبعد انتهاء المهمة اكتشف أسامة أنه لعب سياسة لصالح أمريكا باسم الدين؛ فلم يتأخر عن تحويل فوهة البندقية التي منحوها له غربا باتجاه الولايات المتحدة،وسبب آخر كامن بداخله قابعا في اعماقه وهو: عدم رغبته العودة لصفوف الجماهير لغرامه بمهنة الزعيم التي منحته و فرصة تزجية الفراغ و قتل الوقت .
تمنيت لو أن الوقت يسمح لإخبار مدير المستشفى النبيل: ما دار بين رجلا جزائريا و رجل من أهل المدينة بعد صلاة العصر، كان الجزائري يثني فيه على اهل المدينة لنصرتهم للرسول واستقبالهم له بحفاوة وايوائهم له وان لناس المدينة ؛ نصيب كبير من سعة الصدر، وسماحة النفس ولين الطبع ، ولكن الطبيب انتهى من حقن علاء بامبول وناوله شريط كبسول واخبره بتوقيت تناوله ، مع اقتراب اعلان المؤذن نداء الفجر كان انصرافنا من المستشفى مع وعد مني للمدير بزيارته المدير غداً بصفتي صديق له على حد وصفه يرافقني علاء من أجل الاطمئنان على قدميه ؛ لنكمل بدأناه بالأمس من حديث لم يغلق بعد ،ولكني أتمكن من الوفاء بوعدي لكون فوج العمرة واصل طريقه لمكة المكرمة بعصر اليوم .
بعد الوضوء من زمزم اخذت بالمسح على رأسي بينما جلبابي الواسع كبير المقاس في حالة فوضى لوصوله للأرض بأكثر من عشرين سنتمتر لمساعدة عمال بلدية مكة نظافتها اكمامه المثنية المكرمشة تظهر منه ذراعي نحيلتين وقبل دخولي في الصلاة سبق رجل باكستاني : مقطب الجبين ، عابس الوجه , تخفي لحيته الكثيفة التي تصل لمنتصف صدره أو أكثر قليلاً رقبته بالكامل ،يقبض على غضب في نفسه جلبابه ينتهي في منتصف المسافة ؛بين الركبة والكعب، وأمسك كرمشة كم جلبابي بعصبيه وقام باسدالها،وكأني صبي أبله ! فحاولت الفهم ؟ فقال :لابد من استرسال كل شيء في الإنسان أثناء وقوفه بين يدي الله فقلت :حتى الملابس فقال ليست الملابس فقط بل كل شئء في الكون وان كان كم جلباب: فدخلت في الصلاة على هذه الحالة وأنا على قناعة أن الباكستاني في الجانب الخطأ .
لم يكن حظي مع سلفي مصر بأفضل من الباكستاني الذي يشبهه شكلاً ومضموناً ، الذي يجلس بالقرب من مجموعة اشخاص أنا أحد أفرادها :لتناول طعام الافطار في الحرم المكي ،ويدور بيننا نقاش قبل وضع الطعام أمامنا ، فواصلنا حديثنا الذي تخلله مزاحا خفيفا أثناءه ، لا تذهب بوقار الرجال او خدش قدسية المكان ،بيننا هذا الشخص يصوب بصره باتجاهنا و نفسه شيء منا ،وظل على تحفزه لفترة ينتظر فرصة للانقضاض علينا ، بدا خلالها أنه تراجعه عدة مرات، ،قبل انفجاره فينا أثناء: وضعي تمرة بيساري في فمي قائلاً: كيف تتناول الطعام بشمالك فأقسمت له أنه سهو لا أكثر لوجود كوب المياه في يميني ، فقال وحديثكم باستخفاف في بيت أثناء الطعام فسأله أحدنا مستوضحا ببراءة وهل الحديث بيننا حرام في بيت الله .
ذكرت لمحمد الشهابي تناولي الوجبة الأساسية في مطعم صديقي الهندي ومن بعده مباشرةً القهوة على عربة المصري في شارع جانبي من طرق مكة فاصبح محمد بعدها يشاركني الطعام والقهوة ،أثناء تجولنا وقعت محمد على التمر العراقي الذي يبدأ ثمنه من عشرين ريالاً حتى يصل مئتين فاتفق معي أن نتذوق كل أنواعه على مدار الأيام ،فبدأنا بنصف كيلو من الأقل ثمنا لنصل آخر مرة للأعلى ثمنا كل يوم له مذاق مختلف لم يتبقى إلا التمر مرتفع السعر الذي توضع فوقه لافتة مكتوب عليها 200 ريال وأخذت أمني النفس بتذوقه ولكن محمد اشترى نصف من أبو150 ولما استوضحته ؟قال وابتسامة تعلو محياه يفهم منها أنني كنت ضحية أحد مقالبه: يعني هو ها يفرق ايه عن أبو 200 ريال يا عم ابراهيم ..





