مقالات نقدية

د. كاميليا عبدالفتاح – إشكاليةُ المرأة في شعر أمل دنقل… قراءة مُقارِبة

A woman in traditional attire stands beside a golden bust sculpture, with a lush green plant in the background.

تحتلُ المرأة مكانةً بارزةً في الطرح الفكري والإبداعيّ ، منذ أن توفر الفلاسفةُ القُدامى على البحث في ماهيتها ، كما أصبحت سؤالًا هامًا في الثقافة المعاصرة ؛ و القصيدة المعاصرة ، يعكس الوعي ، والرؤى الشعرية الثريّة ، وهي فتحٌ في الشعر الحديث : بنيته الشكلية ، و أعماقه الدلالية . كما يقول د. عبد الله الغذّامي : ” لا أظنّنا قد تبيَّنّا المعنى العميق لكون الفتح الشعري الحديث قد تمّ على يدِ امرأة ” 1 )
إن #ملامح المرأة وسمات شخصيتها في القصيدة العربية المعاصرة نتاجُ الامتزاج بين ثقافة الشاعر التراثية و ثقافته المعاصرة ؛ ولذلك لم تعد مجرد كيان جميلٍ يتلهف الشاعر إلى قربه ؛ فقد ” تحوَّل وجهُ الحياة الاجتماعية في العصر الحديث وتغيرت وضعيةُ المرأة في المجتمع ، وانتقلت من الهيئة الحُلمية الطيفية التي سكنتها طوال قرون في مخيّلة الرجل – وفي منظومة المجتمع ككل – إلى هيئة واقعية مجسّدة … ، ومن ثم زالت الهالة الغيبية الرومانسية التي أحاطت المرأة في القرون الماضية “2)
• نتوقَّفُ عند الطرح الشعري #لإشكالية المرأة في شعر ” #أمل دنقل ” ؛ لتميز هذا الطرح برؤية شعرية منفردة ، يلتحمُ فيها كيانُ المرأة المُستَلبة في الواقع المعاصر بكيان الوطن المأزوم المُشتّت – والهوية المُغيّبة– حدّ التّضافر والتماهي الذي يجعلُ هذه المرأةُ المُستلبةَ رمزًا لانتهاك الوطن ، وغياب شخصانيته التاريخية .
• وينفردُ ديوانُ ” #البكاء بين يديّ زرقاء اليمامة ” بتكثيف الطرح الشعري لهذه الإشكالية ، بدءًا من عنوانه الذي ارتكز على شخصية ” زرقاء اليمامة ” التي بدتْ قناعًا تاريخيا للشاعر ، ومعادلًا موضوعيا لنماذج المرأة المستلبة في هذا الديوان : المرأة الفِداء ، المرأة الشهيدة المقصيّة من مشاهد التكريم .
من أبرز صور نماذج #المرأة المُستلَبة في هذا الديوان : المرأةُ المناضلةُ حاملة الرؤى ، وقد رمز الشاعرُ إليها بزوجةُ الثائر ” #سبارتاكوس ” فهي زوجة هذا المناضل ؛ تكمل معه مسيرة الثورة ؛ وتحتملُ ثمنها الفادح ضياعًا ووحدةً .
يقول” دنقل” في قصيدته “كلمات سبارتاكوس الأخيرة ” :
” فقبلوا زوجاتِكم … إنى تركتً زوجتي بلا وداعْ
وإنْ رأيتُم طفليَ الذي تركتُه على ذراعِها بلا ذراعْ
فعلِّمُوهُ الانحناءْ
علِّمُوه الانحناءْ ” 3)
• ويطرحُ ” أمل دنقل ” شخصية ” #زرقاء اليمامة ” رمزًاٍ تاريخيًّا ثريّ الدلالة لكلِّ راءٍ مكذوبٍ في قومِه ؛ مُسقطًا أزمتها على هزيمة 1967م ؛ فيخاطبُها بقولِه :
أيتها العرافةُ المقدَّسة
ماذا تفيد الكلماتُ البائسة ؟
قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ
فاتَّهموا عينيك يا زرقاءُ بالبوارْ
قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجارْ
فاستضحكوا من وهمك الثرثارْ
وحين فوجئوا بحدِّ السَّيفِ قايضُوا بنا
والتمسوا النجاةَ والفرارْ 4 )
#المرأةُ المُنتهكةُ في أزمنةِ الحروب وهزيمةِ الوطن نموذجٌ آخر للمرأة المُستلبة في شعر أمل دنقل ؛ فهي من يدفع فاتورة الحرب ؛ حيثُ تفقدُ أمنها واستقرارها ، وسُبلَ الحياة الكريمة . يرمزُ الشاعرُ لهذا النموذج بطفلةٍ صغيرةٍ يموت أبوها الجندي عطشًا في الحرب ، ممسكًا بصورتها في جيبه الصغير ، يقولُ الشاعر :
” تقفزُ حولي طفلةٌ واسعةُ العينين …عذبةُ المُشَاكَسةْ
– كان يقصُّ عنكِ يا صغيرتي … ونحنُ في الخنادقْ
فنفتحُ الأزرارَ في سُتراتِنا … ونسدّدُ البنادقْ
وحين ماتَ عطشاً في الصحراء المشمسة
رطَّب باسمك الشفاهَ اليابسة
وارتخت العينان ” 5)
• #المرأةُ الأسيرةُ المُنتهكةُ في الحروب نموذج آخر للمُستلبَات من النساء يُطرحه ُ أمل دنقل ؛ رامزاً به إلى إلى ضياع الوطن ، وامتهانِ كرامته . يقولُ :
“لم يبقَ إلا الموت …
والحطام…
وصبيةٌ مُشرَّدون يعبرونَ آخر النَّهارْ
وفي ثيابِ العار
مطأطئاتِ الرأسِ000لا يملكنَ إلا الصرخاتِ
التَّاعسةْ ” 6)
ويصوّرُ نموذج #المرأةِ الضَّائعة أخلاقيًّا ؛ نتيجةٍ لضعف الوطن ، فيرمزُ بالفتاةِ المُستهترةِ في المراقصِ للوطنِ المُنتهك . يقولُ في “يوميات كهل صغير السن ” :
وفي المساءِ ، في ضجيجِ الرقصِ والتعانقْ
تنزلقينَ من ذراعٍ لذراعْ
تنتقلينَ في العيونِ ، في الدخانِ العصبىِّ ، في سخونةِ الايقاعْ
وفجأةً ينسكبٌ الشراب في تحطُّم الدوارقْ
يبلُّ ثوبكِ الفراشيِّ 00من الأكمامِ حتى الخاصرةْ7 )
يطرحُ الذلالةَ – ذاتها – من خلال صورة رمزية جديدة نحتها بمهارة في شعره ، هي ” صاحبةُ الجواربِ المُرتخية ” التي كان ارتخاءُ جواربها رمزًا لارتخاء قيمها ؛ ومن ثم سقوطها الأخلاقي . يقول ” #أمل دنقل ” في قصيدة “#الحزن لايعرف القراءة “
” جواربُ السَّيدةِ المُرتَخِيةْ
ظلَّت تثيرُ السُّخريةْ
وهي تسيرُ في الطريقْ
وحين شدَّتها تمزقتْ
فانفجرَ الضَّحكُ ، ووارتْ وَجهَها مُسْتَخْذِيةْ
وهكذا أسقطَها الصائدُ في شباك سيارتِه المفتوحة 8 )
من نماذج المرأة المُستلبة في طرح أمل دنقل : ” #أرملةُ الشهيد ” التي تظلُّ رمزًا للدماء التي أُريقت من جسدِ الوطن ؛ كما تظلُّ رمزًا لفجيعة الهزيمة .
• يجسِّدُ دنقل هذه الدلالة الرمزية ؛ من خلالِ طرح يومياتِ الأرملة باعتبارِها يوميات الوطن في ماضيه الباسم وحاضره المعتم ؛ ويوظِّفُ تفاصيل الحياةِ اليومية لتصوير هذه الإشكالية : انكسار الكيانين المرأة والوطن . يقول دنقل :
” من شرفتي كنتُ أراها في صباحِ العطلةِ الهادئِ تنشرُ في شرفتها على خيوطِ النورِ والغناءِ
ثيابَ طفليها ، ثيابَ زوجِها الرسميّة الصفراء
قمصانَهُ المغسولة البيضاء
تنشرُ حولها نقاءَ قلبِها الهانئ
وهي تروحُ وتجئُ
والآنَ بعدَ أشهرِ الصيفِ الردئِ
رأيتُها 00ذابلةَ العينينِ والأعضاءْ
تنشرُ في شرفتِها على حبالِ الصمتِ والبكاء
ثيابَها السّوداء ” 9)
ويبلغُ الوعيُ الحاد بالعلاقة بين #هزيمة الوطن واستلاب المرأة حدِّ مزجِ أمل دنقل بينهما في كيان واحد مأزومٍ مُنتهكٍ ، وذلك في قصيدته ” حديث خاص مع #أبي موسى الأشعري ” حيثُ يسوق نبوءةً شعرية تعلنُ ضياعهما ، وانتهاءهما إلى مصيرٍ حزين ؛ . يقول أمل دنقل:
” وستهيطينَ على الجموعْ
وترفرفينَ فلا تراكِ عيونُهم خلف الدموعْ
تتوقفينَ على السيوفِ الواقفةْ
وسترحلينَ بلا رجوعْ
ويكونُ جوعْ
ويكونُ جُوعْ ” 10 )
المرأةُ المُستَلَبةُ في شعر ” أمل دنقل ” هي #الكينونةُ العربية التي أضاعتها الهزائمُ ، ، واستلبَ الأجنبيُ شخصانيتها . يطرحُ ” دنقل ” هذه الرؤية الشعرية من خلال التوظيف الرمزي لشخصية ” #خَوْلة ” – أخت سيف الدولة الحمداني ؛ فيستثمرُ أبعاد هذه الشخصية الثرية لتصوير ضعف الكيان العربي . يقولُ :
سألتُ عنها القادمينَ في القوافلْ
فأخبروني أنها ظلَّت بسيفِها تقاتلْ
في الليلِ تجارَ الرَّقيق عن خِبائِها
حين أغاروا ،ثم غادروا شقيقِها ذبيحا
والأبَ عاجزاً كسيحاً
واختطفوها ، بينما الجيرانُ يرنونَ من المنازل
يرتعدون جسداً ورُوحا
لايجرؤون أن يغيثوا سيفها الطَّريحا” 11)
#الحبيبة المفقودة نموذجٌ آخر للمرأةِ المُستلبةِ في الطرح الشعريّ لأمل دنقل رمزًا ؛ فهي امرأة استلب المجتمعُ – والواقعُ – أحلامها ، وأنوثتها وعذوبتها ،ونالت الظروفُ القاسية من طبيعتها الناعمة ؛ المرأة – في هذا النموذج – تجسيد قصة الحب المجهض ؛ فهي الكيانُ الذي فقد الحب وهي الحبُّ المفقود ” إن الشعر الذي يعبّر عن الحب لم يعد ينقل عاطفة مُفردة بسيطة ، وإنما ينقل غابةً متشابكة الغصون من العواطف و المشاعر ” 12) . يطرحُ الشاعرُ هذا النموذج في كثيرٍ من القصائد التي تعجزُ هذه الصفحات – المحددة – عن الاستدلال بها ، كما تعجزُ عن الاكتفاء بالإشارة إليها ؛ فهي جزءٌ أصيلٌ من ملامح الرؤية التي تنتظمُ التجربة الشعرية لأمل دنقل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ) د . عبد الله محمّد الغَّذاميّ : المرأةُ واللغة / المركز الثقافي العربيّ / الطبعة الثالثة 2006 م المقدمة / ص 9 ، 10 .
2 ) د. كاميليا عبد الفتاح : إشكاليات الوجود الإنساني : دراسة تحليلية نقدية . دار المطبوعات الجامعية . الإسكندرية . 2008 . ص 145
3 ) ديوان ” البكاء بين يدي زرقاء اليمامة ” / الأعمالُ الشعرية الكاملة. مكتبة مدبولي . القاهرة . الطبعة الثالثة . 1987م . ص 111، 112
4) الديوان / الأعمال الشعرية الكاملة . ص 125
5 ) الديوان / الأعمال الشعرية الكاملة . ص 122
6 ) ديوان البكاء بين يدي زرقاء اليمامة . الأعمال الشعرية الكاملة ، ص 125
7 ) الديوان / الأعمال الشعرية الكاملة / ص 135،136
8 ) الديوان / الأعمال الشعرية الكاملة / ص 162
9 ) الديوان / الأعمال الشعرية الكاملة / ص 151 ، 152
10 ) الديوان / الأعمالُ الشعرية الكاملة / ص 185
11 ) الديوان / الأعمالُ الشعرية الكاملة / ص 187 ، 188
12 ) د. إحسان عباس / اتجاهات الشعر العربي المعاصر / سلسلة ” عالم المعرفة ” / فبراير 1978م / ص 137

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading