مقالات فكرية

د. أحمد الحطاب – الإسلام الموروث وإسلام القرآن الكريم

22833 dc88dd5e4ad60d3946dd4386ee570324

كلنا نعرف أن الاغلبيةَ الساحقة من الناس يدِينون بدين معيَّن بالتوارث، أي بتقليد الآخرين، وبالأخص، بتقليد الأجداد والآباء والأمهات. والتَّقليد، في الأغلبية الساحقة من الحالات، يكون تقليداً محضاً، أي بدون توعية دينية، أو بالأحرى، بدون تعمُّقٍ في كُنه وماهِية الدين.

وهذا هو الشأن بالنسبة لجميع الأديان، سماويةً كانت أم وضعِيةً. والدين الإسلامي لا يُستثنى من هذا الوضع. بل الأغلبية الساحقة من المسلمين، هم مُسلِمون بالتوارث. ولهذا، كانت الأقوامُ الغابرةُ، أي المشركون أو عَبَدَة الأصنام والأوثان، تواجه الأنبياءَ والرسلَ بالتَّسبُّث بما ورثوه من دين عن آبائهم، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى :

1.”وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ” (البقرة، 170).

2.”بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ” (الزخرف، 22). في هذه الآية الكريمة، “أُمَّةٍ” تعني دينا.

صحيح أن الناسَ، ليكونوا مؤمنين بالأديان السماوية، ليسوا في حاجةٍ أن يكونوا مُتَفقِّهين في هذه الأديان. بل يكفيهم، أولا وقبل كل شيءٍ، أن يُؤمنوا بالله، أي بوجوده وبوحدانيتِه. والدليل على ذلك أن كلَّ مَن أراد أن يعتنقَ الإسلامَ كدين، ما عليه إلا أن ينطقَ بالشهادتين، شهادة أن “لا إلهَ إلا اللهُ، وشهادة أن “محمَّدا رسولُ اللهِ”.

والإسلام، كدينٍ، وصلنا عن طريق رسول الله (ص)، وبعد وفاته، عن طريق القرآن الكريم. واللهُ، سبحانه وتعالى، أمرنا أن نولِي لآيات القرآن الكريم اهتماماً بالغا بالتَّمعُّن في هذه الآيات وتدبُّرها، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى :

1.”كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ” (ص، 29). في هذه الآية، كلمةُ “كِتَابٌ” تعني القرآن الكريم. بينما “مُبَارَكٌ” تعني بأن القرآن فيه بركة للناس. والبركة هي الخير المتزايد. والخير هو كل ما يُرضي الناسَ ويُسعِدهم في حياتهم. وكلامُ اللهِ مُوجَّه لرسولِه محمد (ص)، طالباً منه أن ينشرَ هذا القرآنَ بين الناس ليتمعَّنوا (لِّيَدَّبَّرُوا) في آياتِه ويتدبَّرون معانيها. و”أُولُو الْأَلْبَابِ”، هم أصحاب العقول النَّيِّرة والميتنيرة.

2.”أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” (محمد، 24). في هذه الآية الكريمة، وكأن اللهَ، سبحانه وتعالى، يقول “كيف لهؤلاء الناس لا يُشغِّلون عقولَهم للتَّأمُّل في آيات القرآن لإدراك معانيها التي، من خلالها، ما أريد لهم إلا الخير.

ولو لم يُرِدِ الله، سبحانه وتعالى، الخيرَ لعباده، ما كان ليَبعثَ لهم الأنبياءَ والرُّسلَ، منذ نوح عليه السلام إلى آخرِ الرسل والأنبياء، محمد (ص)، لهدايتهم إلى سواء السبيل. غير أن الأقوامَ الغابرة، غالبا ما تتشبَّث ب”الدين الموروث” عن الآباء والأجداد والأمهات، بما فيه من سوء الأخلاق والسلوك والتَّصرُّف.

وهذا هو ما يحدث بالنسبة للأغلبية الساحقة من المسلمات والمسلمين الذين دِينُهُم دينٌ موروثٌ عن الأجداد والآباء والأمهات. والدين الموروث يعتمد على التقليد، أي لتكونَ مسلماً، “افعل ما تراني أقوله وأفعله”. والتقليدُ، إن لم يتخلَّله بعضٌ من التَّفكير والتَّفكُّر والتَّأمُّل، قد يقود صاحبَه إلى الانحراف عن الطريق السَّوي دون أن يشعرَ. ولهذا، إن كان الإسلام المتوارث هو السائد، في البلدان الإسلامية، فتدعيمُه بشءٍ من العقلانية والتَّدبُّر، أمرٌ محمودٌ ومرغوبٌ فيه.

والإسلام الموروث يختلف عن الإسلام الوارد في القرآن الكريم. الإسلام الواردُ في القرآن، إسلامٌ وسطٌ، سمحٌ ومعتدلٌ. بل فيه خيرٌ ويُسرٌ وتسامحٌ واعتدال ورأفة ورحمة… بينما الإسلام الموروث اختلط به التنميط les stéréotypes والأحكام المسبقة les préjugés، فأصبح إسلاما موازيا للإسلام الوارد في القرآن الكريم. إسلام موازيٌّ يعتمد على القهر والإكراهِ والتضييق والإجبار والعُسر… وهذا الإسلام الذي ساهم بعضُ علماء وفقهاء الدين في تنميطه وتعسيره، بعيدٌ كل البُعد عن الإسلام الوارد في القرآن الكريم.

مثلا، ما تعلَّمناه من الإسلام الموروث، هو أن المسيحيين (النصارى) واليهود كلهم كفار، بينما القرآن الكريم يقول العكسَ، مصداقا لقوله، سبحانه وتعالى : “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (البقرة، 62).

في هذه الآية، المسلمون (الَّذِينَ آمَنُوا) واليهود (وَالَّذِينَ هَادُوا) والمسيحيون (وَالنَّصَارَىٰ) وَالصَّابِئِينَ (الذين بدَّلوا دبنَهم بدين الإسلام)، يكفيهم الإيمان بالله واليوم الآخرِ والقيام بالأعمال الصالحة، لينالوا أجرَهم عند الله.

كما علمنا الإسلام الموروث أن المسلمين هم أحسنُ وخيرُ خلقِ الله، بمعنى أن المسلمين هم، على الإطلاق، خيرٌ من جميع البشر. وهذا شيءٌ غير صحيح. لماذا؟ لأن كثيرا من المسلمين لم يفهموا، بما فيه الكفاية، ما ورد في الآية رقم 110 من سورة آل عمران التي نصُّها : “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ”.

ما لم يفهَمه كثيرٌ من الناسُ المسلمين هو أن “خيرَ أمة” مشروطة ب”الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر” وب”الإيمان بالله”. ما أراد أن يفهمَه كثيرٌ من المسلمين، هو أن “خيرَ أمة”، شيءٌ مطلقٌ لا يتغير إلى يوم القيامة. والحقيقة أن كثيرا من المسلمين فصلوا، في نفس الآية، بين “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ” وبين “تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ”. وهذا الفصلُ هو الذي أدى إلى ابتداع تنميطٍ أو حكم مسبق يتداوله الناسُ بدون تفكير.

وما لم يفهمه كثيرٌ من المسلمين هو اعتقادُهم بأن الإسلامَ دينٌ خاصٌّ بأمة محمد (ص). بينما الدينُ دينٌ واحدٌ، لا ثاني له، منذ نوحٍ عليه السلام إلى آخِرِ الأنبياء والرُّسل، محمد (ص)، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى : “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ” (الشورى، 13).

في هذه الآية، كلامُ الله موجَّهٌ إلى رسوله (ص)، قائلاً له، بكل وضوح، أن الدين عند الله دينٌ واحدٌ. وهذا الدين هو الذي أوصى به رسلَه وأنبياءَه بَدأً من نوح، عليه السلام إلى آخِرِ الأنبياء والرسل، محمد (ص).

وما يُدعِّم هذا الاتجاه، هو، أولاً، أن كلمةَ “دين” وردت، في القرآن الكريم، بصيغة المفرد. ثانيا، عبارة “يا أيها الذين أسلموا” غير موجودة في القرآن الكريم. ما هو موجودٌ هي عبارة “يا أيها الذين آمنوا”. وهذا دليلٌ لا غبارَ عليه بأن اللهَ، سبحانه وتعالى، يخاطب المؤمنين الذين اتبعوا الأنبياءَ والرسلَ وآمنوا برسالاتِهم، منذ نوح، عليه السلام، إلى آخر الأنبياء والرّّسُل، محمد (ص).

أن يقولَ كثيرٌ من المسلمين إن الإسلامَ خاصٌّ بأمة محمد (ص)، فهذا غير صحيح وكذِبٌ على الله وعلى الناس. دينُ الله دينٌ واحدٌ أوصى به، سبحانه وتعالى، جميع أنبيائه ورُسُله، وهو الإسلام. وحتى لا يكونَ تناقضٌ في القرآن الكريم، فكلمةُ “دين” وردت في هذا الأخير بصيغة المفرد.

ما أختم به هذه المقالة، هو الفرقُ الشاسعُ بين الدين المتوارث والدين الوارد في القرآن. فكلما كان هذا الدينُ الوارد في القرآن الكريم يسيراً، رحيماً، متسامحاً، سمحاً، معتدلاً، عادلاً…، كلما كان الدين المتوارث عسيراً، قاهرا، متشدِّداً، ظالِماً، متطرِّفاً، جائراً… ولا داعيَ للقول أن علماءَ وفقهاءَ الدين لهم اليد الطويلة في هذا الشأن!

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading