دقّات السّاعة ✍️ محمّد الزّواري ـ تونس

هاهي السّاعة الحائطيّة تدقّ دقّاتها العنيدة الّتي ما فتئت تتكرّر كلّ ليلة.. إنّها السّاعة الثّانية عشرة ليلا.. أو منتصف اللّيل مثلما يحلو للبعض تسميتها.. كانت الحاجّة أمينة تصغي إلى تلك الدّقّات بكلّ انتباه و تعدّها عدّا.. و تجد برد الرّاحة في صدرها إذ تجدها اثنتي عشرة دقّة بالتّمام و الكمال.. لا تزيد دقّة و لا تنقص دقّة.. كم مرّة أشار عليها ابنها أمجد بأن تستغني عن تلك السّاعة الهرمة الّتي لم تتهرّأ رغم مضيّ عشرات السّنين.. كم مرّة قال لها إنّها تزعج النّائمين و الصّاحين.. كم مرّة قال لها إنّها لم تعد موضة مثلما تتخيّل هي.. كانت في كلّ مرّة تجيبه بصوتها المتهدّج.. أنا عجوز هرمة.. و لا أفهم إلاّ الأشياء الهرمة مثلي..
كيف يقنعها و هي الّتي لم تعد مكترثة بلعبة الأيّام.. فسيّان عندها العقود و السّنوات.. إنّها لم تعد تشعر بالحاضر.. مازالت تعيش في الماضي.. مازالت تتذكّر الحاجّ سعيد الّذي فارقها و هو في أوج العطاء.. إيه.. ما أسرع الأيّام و ما أسرع خطوتها.. عندما أقبل طالبا القرب كانت في عمر الزّهور بوجهها المستدير و قوامها الممشوق.. و كان هو مديد القامة.. فاحم الشّعر.. له شاربان يركز عليهما الطّير.. ثاقب النّظرة.. على قسماته سيماء الوقار و الحكمة.. و كانت إذا نظرت إليه خلسة تشعر بنوع من الطّمأنينة.. كان يفوقها باثنتي عشرة سنة كاملة.. لم يكن فارق السّنّ أمرا مطروحا في القديم.. و لم يكن النّاس متأثّرين بنظريّات علم الاجتماع أو علم النّفس مثلما يلهج بذلك أبناء اليوم.. فالرّجل رجل و المرأة امرأة.. و الرّجل كما هو معلوم لا يعاب إطلاقا.. و ويل للّذي يحاول التّشكيك في تلك المسلّمات أو مناقشة العادات و التّقاليد المتوارثة في ذلك الوقت..
كانت أمينة ما تزال مستيقظة و قد هجر النّوم جفنيها.. مرّرت كفّها على محيّاها متحسّسة غابة التّجاعيد.. لكأنّها أخاديد.. خطوط عميقة تشهد على ظلم الزّمان المكابر.. لا تدري كم سنة مرّت على ذلك اليوم المشؤوم.. يومها عاد الحاجّ سعيد إلى البيت بعد أن كان يتفقّد الضّيعة.. ضيعة الزّياتين.. كان يشعر بإرهاق شديد.. يبدو أنّه تعب كثيرا من وعثاء السّفر.. و لكن أيّ سفر هو.. لقد كان متعوّدا على قطع مسافات و مسافات بسيّارته الصّغيرة دون أن يتذمّر أو يقول مجرّد آه.. يومها استلقى على فراشه للمرّة الأخيرة.. و هرعت أمينة إلى المطبخ كي تغلّي بعض الأعشاب.. و عندما دخلت الغرفة دعته إلى تناول ذلك المشروب التّقليديّ الّذي يخفّف كلّ الآلام.. لكنّه لم يجبها..
يومها لا تتذكّر ما فعلت.. كانت الصّور تمرّ بذهنها في شكل ومضات.. و كان نسق الشّريط أسرع ممّا ينبغي.. كلّ ما تتذكّره أولئك النّسوة اللّاتي كنّ يتصنّعن الحزن و يتظاهرن بالتّعاطف معها.. يجهدن أنفسهنّ في البكاء.. يجتهدن في البحث عن معجم مناسب للحدث الحزين.. تتهدّل ملامحهنّ بجهد جهيد.. و لكن سرعان ما تتطلّق الوجوه.. فيعدن مسرعات إلى التّمارين المسرحيّة المرهقة.. كنّ في الحقيقة يفكّرن في أمر آخر تماما.. يفكّرن في مصير ما ورثته من أموال طائلة و من أراض زراعيّة لا يعرف أطرافها أحد.. يتمنّين سرّا أن يشاركنها في بعض ما أنعم اللّه عليها به.. و لم لا؟ فالخير كثير و الحمد لله.. آه لو كان الجار يرث جاره..
و في أيّام الأربعين سألتها إحداهنّ عمّا ستفعل بتلك الثّروة.. كانت تردّد قائلة.. لقد ترك لي الحاجّ رجلا.. و الرّجال يعرفون أكثر من النّساء.. كان أمجد في ذلك الوقت طفلا لا يكاد يبلغ الثّانية عشرة و كانت تأمل أن يكبر و يصبح مشرفا على الرّزق الّذي تركه والده بعد وفاته.. و هاهو اليوم أمسى بشارب قاتم و قامة فارعة الطّول و نظرة حادّة.. مثل والده تماما.. تلك هي صفات الرّجال.. إذن لقد أصبح رجلا.. أخذت أمينة تبصّر وحيدها بما يجب أن يفعل حتّى يحافظ على أرض الأجداد.. و أخذت تعلّمه دروسا في الاقتصاد و التّصرّف.. عليك أن تعرف من أين يأتى كلّ فلس و إلى أين يذهب.. لا تخالط رفاق السّوء.. لا تبذّر مالك في ما لا ينفع.. حافظ على أرضك فهي كلّ ما تملك..
في الواقع كانت أمينة هي الرّجل الّذي يتّصف بالحكمة و الرّصانة.. أمّا أمجد فلا يكاد يفقه شيئا من دروس والدته.. كان حينئذ في شرخ الشّباب.. و كان الجيران ينظرون إليه نظرة إكبار تذكّره بأنّ والده كان من الأكابر و الأعيان بل كان صراحة من أثرياء الحيّ.. لذلك كان عليه أن يبدو بذلك المظهر المشرّف الّذي دأب على الظّهور به في كلّ الأوقات.. هندام لائق.. هيبة مصطنعة.. رويّة في الحديث.. تظاهر بحكمة أصحاب الأراضي.. و لكن سرعان ما أصبحت هذه الميزات غير كافية في ذهنه.. ها هو الهندام يصير مواكبا لآخر صيحة في عالم اللّباس.. و ها هو الحديث اليوميّ يتحوّل إلى إفشاء أسرار المهنة.. هذه السّنة ربحنا كذا و كذا من ضيعة الزّيتون.. لقد وضعت في البنك مقدار كذا و كذا من المال.. بالأمس كان العشاء في ذلك المطعم الفاخر..
أصبحت نصائح أمينة في مهبّ الرّيح.. كثر الأصدقاء.. و كثر معهم الطّمع و الجشع.. و كثر معهم أيضا شيء من الحسد.. هيّا يا أمجد.. أقرضني ذلك المبلغ الّذي اتّفقنا عليه.. و يتعالى صوت من الجهة الأخرى.. والدتي على وشك الموت إن لم أجر لها تلك العمليّة.. و ذلك صوت آخر.. هيّا لنسهر اللّيلة فنحن لن نعيش مرّتين..
كانت أمينة تتصوّر أنّ وحيدها يزداد حكمة كلّما تقدّم في السّنّ.. ففوّضت له التّصرّف في جميع الأملاك بعد أن عضّها المرض بنابه فأصبحت طريحة الفراش لا تكاد تتنقّل إلاّ لماما.. ألا تنظر إلى نفسك يا فتى؟ ها أنت تشرف على الأربعين.. مثلك من الشّباب أصبح أبا بأولاده.. أين المنزل الجديد الّذي ستأوي إليه؟ أين العروس الّتي ستجعلك مسؤولا عن عائلة؟ أين و أين..؟ و كان يجيب دون اكتراث.. قليلا من الصّبر يا أمّي.. قليلا من الصّبر.. كلّ شيء بأوانه.. و لكنّ هذا الأوان لم يأت بعد و لن يأتي أبدا بعد أن أصبح هذا الولد العاقّ مثالا للاستهتار و عدم المبالاة..
دقّت السّاعة الواحدة دقّتها اليتيمة فرنّ صداها في أذن الحاجّة أمينة.. و رنّت معها الزّغاريد متعالية إلى عنان السّماء.. و ارتفعت أصوات المهنّئات من نساء القرية ممتزجة في فوضى محبّبة إلى النّفس.. كان أمجد يرفل في حلّة العرس.. و كانت عروسه مثلما تتمنّى هي.. طويلة القامة.. بيضاء البشرة.. نجلاء العينين.. محمرّة الوجنتين من شدّة الخجل.. البخور ثقيل ينفذ إلى الأنوف فيسكرها.. وليمة العرس مثل مائدة أنزلت من السّماء.. ترانيم غريبة تلوّن المكان.. اختلطت الصّور أمام عينيها.. و أقبل الحاجّ سعيد في حلّة بيضاء ناصعة.. كان الجذل يملأ جوانحه.. و كان يبتسم ابتسامة خرافيّة.. و يدعوها إلى المضيّ معه.. و لكن إلى أين؟ كان تشعر بجسمها يزداد برودة شيئا فشيئا.. لم تفرّق بين المدعوّين.. و لم تعرف كيف عاد الرّاحلون إلى الحياة من جديد.. كيف تحوّل اللّيل إلى نهار ساطع.. كيف اختفت السّاعة من الحائط.. كيف تلاشت جدران الغرفة.. كيف اختفت جميع الآلام الّتي كانت تزورها بين الفينة و الأخرى.. كيف عادت فجأة إلى سنّ الشّباب.. كلّ ذلك لا يهمّ.. لا يهمّ أبدا.. المهمّ أنّها حضرت حفل زفاف ابنها الوحيد.. المهمّ أنّ العرس قد تمّ..





