دراسة نقدية ظاهرة الإلتزام الشعري في ديوان هبة المدهون-مروة سمعان

لأن الحب مجاز شعري يحتاج إلى إثبات كما يرى زافون في روايته متاهة الأرواح، ولأن الشهداء أكرم منا جميعا الجملة الشهيرة للراحل صدام حسين. عملا لا أرجو به إلا الإيفاء بحق من سلكت طريقا بقلمها وارتحلت دون أن تكمل الطريق،دون أن ترى حقها السليب، وراحت لتحلم حلم الخلود، هنيئا لهم أولئك الذين قضوا نحبهم، والمجد كل المجد لهم.
من الولهة الأولى لقراءة ديوان هبة المدهون، نلاحظ كمّ الالتزام بقضايا الأمة بشكل عام، وقضية الوطن المحتل بشكل خاص، وهذه الظاهرة سمة أدبية ظهرت بشكل جلي منذ زمن، في وقت ذهبت المذاهب الشعرية طريقها في التعبير الحر دون قيد أخلاقي، ومردّ ذلك إلى علل من غير علة على حد تعبير ابن سينا في نظرته للإله.
يرى أنسي الحاج الحداثي في نظرته الشعرية أنه ” لم تكن موسيقى الوزن والقافية وحدها ما يزلزل القارئ”، وأن الصدق التعبيري هو أهم مميزات الخطاب الأدبي عند رولان بارت، وهذا ما اقتفيته في أثر هبة الشعري، ويبدو أنها كانت مؤمنة برسالتها الوجودية وأنها سخرت قلمها للتعبير عن ألم كل واع لكل الآلام التي نُفجع بها بالوراثة أو مآلات الكون الذي مازال يدهشنا بقدرته على سلب اليقين وإحلال الفزع في كل طية من طيات هذا العالم، فكانت قصائد المدهون عامرة بالوجع الوطني والعربي فهو عزف متفرد، وأدخلت فينا جوا من التلاحم الأصوليّ، فقد استهلت ديوانها بتحية معروفة لكل العالم أجمع فعنوان القصيدة صباح الخير وتجاوز تكرارها لهذه الحملة إلى أكثر من مرة، وكانت الإضافة في مرات إلى غير كلمة الخير مثل الشوق والبسمات والحب. فقد كانت هذه العبارة الشعرية هنا إلى وطنا حلم بالسلام والخير و لم ير منه شيئا، فأردفت الصباح المرجو بصباح تحلم و نحلم به جميعا.
“صباح الشوق والبسمات من منفاي
للمنفى
فعرّف لفظة المنفى” لكنّ هذا الطلب مشروط دون أن نأتي للشاعرة بتعريفات من قبيل المشترك اللفظي، فهل لأحد ما القدرة على التعريف؟، من وجه أخرى منفى تقر به الشاعرة وطنا لها. فنحن عرِفنا المنفى و ذقناه حقا، لكنه منفى لم يعرفه البعض بعد و لم يعيه! تحيه مرة جديدة فتقول له
“صباح الخير يا قلبي
هنا في معقل التاريخ
ومشرق فجر هذا الكون
هنا بدأت حكايا الجن ” والسطر الشعري الأول فيه من الحميمة ما يوحي بعلاقة أكثر من التلاحم والتجسد الفعلي بين ذاتها والوطن ، فإذا عطل القلب فماذا تبقى لنا ؟ فالكلمات المستخدمة في المقتبس أعلاه فيها من الحدة و الرقة ما يوحي بثبات الرؤية لديها، والمُركب “حكايا الجن” تعبير يشير بطريقة ما، بأننا بلاد العجائب واقعا فكيف إذا صار سردا! و لا يمكن الغفلة عن صفة الشاعرة التي تحملها في وطنها/ المنفى وهي (لاجئة) فهي القائلة
“وأي صباح
يمكن أن يكون بخير
بلا لقياك
صباح الخير” و كانت الختامية للقصيدة على سبيل الرجاء الدائم و الأمل بلقياه فعلا ً دون اختراع سيناريوهات خيالية للقاء به.
قصيدة قم للوطن، وهي متناصة مع أقوال الراحل عبد العزيز الرنتيسي، فهبة تناجيه بأقواله وكانت بائنة في اليأس فهي تقول “
“يا سيدي
كنت تقول” و الجلي هنا الماضي مع اقترانه بحاضرها آنذاك ، فهم لم يقوموا للوطن البتة، هم تمسحوا بخرقته للوصول إلى مأربهم الخاصة، تسأله من خلال حروفها هل أنت غاضب منا هل رأيت إلى أين وصلنا ، ويحول دوننا الموت وتحيط بنا المذلة وصار شعبنا يسأل قوت يومه لكن الشاعرة كانت قد أتت بالألفاظ مطابقة للواقع وللحال
“يا سيدي من ضيع الدرب طويلا
حائرا بين الكبونة والدقيق
الموت آخر همه”
في حالة تأملية مُنيت بها الشاعرة إزاء حال الشعب من رئيس و مرؤوس فهي تقول بغصب وأسى “يا سيدي باعوا الوطن/ هل يشترون تراث شعرك بالذهب؟!! على غرار ما قاله أمل دنقل في قصيدته مالم تقله زرقاء اليمامة. و في قصيدتها أتسألني تختمها بأبيات فيها من الوصف والرأي السديد،فالأديب على وجه الإجمال يكون أبعدا نظرا من السياسي فتقول بزهد وتصوف:
“بلاد رغم أنف الكون تزرع حبها فينا***فتغرس في الثرى جذرا يعانق تُربها تيها”
“بلاد ضلّ راعيها ورب الكون يرصده*** وعدل الله لا يفنى ويكفينا ويكفيها”
القصيدة المعنونة بـالفصل الأخير، وهو مستوحى من فن المسرح، ولعل في الاختار هذا، شيء من الحنكة والواقعية التي ظهرت من خلال ما سطرته في أبياتها، وفيه من الشعرية الشيء الكثير، فالقصيدة طويلة ، والحقل الدلالي من معين واحد و هو القهر والحزن(دمع العين،عابثين،ساجدين عبيدا،متنطعين،قزم،داس المحارم،ضياع هيبيتنا،مهجة ذبحت،الجرح ينهشننا،أفنا مقبرة، سدت مداخلها،أحلامنا انتهكت،ثكلى، واحسرتاه، حرب اشتعلت،متشردون، الأسر، غرق، الرق، الكفن” و مع هذا التتبع، هناك تتبع بشكل مستقيم للبلاد العربية المثخنة بالجراح التي جراحها ممتدة و متداخلة ومن ذات الوجع “مصر ،الشام، غوطة حلب، حمص ،بغداد، الموصل، القدس” و فيها أيصا وصف مهيب للأحوال العربية المزرية العصية على الادراك بعد عز ومجد باسق كنا فيه، وتصف القدس قلب العروبة والإسلام بشكل خاص كما أنها تبث روحها الشاعر أملا في التغيير ولكنها ترى أنه عين الحقيقة ” قد ساكن الرق قلبها زمنا” وهي تخيرهم خيارين لا ثالث لهما على سبيل نعم أو لا “فالحق أن تصحو أو تلبس الكفنا”.
ذكرى، قصيدة أخرى تغربل الشاعرة ذاتها فيها، فنحن أبناء اللجوء، فاتحة أقولنا ما قاله درويش من قلبنا ” وأنا الحنين الدائم إلى البلاد، فهي تبدأ القصيدة بسؤال: من أي ذكرى تعجبين وتسألي؟ وكأنه لا ذكرى لها و إنما هو حنين الماء للماء فهي القائلة:أهفو بروحي وهي عنك حبيسة*مغلولة في أسر باب مقفل” وفي هذا البيت لا تفرع فيه للمعنى والتنوع لفظي وإنما توصيف دقيق لحالة الشجن التي عاشتها الشاعر إثر بعدها عن موطنها الأصلي، فهي على سبيل الحلم ترى نفسها تنمو وتترعرع و محاطة بالعائلة في بلدتها الأصدلية، فكيف يرحلون عنها وتطلب من أمها التمهل، ولكن على خطا درويش أيضا القائل “أثر الفراشة لا يزول” ففي بلدها ظل الزيتون والعندليب والنخل ونار المرجل ، فهي توصف حالها بعد بُعدهم عن ديارهم بتعبير شعري طريف وفيه تحوير جديد “ما أقسى شرب الورد قبل الحنظل” وفيه وقفة فكرية أي أننا نركنا عزنا بأيدنا و لعقنا الحنظل بأنفسنا، وتُمني الشاعرة نفسها بالعودة القريبة كبقية اللاجئين، وكما أي عاقل يتوقع موته فهي قد قالت “فإذا قضيت فإن عشقك ثاتلي” كما قالها أبونا امرؤ القيس “؟أما علمت بأن حبك قاتلي، واختمتت قصيدتها بتناص حرفي من قصيدة أبي تمام ولكن كانت مطلعها وهنا ختامها على سبيل الحكمة واليقين التام من الشيء. و على ذات النهج في قصيدتها تغريبة ولأننا نفيض حبا من البلاد التي تركوها أهلنا و شربنا حسرتها ونحن نشاهدها صورا من بعد، فهي تقول “مالي أحمل غربتي للناس” وهي على سبيل أسلوب الخبر و الإنشاء في العربية تفاضل في قصيدتها بين السائل و المسؤول،
“قل لي بعكا كيف أصيح صورها*من بعد هجراني وكيف طيورها”
“يا راحلا نحو الخليل و قد ذكر* يوم الخليل أتى و قد عبر “
“واسأل عجوزا حين تذكر سحرها*يافا العروس إذا باحت سرها”
“فإذا مررت على ديار الناصرة* سلم عليها إذ ترى في الذاكرة”
“طفلا تكلم حين كان بمهده* في بيتن لحم وقد بدا في مجده”
“وعلى النبي صلى الإله و سلما* يوم امتطى البراق مسلما”
“واذكر أبا بكر و من ثم عمر* اذ جيّشوا للقدس جيشا قد حضر”
“واذكر صلاح الدين لما ردها* من بعد عدوان الصليب وبعدها”
وكنت قد ضمّنت هذه القراءة بهذه الأبيات التي من جملة فرائد الشعر الحديث وفيها إظهار لمكانة مدن فلسطين عبر التاريخ وتعاقب العرب والكرد لنصرتها، هذه البلاد الطيبة الطاهرة، البلاد التي تعرفنا ونعرفها، وليعذرني أحمد بخيت إذ إنني استعير لفظه وأقلبه فبلادنا هذه غير مؤجلة وليتكرم علي درويشنا إذ أنه أثر الفراشة يرى، فالشاعرة مؤمنة جدا بما أتى في القرآن وما وعد فيه فهي قالت
” مهما طغى بين العباد يهود
في سورة الإسراء سوف نعود” فهل هناك وعدا أصدق من وعد الله؟
في قصيدتها لست أرثي الشهداء، بلاغة النفي وتأكيده أذا كانت لا ترثي الأموات ، فلماذا تكتب لنا هذه القصية ، أكان تبرير، أم مجاز يتحقق؟ أم أنها تقدم الآية القرآنية ” أحياء عند ربهم يرزقون” حالة توصيفية قائمة بذاتها كما أنها قصيدة مواساة لأخيها الراحل ضياء وهي ترى من بأنه نحن الأحياء الباقون”صدقا أقول نحن من يرجو الرثاء فدعك مني” ويتضح مما سبق أن الرثاء ترف لم تكن قد حصلت عليه ، فالمشاعر الصادقة لا تكتب. ويتضح لنا أن الشاعرة ثائرة مع المقاومة بشكل أشكالها وتراها أول الحلول و آخرها في رد هذه الاستكانى عن كاهلها المعتق بالخزي والعار فالعنوان اضرب فديتك
“فالبدر أظلم في سمانا والربا * والسهل أثقله الدجى والبيد” وهذه حالة وعينا عليها ، ولأنها من جملة المقاتلين فهي تحفز المقاتيلن بقولها
“كن راسخا زيتونة أزلية* كن عاصفا والعالمين رقود” فأي تشبيه كان أنصع من هذا؟
ختاما: ظاهرة الالتزام الشعري واضحة جدا في الديوان وهو موضوع قلّ إن لم يكن ندر في العصر الحديث، ويبدو التزامها حتى بالقوانين العروضية.لم تنس جرحنا الوطني أو جروح العرب. معجمها الشعري سلسل عذب لا غلو فيه و لا فحش، البلاغة فيها مائزة بسيطة ،خطاب موجه للعامة قبل الخاصة، بثت الشاعرة فيه روحها الشفيفة.تكلمت عن صاحب قلبها بتعابير لطيفة وكتبت عن الراحلين اخيها ضياء والفنانة التشكلية آلاء، هناك قصائد بقالب الحكمة، و يتضح أنها ذات اطلاع واسع على التاريخ الإسلامي وما قبله.





