حُلمي تركوازي:د. وجدان الخشاب / العراق
قراءة تحليلية للوحة {الحلم} للفنان عثمان الدواي

يكشف المسح البصري لهذه اللوحة عن تكوين اعتمد اتخاذ شكل الدوامة موقعته على أرضيتها بحضورٍ طاغٍ ، فيما تنتشر أشكال تجريدية لأربعة أشخاص يسبحون في هذه الدوامة.
تتخذ الدوامة شكلها الافتراضي التشكيلي الذي يلتقي مع شكلها المتعارف عليه في الواقع العياني ، فالدوامة في المحيط أو البحر أو النهر هي وسطه الذي تدوم عليه الأمواج المتصفة بالشدّة والسرعة معًا ، متخذة شكلًا دائريًا متكررًا، بؤرتها ضيّقة ، وتتسع كلما اتجهت إلى الأعلى بعيدًا عن مركز نشوئها ، معلنة صداماتها المتوالية عن مغناطيسية تجذب إحداها إلى الأُخرى.
افتراضيًا يُنظَر إلى الدوّامة من زاوية رؤية عمودية، أو كما يصفها النُقّاد {رؤية الطائر} أي رؤية الأشياء من الأعلى ، وبهذا يتحوّل الرائي إلى طائر مُحلِّق يدقق ويتأمل فيما يقع تحت عينيه ، لكنَّ الفنان عثمان هنا عمد إلى عرض الدوامة من خلال قلب اتجاه زاوية النظر ، فجعلها تظهر للمتلقي بشكل أُفقي يبدأ من عمق اللوحة متقدمًا باتجاه مقدمتها ، ليتيح لمتلقيها رؤيتها بوضوح أكثر.
إذًا الشكل الدائري هو الأكثر ظهورًا في هذه اللوحة ، هنا سيلفت نظر المتلقي أنَّ هذه الدوائر تأخذ شكلًا حلزونيًا ، فهي دوائر غير مكتملة تمنح متلقيها شعورًا بالدوار والحصار واللا استقرار إن حاول أن يتابع حركتها الدورانية ، ولكن الفنان عثمان اشتغل باتجاه إخراج هذه الدوائر من انغلاقها ليمنحها حركة أشبه ما تكون بالحرّة والمتداخلة معاً ضمن حركتها الدورانية اللا نهائية.
يشير كارل يونغ في كتابه {الإنسان ورموزه} إلى أنَّ الشكل الدائري يحمل بُعدًا مقدسًا ، يُرمَز به إلى الذات الإنسانية ، من هنا سيمكننا فهم توجّه الفنان عثمان نحو هذا الاختيار المتقارب الثلاثي {النفس الانسانية ، الحلم ، الدوّامة} ، وهذا التقارب هو ما اشتغل الفنان باتجاه تأكيده من خلال نقل الشكل الدوّامي من كينونته الطبيعية المائية – المادية إلى تمثُّل حالة معنوية هي الحلم ، وهذا بالتالي سيمنحني فرصة الكشف عن الدلالات المحتملة لهذه اللوحة .
في رحلته الإنسانية الطويلة نظر الإنسان إلى المُسطّح المائي {المحيط ، البحر، البحيرة، النهر} نظرة نفعية أولًا ، ومقلقة ثانيًا ، فالنفعية اشتغلت باتجاه استغلاله اقتصاديًا ، أمّا المقلقة فكانت نتاج نظرته إليه بوصفه امتدادًا وهاوية مرعبة ومظلمة في الآن ذاته ، ولا يمكن له اختراقها ، من هنا سيمكننا القول أنَّ الفنان عثمان اشتغل باتجاه استغلال هذه الفكرة؛ لتكوين رمزية الدوّامة وربطها بالحلم .
في واحدة من اشتقاقاتها الثرية تشير اللغة العربية إلى أنَّ الدوّام {دوار يحدث في رأس الإنسان} ، وهذا الدوّام هو الذي أنتج الحلم في اشتغال الفنان عثمان.
فما هو الحلم ؟
من وجهة النظر النفسية هو سلسلة من التخيلات التي تحدث أثناء النوم ، كما أنّه الوسيلة التي تلجأ إليها النفس البشرية لإشباع رغباتها وأفكارها التي تعاني من كبتها؛ بسبب صعوبة تحقيقها في الواقع العياني ، حيث يشير كارل يونغ إلى أنَّ الاحلام تحقق حلولًا لمشكلات الشخص في محاولةٍ لإعادة توازنه، الذي فقده جرّاء ضغوطات الواقع غير المثالي الذي يعيشه الفنان ، مما يدفعه إلى البحث عن متنفس لهذا الصراع .
سأحاول أن استكشف خيوط الترابط الزمكاني بين الدوّامة والحلم ، حيث أشرتُ سابقًا إلى أنَّ الدوّامة تحدث في مكان محدد حين تبدأ نواتها بالتحرك بدءاً من أعماق البحر المظلمة ، والحلم نتاج اللاوعي أي الجزء الغامض من الذاكرة ، والذاكرة مكان لتراكم المصفوفات الذهنية الواعية واللا واعية ، وبهذا يبدأ الصراع صيرورته ، الذي يستوجب المكان والزمان معًا ، أي {الزمكان} ، والزمان هنا أيضًا دائري؛ لأنَّ دائرية الزمن تعني العودة الاسترجاعية للوصول إلى نقطة البدء ، وهذه العودة تنحصر في جبرية مدارها المغلق .
تمثّل الأشكال الانسانية الأربعة الجزء الثاني من التكوين في هذه اللوحة ، وتمظهرت بصفتي التجريد والتشويه معًا مما منحها بُعدًا رمزيًا . توزعت هذه الأشكال في النصف الثاني الأسفل من اللوحة ، حيث تموقع الشكل الأول في مقدمة اللوحة ، ورغم تعمد الفنان إظهار الرأس وبعض أجزاء الجسد وكأنها خارج الدوّامة، إلاّ أنّه اشتغل باتجاه امتداد اليدين والقدمين وكأنّها توجد أمواجها الواضحة ضمن موجات الدوّامة .
فيما حاول موضعة الشكل الإنساني الثاني في الجزء الأبعد من مقدمة اللوحة ، في أقصى يمين اللوحة في جزئها الأسفل ، فبدا وكأنّه يسبح مع حركة الأمواج ، مُـظهِرًا حركته التي تتشابه مع حالة التزحلق عليها.
أمّا الشكل الإنساني الثالث والمتموقع في الجزء الأبعد ، أي أنَّ تموقعه يأخذ مكانه باتجاه عمق اللوحة ، فبدا أقرب ما يكون إلى الجالس على الأمواج سامحًا لها أن تأخذه حيثما تريد ، لكنَّ الشكل الإنساني الرابع اتخذ موقعته في نقطة هي الأبعد عن الأشكال الثلاثة المتقدمة عليه ، وبدا أقرب ما يكون إلى المتحدي مظهرًا ، حيث تكشف طريقة وقوفه عن تحدّيه لحركة الدوّامة ، ورافضًا انسياقه واستسلامه لحركتها وقوّتها واندفاعها .
يبدو لي أنَّ هذا الشكل الإنساني {الرابع} يقف مواجهًا لبؤرة سرد اللوحة ، وهي نواتها القابعة في أقصى البُعد الثالث ، هنا سيعلن التساؤل عن وجوده :
لماذا أخفى الفنان عثمان رأس هذا الإنسان المتحدي ؟
سأُحاول طرح إجابة لهذا التساؤل بتأشير أهمية الرأس الذي هو مكان الدماغ ، وهو الجزء المتحكم في الجسد الإنساني بأكمله وبؤرة وجوده ، لكنَّ الفنان حينما يعمد إلى إخفائه ضمن حركة الدوّامة ، يؤشر على أنَّ التحدي يحمل صفتي السلبية والفشل إزاء قوة الحركة الدوّامية الصاعدة ، من هنا سينفتح أمامي باب يسهم في تأشير فكرة تحديد الأشكال الإنسانية الأربعة في هذه اللوحة ، فالشخصيات الثلاث الأُولى والثانية والثالثة هي شخصيات تأخذها قوة الاندفاع الدوّامي دون أن تكون لهم قدرة على الانفكاك من قدرتها على التحكم بهم ، أمّا الشخصية الرابعة {المتحدّية} فهي شخصية الفنان الذي يمارس كشفه ورؤيته العميقة من خلال محاولته الوصول {جسدًا أو بصرًا} إلى بؤرة الحدث .
إذًا يمكنني القول أنَّ الدوّامة هي الواقع العياني المعاش ، ومحاولة الإنسان في التكيّف والانسياق مع حركته أو تحديها ورفضها ، وفي الحالتين لا يحقق الهدف وهو الخروج خارج الإطار الجبري لهذا الواقع الدوّامي .
هنا أيضًا سيطرح تساؤل نفسه :
هل يقبل الفنان عثمان في هذه اللوحة تحديدًا واقعه دون أن يتحداه ، ويكسر أُطره الدائرية وجبريتها القاسية ؟
سأُحاول الإجابة على هذا التساؤل من خلال مسحٍ بصري للمنظومة اللونية التي فرشها الفنان عثمان على أرضية هذه اللوحة ، لأرى مدى اتساق هذه المنظومة مع الدلالات المفترضة التي طرحتها ، وسأبدأ أولاً مع نقطة السيادة {أو النقطة المحورية أو مركز الاهتمام أو القطاع الذهبي} كما يسمّيها النُقّاد التشكيليون ، التي تؤشر طغيانًا أو بروزًا لعنصرٍ أو أكثر من عناصر اللوحة . بتصوري أنَّ الفنان عثمان اتخذ من نواة الدوّامة نقطة سيادية؛ ليسرد من خلالها حَدَث اللوحة أو مشهديتها ، حيث اعتمد تظهير شكلها من خلال اعتماده اللون الأبيض في تحديدها ، ولكنه ليس لونًا نقيًا تمامًا ، بل هو مشوب بلمسات من اللون التركوازي بفعل تراكم طبقات الموج أولًا ح وبسبب وقوعه ضمن نطاق البُعد الثالث ثانيًا ، كما أنّه قاربَ في موضعتها منطقة منتصف مساحة اللوحة ، فإذا حاولنا تقسيم اللوحة برسم خطّين الأول عمودي والثاني أُفقي {باعتماد محور 1/2} سنجد نواة الدوّامة واقعة في نقطة التقاء هذين الخطّين تقريبًا .
ومن المعروف أنَّ الكثير من الفنانين يعتمدون محور {1/2} ليكون مكان تموقع نقطة السيادة ، وتخصيصًا القديسين والأبطال ، ولكن الفنان عثمان لم يكتفِ بهذه النقطة بل أنشأ ثنائية متضادة معها تلتقيها في الصيرورة والتكوّن ، وهو الشكل الإنساني المتحدّي ، ليشكِّلا معًا تمثيلًا حركيًا تفاعليًا أقرب ما يكون إلى الصراع ، الذي يُشكِّل هدفًا مسكوتًا عنه في هذه اللوحة .
سأُكمل المسح البصري للمنظومة اللونية في هذه اللوحة ، حيث يكشف عن طغيان اللونين الأزرق والتركوازي المتدرجين ، ولكنهما لا يمتلكان صفة الإشباع اللوني ، لِما أضافه الفنان من لمسات لونية متعددة تمنح بصر المتلقي فرصة التفاعل مع الحركة الدورانية من جهة ، ومنح شكلها روحًا حيّة من خلال كسر رتابة اللون الواحد من جهة أُخرى.
تتشكّل دلالات اللون الأزرق من خلال ارتباطاته بالسماء الزرقاء ، التي تنعكس لونها على المسطحات المائية ، وبالتالي فهي تؤشر دلالات التأمل والفكر والصفاء وما يتبعه من هدوء وسكينة تغمر النفس الإنسانية ، ولكن هذه الدلالات لا تمتلك صفتها الثبوتية القاطعة؛ لأنَّ لون السماء الأزرق قد يشوبه البياض أو الرمادي بسبب تراكم طبقات الغيوم ، أو ربَّما يتحوّل إلى الأحمر القاني أو البرتقالي المشبع في حالة غروب الشمس ، أو قد تتحوّل إلى اللون الأسود ليلًا ، وهذه التحولات كلها ستنعكس على الجزء الظاهري من المسطّح المائي ، وبالمقابل لا يُظهر هذا المسطّح سكونًا دائمًا ، بل قد تهدر أمواجه من أمكنة مرتفعة إلى أمكنة أقل انخفاضًا ، وأعماقه لا تخلو من الدوّامات ، ولهذا ستبدأ دلالات الأزرق بالانحراف عمّا تواضعت عليه الذاكرة الجمعية، مؤشرة حالة انفعال وحركة يُمظهِرها القلق والمجهولية والنفور والقوى السلبية ، التي تفرض وجودها على بعض أوجه الحياة ، ولهذا كان لابدَّ للفنان من أن يضيف اللون الأسود إلى الأزرق ؛ ليكسبه تدرجات تميل إلى القتامة ، مؤشرًا هذه الدلالات.
بالمقابل تواضعت الذاكرة نفسها على أنَّ دلالات اللون الأخضر هي التجدد والخصب والنماء ، الذي تكشف عنه الطبيعة الخضراء ، ينضاف إلى ذلك دلالته على ايقاع الحياة المتبدل من حركتها الحياتية التي لا تعرف التوقف ، وهذه الدلالة هي واحدة من مرتكزات هذه اللوحة.
وبما أنَّ الأخضر والأزرق هما اللونين الطاغيين بحضورهما ، فلا بُدَّ للفنان من مزجهما؛ لينتج اللون التركوازي المتدرج هو الآخر ، إذًا قيم السماء وقيم الأرض تتلاقى وتتمازج ؛ لتحيل إلى استمرارية الدوّامة من خلال الانفتاح على الآخر، ذلك الانفتاح الذي تؤشره دلالة التركواز لونًا ، ورغبة الفنان في أن يفتح مجاهيل الذاكرة وخفايا الحلم ؛ ليعرضها لمتلقيه بوصفها محاولة للتواصل بينهما .
أخذ الضوء والظل موقعته من خلال اللمسات اللونية التي يتعمدها الفنان ؛ ليؤكد دلالات أرادها ، ولهذا تمظهرت الدوّامة بالألوان الفاتحة ، من خلال اللون الأبيض المطفأ إلى اللون الماروني المطفأ للدلالة على تمظهر الضوء ، فيما بدت الظلال متخذة اللون الأحمر المتدرج ما بين الوردي المطفأ إلى الماروني المطفأ مع لمسات خفيفة من اللون البرتقالي ، هنا ستلعب الإضاءة والتظليل دورها في إظهار الحركة الدورانية على مستوى الشكل ، أمّا على مستوى الدلالة فإنّها مؤشر تلوِّن الحياة بأكثر من لون وأكثر من حركة وقيمة .
أمّا المنظومة اللونية التي اعتمدها الفنان عثمان للأشكال الإنسانية فهي ، الجويتي الغامق والأحمر المتدرج ما بين الوردي والماروني ؛ لتجسيد الأشكال الإنسانية المشوّهة للدلالة على معاناتها.
من هنا يمكنني القول أنَّ رحلة الفنان عثمان في انجاز هذه اللوحة ، تكشف عن فكرته الكلية التي أراد منها ابراز التفاؤل والأمل رغم صعوبات الحياة .





