منذ أن فتح الإنسان عينيه على هذا العالم، كان يسير على حافة مزدوجة بين الخير والشرّ؛ يتلمّس النور في قلب الظلمة، ويتعثر في دروب قُدّر لها أن تظلّ وعرة. ومنذ البدايات، جرّب كلّ شيء: سنّ القوانين، وكتب الشرائع، وشيّد المذاهب، كأنّه يطارد وعداً مفقوداً بالسلام الداخلي. لكن، كلّما ارتفع صوته مطالباً بالخلاص، كان الشرّ يغيّر أقنعته، ويعود أكثر دهاءً، كأنه يعرف أن لا حياة للعالم من دونه.
وكما كانت الكتب الأولى تُلقي كلّ المآسي على “إبليس” بوصفه المذنب الأول، لنا اليوم “إبليسات” معاصرة، أكثر شراسة ونعومة في آن: مجلس الأمن الذي يوزّع صكوك البراءة والإدانة، الإعلام الذي يعيد تشكيل وعينا، ورأس المال الذي يكتب مصائرنا كما يهوى. لقد صار الشرّ أذكى من أن نراه في صورته القديمة؛ يندسّ في جيوبنا مع الهاتف المحمول، على موائدنا مع الطعام المعلّب، في أنفاسنا مع هواء يختنق بالتلوث، وحتى في فصول السنة التي اختلّت موازينها. والأدهى أنه عرف كيف يسرق منّا إحساسنا بالواجب والشرف، مستبدلًا إياه بنشوة المتعة السريعة، تلك التي تفتّت المجتمع قطعة قطعة، وتفسد نسيج الوجود نفسه.
– ماذا لو غاب الشرّ؟
عند هذه النقطة، يعود صدى سؤال كافافيس: “ماذا نفعل من دون برابرة؟ فقد كانوا نوعًا من الحلّ؟”
فماذا لو غاب الشرّ فجأة؟ هل سنجد أنفسنا في فراغ خانق، بلا منافس ولا صراع ولا شغف يدفعنا للحياة؟ ألسنا مهددين – كما قال أوسكار وايلد ساخراً – بأن نصبح أسرى “كمال رتيب”، حيث كلّ جميل في هذه الحياة إمّا غير أخلاقي، أو غير قانوني، أو مضرّ بالصحة؟
ربما في الشرّ تلك الديناميكية التي تُبقي الدم في عروق العالم، تلك الطاقة المظلمة التي سمّاها إميل سيوران ذات مرة “أفظع المآثر”. إن وجوده – مهما بدا فظيعاً – يذكّرنا بأن الخير ليس خياراً سهلاً أو مضموناً، بل معركة يومية مع أنفسنا أولًا.
– حين يصبح الخير استثناءً
لكنّ المأساة أن الشرّ طغى حتى صار الخير استثناءً نادرًا، عابرًا حدّ أننا نشكّ في نوايا من يمدّ لنا يده بالمساعدة. ومع ذلك، يبقى المعنى الحقيقي لوجودنا في قدرتنا على تحويل الفكرة الأخلاقية إلى فعل، في صناعة الخير من جديد، بلا كلل ولا انتظار لردّ الجميل. وكأنّ كلّ إنسان يحمل على عاتقه رسالة صغيرة: ما دمتَ قادراً، افعل الخير، وساعد المخلوقات بلا تمييز.
كما قال كانط: “اعمل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل آخر، دائماً وأبداً كغاية، لا مجرد وسيلة.” هذا ما يمنح حياتنا معنى يتجاوز اللعنات الموجهة لإبليس أو تعليق الفشل على شماعات أسطورية.
– الأرواح الفاضلة: جنود المعنى
هكذا فقط يمكن أن نصير شركاء في معركة الكرامة الإنسانية؛ كما تفعل الحركات التي تناهض الإبادة والجوع والقهر عبر العالم. الأرواح الفاضلة – كما قال تولستوي – هي تلك التي تضحّي بكلّ شيء في سبيل الحقّ والخير، حتى لو خسرَت هويتها واستقرارها. فهذه هي القوة التي لا تُقاوم: قوة الخير، التي هي وجه الحبّ الأكثر عمقًا.
– الخسارة الحقيقية
ولعلّ خسارتنا الكبرى ليست في الشرّ الذي يملأ هذا العالم، بل في الحبّ الذي بدأ يتسرب من قلوبنا بصمت. فما قيمة الحياة إذا انفصلت عن الخير؟ وما قيمة الإنسان إذا انفصل عن الحبّ؟ ربما عند هذه الحدود فقط ندرك أن الصراع بين الخير والشر ليس لعنة، بل هو شرط الحياة نفسها؛ صراع يحمينا من الركود، ويمنحنا سببًا للبقاء، ويدفعنا، مهما خسرنا، لأن نكون جديرين بوجودنا.
– خاتمة: حين يلتقي الظلّ بالنور
في نهاية المطاف، ربما لا نحتاج إلى انتصار الخير الكامل، ولا إلى اندحار الشرّ تماماً. يكفي أن نستيقظ كلّ صباح ونعرف أن هناك معركة صغيرة نخوضها ضد القسوة، ضد اليأس، ضد اللامبالاة. يكفي أن نضيء شمعة واحدة في وجه هذا الظلام المتكاثر. فالحياة ليست جنّة ولا جحيماً، بل فسحة قصيرة بينهما، يتقاطع فيها الظلّ بالنور، ليصنع الإنسان فيها أسمى حكاياته.