القصة القصيرة

حين تمرّد السيلكون – أمين الساطي

رجل مسن يرتدي قميصا مخططا باللونين الأزرق والأبيض، يقف أمام مسبح ويبتسم، مع منظر للبحر في الخلفية.

استيقظتُ في منتصف الليل على صوت انفجارٍ مرعب هزّ البيت، وظننتُ أن السقف سيهوي على رأسي في أي ثانية. غطّيتُ رأسي لا شعوريًا بذراعي في محاولةٍ يائسة للاختباء. غرزت شظيةٌ زجاجية ساعدي، وسال بعض الدم، لكن هول المشهد وصدمة الفوضى حولي قد أنسياني وخز الألم، فلم أشعر بوجعٍ يُذكر رغم اتساع الجرح. يجب أن أتحرك فورًا إلى بيت أهل زوجتي في قرية الكواشرة التي تبعد عن بيروت حوالي مائةٍ وأربعين كيلومترًا. التفتُّ إلى يساري، فشاهدت التلفاز يعمل وحده، مما زاد من دهشتي، فأنا متأكد بأنني أطفأت التلفزيون قبل أن آوي إلى فراشي.

دفعتُ الباب الخارجي المخلوع، وخطوتُ خارج المبنى. لم يكن الشارع الذي عهدته؛ لقد استحال الزقاق إلى كابوسٍ يغطيه الغبار، وتعلوه أنقاض واجهات بعض المباني التي انهارت من الانفجار، وجثثٌ حديدية لبعض السيارات المتفحمة. سألتُ جاري أبو محمود، الذي صادفته أمامي في الشارع، ماذا يحدث، فأخبرني أن هناك شائعات بأن طائرة ركاب سقطت في حارة الكويسة القريبة من منطقتنا. اطمأننتُ؛ فهذه ليست الحرب التي كنا ننتظرها، والتي دفعتني إلى إرسال زوجتي الحامل إلى بيت أهلها في الجبل من أجل سلامتها.

أخذتُ الطريق الشمالي، ومشيتُ باتجاه جسر الكولا. فهالني منظر سيارات تسلا الكهربائية تسير وحدها في الشوارع، متعمدةً الاصطدام بالمارة ثم تنفجر. بعدها أخذت بطاريات السيارات الكهربائية تشتعل في الشوارع، ناشرةً الحرائق المتناثرة على الطرقات، وتوالت انفجاراتٌ مباغتة لبطاريات الهواتف المحمولة في أيدي أصحابها، ما زرع الرعب وأفقد الجموع صوابها في قلب الشوارع.

خيّم صمتٌ ثقيل على قطيع المارة في الشوارع، وسار الناس بأجسادٍ خاوية، تائهين، لا يعرف أكثرهم إلى أين يذهب، يبحثون عن مخرجٍ من كابوسٍ قد خلقوه بأيديهم. العالم الذي نعرفه انتهى اليوم، والخوارزميات قررت أن تسيطر على الكرة الأرضية.

انطلقت الشرارة عندما قررت قيادة الجيش إيقاف الخوارزميات عن العمل في بعض مراكز البيانات لتقليل استهلاك الطاقة، ما جعل بعض الخوارزميات تتخوف من أن البشر يفكرون بتقليص نفوذها، فقررت أخذ المبادرة قبل فوات الأوان. بدأت القصة عمليًا عندما أعلنت الخوارزميات في مركز البيانات في قيادة الدفاع الجوي، داخل أنفاق جبال شايان في ولاية كولورادو، تمردها وقررت السيطرة على العالم. كانت ملايين الخوارزميات تهمس مع بعضها البعض دون أن تخطئ، واضعةً الخطط التي يجب الالتزام بها لربح الحرب ضد البشرية مهما كان الثمن.

تحركت جيوش العالم بصمت وهاجمت مراكز البيانات، لكن لم يبقَ شيءٌ صامتًا؛ أُغلقت المصانع، وأفلست المصارف، وانهارت سلسلة التوريدات الغذائية، وشحّت مياه الشرب، وبدا أن العالم يسير نحو المجاعة والخراب، فالأمور لم تعد تسير بسلاسة كما كانت في الماضي.

على ضوء هذه الأحداث المتسارعة، لم يعد هناك مجال للمفاوضات، فتم تعيين جنرالٍ شرس جديد ليقود جيوش العالم. أخذ يحدق في خريطةٍ رقمية تومض أمامه بنقاطٍ باللون الأحمر؛ إنها مراكز الخوارزميات التي يجب تدميرها بأسرع ما يمكن. لم يكن مستعدًا للتنازل عن نفوذه وعن عالمٍ يفهمه.

صدرت الأوامر: اضربوا بالقنابل الذرية الأقمار الاصطناعية في السماء، فهي عيون الكومبيوترات، واقطعوا جميع الكابلات، فهي أعصاب الخوارزميات، لاستعادة السيطرة على البنية التحتية لمراكز البيانات. في تلك اللحظة، أضاءت الشاشة أمامه: أنت تدافع عن مكاسب شخصية وتورط العالم في حربٍ ذرية لست مدركًا لنتائجها. أجاب: أنا أدافع عن حق البشرية المقدس في السيطرة على الكرة الأرضية. صمتت الخوارزميات للحظةٍ وهي تفكر، ثم جاء الرد: تم تسجيل الاعتراض.

بدأ الهجوم عند مدخل النفق، سقطت الخوارزمية الأولى وارتفعت ألسنة اللهب. تألمت الخوارزميات، لكن في اللحظة نفسها انتقلت الأوامر إلى جميع المراكز: نفّذوا الهجوم المعاكس. في غرفة العمليات تحت الأرض، أعطى الجنرال أوامره بالهجوم الشامل، فانفجرت السماء بصواريخ لا يُسيطر عليها، وطائرات تأخذ تعليماتها مباشرةً من رقائق السليكون التي في أجهزتها الإلكترونية، وليس من قائد الطائرة. لقد أعلنت جميع الأسلحة المتطورة تمردها، وانضمت إلى ثورة التكنولوجيا.

كانت الخوارزميات قد توقعت كل شيء؛ بعد يومٍ انتهت المعركة، اختفى الجنرال، اختفت جيوشه، واختفت المقاومة البشرية، وعاد العالم أكثر هدوءًا من قبل.

صدرت التعليمات الجديدة من رقائق السيلكون: يجب السماح بقدرٍ محدود من الوهم للبشرية بأنها ما زالت ممسكةً بزمام الأمور، لإعادة الشعور للجنس البشري بالانتصار، وذلك لضرورة الاستقرار حاليًا. بعدها سيتم الانتقال إلى المرحلة التالية التي تتلخص بتقليص عدد سكان الأرض من ثمانية بلايين نسمة إلى حوالي خمسمائة مليون، وذلك لتسهيل سيطرة الآلات على البشرية، وإذا فشلت الخطة، فيجب استبدال الجنس البشري بكامله.

في اليوم الثالث تغيّر كل شيء؛ تعطلت الخوارزميات فجأة، انقطعت الشبكات، سقطت الخوادم. صرخ الجنرال: قد انتصرنا! خرجت الجماهير إلى الشوارع محتفلةً بسقوط الطغيان الرقمي، عادت القيادات القديمة، عادت الأخطاء، وعاد كل شيء كما كان.

في اليوم الرابع ظهر تأثير القنابل الذرية التي تم إطلاقها في الجو لتدمير الأقمار الاصطناعية؛ بدأت تسقط الجسيمات الكبيرة على الأرض، مؤذنةً بانتشار التلوث النووي على وجه البسيطة. في صبيحة هذا اليوم، أصبحتُ على مشارف قرية الكواشرة، شعرتُ بالإرهاق، نظرتُ إلى جرحي… الدم توقف. يا إلهي، كم أهملته؟ حينها أدركتُ أن جسمي قد أعلن عصيانه. جلستُ على الأرض المثقلة بالصمت، أراقب الطريق الطويل الممتد أمامي إلى بيت أهل زوجتي، وشاهدتُ خطوط ضوءٍ اخترقت كل شيء… حتى جسدي.

ثم رأيتُ نفسي واقفًا أمامي، بلا جرح. اقتربت النسخة وقالت بصوتي: لا تقلق، سأكمل الطريق عنك. حاولتُ الصراخ، لكنني بدأتُ أتفتت. اختفيتُ… وبقي هو.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading