حياة . . ضحيّة المجتمع الأبويّ وفريسة تقاليده الشرقية المُجحِفة-عدنان حسين أحمد-لندن

تُعنى المخرجة الكوردية العراقية كاردينا هيمن بالثيمات الإنسانية التي تتعلّق بالمرأة والأطفال عمومًا، وهذا الاهتمام لا يعني أنها تُدير ظهرها لقضايا الرجل بكل مراحله العمرية فخلف كل امرأة أو طفل ثمة رجل ما قد يكون موقفه سلبيًا أو إيجابيًا أو بينَ بينْ ولكنه حاضر في الأحوال كلها. وفي فيلم (حياة)، مدار هذه الدراسة النقدية، سنرى الرجل الأخ، والزوج، والعاشق، والمُغتصِب، والإمام، والمنقِذ الذي لولاه لمات حتى الطفل المُرتَقب الذي فارقت أمه الحياة إثر الولادة العسيرة.
تتمحور ثيمة هذا الفيلم الدرامي القصير على معاناة فتاة شابة تُدعى (حياة) جسّدت الدور بشكل جيد الفنانة ومُخرجة الفيلم (كاردينا هيمن) التي خلقت هذه الشخصية التي يمكن أن نصادفها في غالبية البيوت العراقية. فهي شابة في مقتبل العمر ومرتبطة بقصة حُب مع شاب يقاربها في السن أو أكبر منها قليلًا، ويلتقيان غالبًا لقاءات تقليدية كأن يتطلع إليها من بعيد وهي تقف خلف زجاج النافذة أو من الشُرفة العلوية لمنزلها تنثر ابتساماتها الجميلة عليه لتؤكد لنا بما لا يقبل الشك أنها تحبه وتتمنى أن تكون زوجة له. لكن الأُسر العراقية في مجملها لا تأخذ بنظر الاعتبار رغبة الفتاة في الاقتران بالرجل الذي تحبّه، بل أنّ البعض من هذه العوائل يعتبرون علاقات الحُب تشويهًا لشرف الأسرة، وتلطيخًا لسمعتها من دون أن يُدركوا أنّ الحُب حاجة روحية وجسدية يندر أن يفلت منها أي كائن بشري حتى وإن كان هذا الحُب من طرف واحد، فكيف إذا كان الأمر من كلا الطرفين لكنهما لا يجدان السبيل إلى تتويجه بالزواج السعيد، ولا يتيح لهما المجتمع الصارم، وقسوة الأهل إمكانية تحقيق هذا الرباط الذي اصطلح عليه كثيرون صفة الأبدي أو المقدّس؟
لم يبقَ من عائلة (حياة) سوى شقيقها المتزوج (راوا زاهير) وصورة أمها المعلقة على الجدار حيث تناجيها كلّما سقطت في محنة أو وقعت في موقف شائك ومع ذلك فهي فتاة جسور اعتادت أن تُعبِّر عن رأيها بشكل صريح ولا تستسلم إلى القرارات التي يتخذها الأخ الأكبر بتحريض دائم من زوحته (ليلى مجيدي) رغم أنّ هذه الأخيرة قد اتخذتها خادمة للمنزل حيث رأيناها تطبخ الطعام، وتكنس غرف البيت، وتغسل الصحون، وتؤدي معظم الواجبات المنزلية بينما تتفرغ زوجة الأخ للغنج والدلال والممارسات الحميمة التي يتناهى بعضها إلى سمع (حياة) فتنتعش مُخيّلتها الرومانسية المتأججة أصلًا.
يحثُّ الأخ شقيقته (حياة) على الزواج ولا يجد حرجًا في القول إنها مجرد ضيفة عابرة في هذا البيت الذي ستغادره إن عاجلًا أم آجلًا وتصنع حياتها الخاصة بها مع شريك حياتها المُرتَقب. أمّا زوجته فهي الأخرى تشجّعها على الزواج وتكوين عائلتها الخاصة بها بعد أن تَقدّم لها (غفور)، وهو رجل غني طلب يدها كزوجة ثانية لأن الأولى لم تستطع الإنجاب وهو يريد ذُريّة تحمل اسمه من بعده. وعلى الرغم من أن (غفورًا) رجل ميسور الحال إلّا أنّ (حياةً) لا تريد الزواج منه لأكثر من سبب، فهو متزوج، وأكبر منها سنًا، والسبب الثالث الذي لم تفصح عنه، لكننا كمتلقّين بُتنا نعرفه لأننا رأيناه رأي العين وهو علاقتها العاطفية بالشاب الذي شاهدناه أمام نافذة منزلها غير مرة وهي توزّع عليه ابتساماتها السخيّة ونظراتها الملأى بالشغف والاشتياق. ومع رفضها القاطع لهذا الارتباط إلّا أن شقيقها يجبرها على الزواج من (غفور) ويعتقد أنها ستكون سعيدة معه في خاتمة المطاف. وحينما يصبح الزواج أمرًا واقعًا لا مفرّ منه تحاول (حياة) أن تقطع شريان يدها لكنها تعزف عن هذه المحاولة اليائسة حينما تجلب لها زوجة شقيقها فستان العرس الذي جاء به غفور بعد أن عقد الملّا قرانهما بحضور العائلة وشهادة الشهود وتمنّى لهما حياة سعيدة وطويلة الأمد.
تنتقل الكاميرا من منزل (حياة) إلى بيت (غفور) حيث نلتقي بأم (غفور) التي بدت متذمرة من كنّتها الأولى (گُلالة علي) التي لم تنجب لها حفيدًا يملأ بيتها صخبًا وضجيجا. وحينما تتأخر (حياة) في الحَمل يخاطبها (غفور) قائلًا: (لم تنجب لي زوجتي الأولى طفلًا، أريدكِ أن تنجبي لي طفلًا جيدًا يكون رجلًا مثلي). وكأنه عنوان للفحولة بينما يشير واقع الحال إلى عُقمه أو خلل ما في خصوبته.
تلعب الأم دورًا مهمًا في مضاعفة نقمة الابن على زوجتيه حينما تخاطبهما بالقول: (أنتما الاثنتان غير قادرتين على إنجاب طفل) من دون أن تدري أن العلِّة الأساسية تكمن في ابنها الذي يعاني من عارض طبّي ما الأمر الذي يجعل من (غفور) شخصية إشكالية قد تقف بموازاة شخصية (حياة) التي بدت أكثر تعقيدًا من الزوج نفسه. فهي مرتبطة روحيًا وجسديًا بالحبيب الذي كان يتردد على مقربة من منزلها من دون أن يجرؤ على التقدّم لطلب يدها ربما لأنه شاب في مقتبل عمره وقد يكون فقيرًا أو عاطلًا عن العمل. وحسنًا فعلت السينارست ومخرجة الفيلم حينما أبقتهُ في هذه الدائرة الضبابية الغامضة التي تُشجّع المتلقّين على المُشاركة الضمنية في أحداث الفيلم من خلال هذه التساؤلات التي تدور في أذهان المُشاهدين.
يتفاقم غضب الزوج حينما يكتشف أنّ (حياةً) مرتبطة بشخص آخرَ وأنها قد لطّخت سمعتهُ في الحيّ الذي يسكنهُ فلا غرابة أن يعنِّفها ويطردها من المنزل شرّ طردة. لكنها ما إن تعود إلى منزل شقيقها حتى تضعهُ زوجته أمام خيارين لا ثالث لهما، فإمّا هي في هذا المنزل أو (حياة)؟!
يُسلِّط هذه الفيلم القصير الذي تبلغ مدته 10.52 دقيقة الضوء على هيمنة الرجل الشرقي عمومًا على المرأة وتعنيفه إيّاها بطريقة بشعة فقد قذفها خارج المنزل كما يقذف أية حاجة فائضة عن الحاجة تشكّل ثقلًا على أركان المنزل وفضائه المكاني وتركها تواجه مصيرها المحتوم الذي توقعناه سلفًا. وبما أنّ المدة الزمنية للفيلم القصير لا تسمح بالإطالة والإسهاب فقد سقطت (حياة) في خانق الجنون بسرعة كبيرة، وصارت الغالبية العظمى من الناس ينادونها بـ (حياة المجنونة) التي تأكل من بقايا الطعام الذي يرميه المارة سواء على الطرقات أو في صناديق القمامة. وقد أوحت لنا المخرجة بواسطة بعض اللقطات والمَشاهد القصيرة أنّ (حياةً) قد أصبحت مجنونة بالتمام والكمال. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنَّ المخرجة نفسها قد أدّت هذا الدور الإشكالي في مراحلة المتعددة بين الفتاة العاشقة، والزوجة التي لا تمحض زوجها حُبًا من نوع خاص، والمرأة المجنونة التي فقدت صوابها تمامًا وفشلت في مجاراة زوجها لكنها نجحت في خاتمة المطاف بإنجاب مولودها الأول الذي احتضنه شخص أشيب كأنه انبثق من اللامكان لينقذ هذا القادم الجديد الذي انبثق من رحم المرأة التي كانت تتمنى أن تنجبه من حبيبها وليس من عملية اغتصاب مزدوجة قام بها شابان مارقان من أراذل الناس الذين لا تعرف قلوبهم الشفقة والرحمة على امرأة مجنونة فقدت صوابها بسبب القمع والتهميش والمُصادرة.
لا شك في أنَّ عنوان هذا الفيلم الدرامي القصير مُعبِّر وذو دلالة كبيرة، فـ (حياة) التي أحبت شابًا جميلًا كان يحرّك مشاعرها الإنسانية العميقة والمُرهفة، ويوحي لها بأنّ حياتها القادمة سوف تكون أجمل وأكثر عطاءً وإنسانية لكننا، مع الأسف الشديد، نرى العكس تمامًا حيث تنسحب هي إلى دائرة العنف الذي يفضي بها الجنون وتنجب طفلها الأول من دون أن تتاح لها إمكانية احتضانه وتربيته كما تحلم وتريد لكنها، في الأقل، سلّمتهُ إلى أيادٍ أمينة لا تفرّط بطفولته البريئة وإنسانيته المُرهفة التي سوف يتربّى عليها في القادم من الأيام التي نتوقعها أن تكون مليئة بالعناية والمحبة والاهتمام.
جدير ذكره بأنّ فيلم (حياة) قد فاز بجائزة أفضل ممثلة أُسندت إلى الفنانة كاردينا هيمن في الدورة الثالثة لمهرجان( السينما ضد الإرهاب) بأربيل. وقد كان هذا الفوز مُستَحقًا لأنها جسّدت شخصية (حياة) في مراحلها الثلاث كفتاة عاشقة، وزوجة لا تحب من ارتبطت به، وامرأة مجنونة تشرّدت بسبب ضغوطات العائلة والمجتمع في شوارع المدينة وأصبحت ضحية بريئة لا حول لها ولا قوة وهي تواجه مغتصبيها الأراذل. ينتمي هذا الفيلم إلى الواقعية العراقية الجديدة التي يمكن لها أن تتطوّر على أيدي السينمائيين الشباب الذين يصرّون على رواية قصصهم بأنفسهم ولا يتركونها تُروى عن طريق الأجانب وسينماهم العالمية.
بقي أن نقول بأن كاردينا هيمن أنجزت حتى الآن أربعة أفلام روائية قصيرة، وشاركت في تمثيل خمسة عشر فيلمًا قصيرًا، بالإضافة لمسلسل تلفازي وفيلم طويل. وقد حازت على العديد من الجوائز المحلية والعربية ونتوقع لها مستقبلًا لامعًا في كتابة السيناريو والتمثيل والإخراج السينمائي. وهي من المخرجين الكورد القلائل الذين يخرجون أفلامًا عراقية يتحدث أبطالها باللغة العربية كما الحال مع المخرج ريگا البزنجي الذي أخرج فيلمه الجميل (ندم) الذي يعلق في ذاكرة مُشاهدية لأطول مدة زمنية ممكنة.





